نتناول في هذه الحلقة التغيرات التي استجدت في دولة الامارات خلال الفترة 1998 ـ 1990، وذلك من خلال دراسة المؤشرات الاقتصادية الرئيسية والتي تعكس مدى التطور الاقتصادي واثر العوامل الداخلية والخارجية في هذه التطورات وبيان مسيرة الاقتصاد الوطني، وذلك بغية تحديد وضعية الاقتصاد بعد مرحلة النمو التي بدأت فعليا مع قيام الدولة واستمرت خلال فترة السبعينات، حيث شهدت هذه التطورات نقطة تحول مهمة في تاريخ الاقتصاد الوطني بدأت منذ العام 1980م. شهدت فترة الثمانينات تحولات اقتصادية مهمة تختلف عن تلك التحولات التي شهدتها الفترتان الماضيتان وكان لهذه التحولات الاثر الواضح على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة سواء على المستوى الحكومي او الخاص او سواء على الصعيد الاجمالي او القطاعي، وهذا الاختلاف يتمثل في عدة جوانب منها التطورات النوعية والكمية في القاعدة الانتاجية واتجاهات الاستثمار، اتجاهات الانفاق الحكومي، حجم وكفاية الموارد المالية ونتيجة لذلك فإن اغلب التغيرات الاقتصادية التي حدثت خلال فترة المقارنة حققت معدل نمو سالباً مثل الانتاج والناتج المحلي الاجمالي، والاستثمار والادخار بينما سجلت القطاعات الاخرى (عدا النفط) معدلات نمو موجبة وتتضح هذه التطورات من خلال استعراضنا لاهم المتغيرات الاقتصادية التالية. اولا: الناتج المحلي الاجمالي من خلال تحليلنا لهيكل الناتج المحلي الاجمالي خلال الفترة من 80 ـ 1990م يتضح لنا انه شهد تطورا ملحوظا ونموا مطردا اذ انه نتيجة تكثيف الاستثمارات في القطاعت غير النفطية، واهتمام الدولة بالقطاعات المختلفة الاخرى ولسياساتها نحو تنويع مصادر الدخل، شهدت القطاعت الاقتصادية (عدا قطاع النفط الخام) نموا. ملحوظا فارتفع اجمالي مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي في عام 1990 ليبلغ الى نحو 125.2 مليار درهم بالاسعار الجارية مقارنة ب111.5 مليار درهم في عام 1980م و102.0 مليار درهم في عام 1985م، هذا بالرغم ان نسبة مساهمة قطاع النفط الخام في الناتج المحلي الاجمالي مازالت عالية، ولكن هذا القطاع شهد خلال السنوات الماضية (فترة المقارنة) تقلبات شديدة انعكست وبشكل واضح على مجمل الاوضاع الاقتصادية في الدولة ولكن اصبحت درجة تأثير هذه التقلبات اقل حدة مع التنوع في مصادر الدخل، وارتفعت مساهمة القطاعات الاخرى المتنامية في الاقتصاد الوطني باستثاء قطاع النفط الخام من 36.7% في عام 1980 الى 56.0% في عام 1985م ثم الى 57% في عام 1990، ويلاحظ ان قطاع الزراعة والثروة الحيوانية قد سجل معدلات نمو عالية بالرغم من الظروف غير المواتية لهذا القطاع والمتمثلة في محدودية الرقعة الزراعية وصعوبة الظروف المناخية وكذلك للعلاقة الانتاجية في هذا القطاع وقد حقق هذا القطاع خلال هذه الفترة مساهمة بلغت 2.4 مليار درهم بالاسعار الجارية مقارنة ب817 مليون درهم في عام 1980م. كما حقق قطاع الصناعات التحويلية مساهمة في الناتج المحلي الاجمالي بلغت في عام 1990م نحو 19.9 مليار درهم مقارنة بعام 1980م حيث بلغت المساهمة 6.9 مليارات درهم وذلك نتيجة الاستثمارات الضخمة التي وجهت لهذا القطاع خلال فترة السبعينات والثمانينات وباعتبار ان هذا القطاع هو محور وركيزة التنمية الاقتصادية خاصة مع توفر العناصر المشجعة كالطاقة ورأس المال والبنية ا لاساسية المتطورة، ثم تأتي مساهمات القطاعات الاخرى كقطاع الكهرباء والماء والذي بلغت مساهمته 2.1 مليار درهم في عام 1990 مقابل 1.2 مليار درهم في عام 1980م، وقطاع التشييد والبناء 16.7 ملياراً مقارنة بـ18.7 مليار درهم حيث تم الانتهاء من البنية الاساسية. ثانيا: الاستهلاك النهائي بالرغم من الظروف التي استجدت خلال السنوات التي اعقبت عام 1980م بسبب تذبذب اسعار النفط وتأثيرها على عوائد الدولة وبالتالي على المتغيرات الاقتصادية الاجمالية بالدولة، الا ان الاستهلاك النهائى سواء كان الخاص ام الحكومي لم يتأثر بنفس درجة تأثير المتغيرات الاقتصادية الاخرى، بل ان حقق معدلا موجبا للنمو بلغ 7.2% سنويا بالاسعار الثابتة. ويعزى ذلك الى اهتمام الدولة بتطوير الخدمات العامة بأنواعها وكان لهذا التطور الاثر الكبير على معدلات النمو في الناتج المحلي الاجمالي خلال فترة المقارنة. فقد ارتفع الانفاق الاستهلاكي النهائى من 30.96 مليار دولار عام 1980م الى 66.8 مليار درهم في عام 1990م، ويعزى ذلك الى زيادة حجم السكان وارتفاع مستوى الدخل والتوسع في تطوير الخدمات للمواطنين والمقيمين على السواء وارتفاع مستوى التعليم والتحضر. ثالثا: الدخل القومي مقارنة بالارتفاعات التي سجلها الدخل القومي خلال فترة السبعينات بسبب اسعار النفط وتسجيله لمعدلات نمو عالية حيث بلغ الدخل القومي 98.7 مليار درهم في عام 1980 ثم ارتفع ليصل نحو 106.7 مليارات درهم في عام 1981م فقد شهدت السنوات التالية معدلات نمو اقل حيث سجل الدخل القومي خلال الفترة من 82 ـ 1989م انخفاضا بسبب الظروف التي شهدتها اسعار النفط والتذبذب الناجم عن الطلب العالمي على النفط الخام مما انعكس على كافة المتغيرات الاقتصادية ومنها الدخل القومي الذي سجل معدلات نمو سالبة بدأت في عام 1982م عندما بلغ 96.0 مليار درهم مقارنة ب106.7 مليارات درهم في عام 1981م وذلك بانخفاض قدره 10.7 مليارات درهم (-10%) واستمر الدخل في تسجيل معدلات نمو سالبة ليصل عام 1988م الى 73.0 مليار درهم ثم عاد في عام 1989 ليسجل نمواً من جديد وليبلغ 86.0 مليار درهم. ثم يعود مرة اخرى ليسجل معدل نمو سالبا في عام 1990 حيث سجل 105.9 مليارات درهم (-1.4%). ولقد انعكست هذه المعدلات المتذبذبة طول هذه الفترة على حصة الفرد من الدخل القومي التي وصلت أدنى مستوياتها في عام 1988 عندما بلغت 44.5 الف درهم بالاسعار الجارية ثم عادت الى الارتفاع لتصل الى 57.5 الف درهم في عام 1990. رابعا: اجمالي تكوين رأس المال الثابت بعد ان استكملت الحكومة مشاريع البنية الاساسية خلال فترة السبعينات وفي مختلف قطاعات البناء الهيكلي حيث شهدت تلك المرحلة تكثيفاً في الاستثمار ولاسيما استثمارات الحكومة الاتحادية، بدأت مرحلة الثمانينات اي منذ عام 1981 لتشهد انخفاضا في حجم الاستثمارات الحكومية (الحكومة الاتحادية) تسبب فيه تذبذب الايرادات النفطية منذ عام 1981 بسبب تقلبات الاسعار العالمية وانخفاض حجم الطلب العالمي على النفط الخام لذا بلغ اجمالي تكوين رأس المال الثابت لدى الحكومة ا لاتحادية في عام 1981 نحو 8.8 مليارات درهم بالاسعار الجارية مقابل 12.5 مليار درهم في عام 1980، ثم سجل انخفاضا اخر في عام 1985 ليبلغ 7.5 مليارات درهم، بينما ارتفع حجم الاستثمارات الحكومي في عام 1990 ليبلغ 8.3 مليارات درهم وذلك بعد استقرار اسعار النفط الخام وارتفاع الطلب العالمي على النفط. اما استثمارات قطاع الاعمال (الحكومي والخاص) فقد استمرت في الارتفاع نظراً للظروف التشجيعية التي وفرتها الاستثمارات الحكومية خلال الفترة الماضية، حيث ارتفعت استثمارات هذا القطاع ولاسيما في المجالات الانتاجية بدءا من عام 1981 حيث بلغ تكوين رأس المال الثابت 21.3 مليار درهم واستمرت الاستثمارات بالزيادة لغاية عام 1984 لتصل الى 21.5 مليار درهم ثم انخفضت بصورة حادة نسبيا في عام 1985 لتسجل 16.9 ملياراً بسبب الاوضاع الاقتصادية. ثم الى 15.8 مليار درهم في عام 1990. خامسا: الادخار القومي ان التطورات الاقتصادية والمالية التي شهدتها مرحلة الثمانينات اثرت وبشكل واضح على مجمل المتغيرات الاقتصادية في الدولة، ومنها الادخار القومي. فقد تأثر الادخار القومي بتراجع عائدات النفط، مع استمرار تزايد الاستهلاك النهائى سواء الحكومي او الخاص بمعدلات عالية خلال السنوات من 81 حتى 1990 فضلا عن الظروف المالية التي اثرت وبشكل واضح في الادخار القومي، وعليه انخفض الادخار القومي وسجل معدل نمو سالب حيث بلغ في عام 1981 نحو 56.3 مليار درهم مقارنة ب61.0 مليار درهم في عام 1980 ثم استمر في تسجيل معدل نمو سالباً فبلغ في عام 1990 نحو 31.9 مليار درهم، واصبحت نسبة الادخار القومي الى الناتج المحلي الاجمالي منخفضة حيث اصبحت في عام 1985 نحو 33.4% ثم انخفضت لتصل في عام 1990م الى 25.6%. وكما هو معلوم فإن استمرار الانخفاض في الادخار القومي سوف يؤثر وبلاشك على احتياطيات الدولة ومركزها المالي. سادسا: القوى العاملة شهدت الفترة من 80 ـ 1990 استقراراً نسبيا في الاوضاع السكانية قياسا بالمعدلات المرتفعة التي شهدتها الدولة خلال فترة السبعينات، ويعزى ذلك الاستقرار الى الاجراءات التي اتخذتها الدولة حيال الوضع السكاني، وكذلك الانتهاء من الجزء الاكبر من البنية الاساسية من انشاء واعمار مما ترتب عليه خفض العمالة ولاسيما العمالة غير الماهرة فضلا عن الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والامنية.