في الحلقات الماضية وقفنا على نظم توزيع الثروات الطبيعية والتي شملت نظام منع الحمى الخاص ونظام احياء الموات «للارض» واقطاع الارض، وبذل فضل الماء واخيرا اشراك الناس كافة في اربعة مصادر اقتصادية اساسية: الماء والكلأ والنار والملح، واليوم ننتقل إلى نظام آخر من نظم التوزيع الاقتصادية الاسلامية المتعددة والمتعلقة بالثروة والدخل. ان تعبير الدخل والثروة في الفقه الاسلامي مقارب لما هو عليه الحال في الفكر الاقتصادي الحديث، فالدخل هو تيار المنافع الحقيقة المتولدة من عناصر الانتاج خلال فترة زمنية معينة (عادة سنة)، اما الثروة فهي اوسع من مفهوم الدخل حيث انها مجموع السلع والخدمات النافعة والنادرة والقابلة للتملك سواء كانت انتاجية كالارض والمعمل والسماد أو استهلاكية كالسيارة والملابس والغذاء، وبالطبع فان كلمة نادرة لا تعني ان وجودها نادرا وقليل أو شبه معدوم، وانما تعني بالمفهوم الاقتصادي، انها نادرة مقابل الحاجات الانسانية غير المحددة، ومن المعروف اقتصادياً ان كل السلع الاقتصادية والخدمات تعد نادرة باستثناء الهواء واشعة الشمس ومياه المحيطات والبحار والغابات الكثيفة وغير الكثيفة بعد، وذلك طبقا لمعايير الحاجات الانسانية غير المحددة وغير القابلة للقياس، وبالاضافة إلى ذلك فان الثروة الخاصة تشمل وسائل الدفع والنقود والاوراق المالية الاخرى، وهذه كلها ان كانت تشكل ثروة بالنسبة للفرد، الا انها ليست كذلك بالنسبة للمجتمع، بمعنى اخر ان النقود والاوراق المالية وما شابه ليست ثروة اجتماعية، وانما تمثل حقوقا للتملك على المجتمع. ان نظم توزيع الدخل القومي والثروة في الفقه الاسلامي كثيرة ومتعددة ومتشعبة، ونظرا لطولها فاننا سنقتصر على أهمها وعلى اثرها الاقتصادي وحسب دون الخوض في قضاياها الفقهية الا باطارها العام وعند الضرورة ان بذل فضل منافع رأس المال، ونظام الارث والزكاة وزكاة الفطر والاوقاف الخيرية والفيء والغنيمة والركاز هي موضوع بحثنا. بذل فضل منافع رأس المال: يختلف مفهوم رأس المال بالمعنى الاسلامي عنه بالمعنى الاقتصادي الحديث، فرأس المال في الفكر الحديث اختصارا، هو كل مال ناتج عن عملية انتاج سابقة ويستخدم في عملية انتاج لاحقة، فالبذور والاسمدة والمكائن وبعض الابنية والآلات، تعد رأسمال لانها انتجت في عمليات اقتصادية سابقة، وستستخدم في عمليات انتاجية لاحقة، وهنالك انواع متعددة لرأس المال منها الثابت والمتغير، ومنها الخاص والعام ومنها رأس المال الحقيقي والاسمي، ان مفهوم رأس المال التجاري، والواقع لو اردنا ان نضغط المفهوم الاسلامي لوصلنا إلى المفهوم الاقتصادي الحديث تماما. في العصور الوسطى كانت جميع وسائل الانتاج الميتة تعمل بالقوة العضلية أو بقوة الرياح أو المياه (الطواحين الهوائية والمائية)، ولم تكن الآلات والمكائن البخارية أو النارية أو الكهربائية موجودة، فاولا كانت تكلفة انتاج تلك الوسائل قليلة، وثانيا انها غير معرضة للعطب أو التلف أو الضرر نتيجة للاستعمال خاصة اذا ما احسن استخدامها، واخيرا فان امكانية تعويض مالكها في حالة تلفها سهلة، وانطلاقا من هذه الامور وغيرها فان الاسلام حض على بذل فضل منافع رأس المال ومنها اعارة الادوات المنزلية وادوات الخدمة وادوات المهنة وأدوات الحراثة ومنافع حيوانات الخدمة وما شابه. وكذلك حث الاسلام على منافع الارتفاق بين العقارات المتجاورة وهذه تهدف إلى حسن الانتفاع بالعقار واستغلالها على اكمل وجه أو ما نطلق عليه اليوم بزيادة الانتاجية، وهي هدف لكل نظام اقتصادي يسعى لتحقيقه ان المبرر الاقتصادي والاجتماعي لبذل فضل منافع رأس المال هو زيادة المنفعة الكلية في المجتمع أي زيادة الدخل القومي ومن ثم زيادة الثروات فيه دون حاجة للقيام باستثمارات جديدة. وبتعبير اخر، فان النظام الاسلامي في حضه على هذا الامر يحقق ثلاث مزايا اساسية وهي: تعظيم الناتج بدون نفقات اضافية، وثانيا التوجه نحو تحقيق مبدأ اقتصادي على غاية من الاهمية، وهو وفورات الحجم (توسيع المشروع لتقليل الاكلاف إلى ادنى حد ممكن)، وثالثا.. الاقتراب من حالة التشغيل الشامل أو العمالة الكاملة وهي الاكثر اهمية وقلقا في الاقتصاديات المعاصرة، هذا بالاضافة إلى اثرها الاجتماعي الضخم، اذ انها تزيد من روابط الالفة والمحبة والتعاون في المجتمع. ويجب ان نتذكر دوما ونحن نعالج نظم التوزيع الاسلامية، فاننا نتصدى لها من الزاوية الاقتصادية أو بالاصح من زاوية زخمها ونتائجها الاقتصادية لا من زاوية جوانبها الفقهية والتعددية وإلى من تستحق أو تستوجب، والسؤال المطروح هنا في هذا المجال هل يتوجب القيام بهذا المبدأ، (بذل فضل منافع رأس المال)، الاصل في العمل الاسلامي عامة في القضايا الاقتصادية هو الاستحباب والتطوع، وبالتالي فانها طوعية، ولكن للدولة (الأمة) أن تجعلها وجوبا عند الضرورة. والواقع ان التربية الاسلامية كما نوهنا سابقا تخلق وجدانا يقظا وضميرا حيا، يخاف الله عز وجل ويخشى عقابه، والله خالق الكون وما عليه والبشر وما حوله لا يجيز للانسان ظلم اخيه الانسان ولو كان بامتناعه عن مساعدة أخيه من ماله الذي هو في حقيقة الامر مال الله والانسان هو مجرد وكيل أو مستخلف على هذا المال ليؤدي فيه دور خدمة الانسان والانسانية من خلال عمارة الارض والرقي بالانسان إلى اعلى درجات الكمال. نظام الارث: يعد نظام الارث الاسلامي من ارقى انظمة الارث على سطح الارض قديمها وحديثها، الوضعي منها والسماوي، لدرجة ان كثيرا من أهل الاديان الاخرى السماوية وغير السماوية يفضلون التعامل بنظام الارث الاسلامي على انظمتهم، لا بل ان قوانين نابليون والذي اشتهر بها اكثر من غزواته وانتصاراته مستمد في جوهره من النظام الاسلامي وللغرابة والمفارقة وللسخرية ايضا ان اغلب إن لم يكن جميع قوانينا الحديثة مأخوذة من هذا القانون الذي يستند على اكثر من 70% منه على التشريع الاسلامي. ان الاثر التوزيعي لنظام الارث الاسلامي كبير ولا يستهان به لانه يفتت الثروة ويوزعها إلى اكبر عدد ممكن من الاقارب وبدرجات مختلفة، في حين ان الكثير من الانظمة الاوروبية الحديثة لاتزال تحصر حق الارث بيد الولد الكبير! أو على الاقل بقيت هكذا حتى وقت قريب، ان المناهضين للفكر الاسلامي يرون في نظام الارث الاسلامي هذا نقيصة وليس ميزة لانه يفتت الثروات الكبيرة إلى ملكيات صغيرة في الحجم واحيانا متباعدة ايضا كالجيش لا يمكن معه الافادة من مزايا (اقتصاديات النطاق أو الحجم) في الفكر الاقتصادي الحديث وبالتالي يؤثر على الكفاءة الاقتصادية، ان مثل هذه الحجج يمكن دحضها بسهولة، وذلك من خلال امكانية بيع وشراء القطع الصغيرة وبسهولة أو تنظيم هذه الاراضي وتلك الملكيات بشكل يسمح بتجميع القطع الصغيرة في الادارة والاستثمار أو بمبادلة القطع الصغيرة بين الافراد المبعثرة بقطعة كبيرة، وهذا ما يطلق عليه «بالتجميل» واخيرا لا اخرا عن طريق نشر الوعي التعاوني والعمل الجماعي. ان نظام الارث الاسلامي عادل من عدة وجوه اولها انه يوزع الثروة على أكبر عدد من الاقارب (الابناء والاقارب) ثم لا يجيز الوصية لاكثر من ثلث المال، ولا تجوز الوصية لأي من الورثة، في حين انه حتى اليوم في النظم الغربية يستطيع المالك ان يهب ماله كله إلى أحد اولاده أو إلى غير اولاده وفي هذا ظلم كبير للاقارب والاهل والاولاد على السواء الذين غالبا ما ساهموا في تراكم تلك الثروة. ان الاثر الاقتصادي للارث هام، ولو فرضنا ان مجتمعا يبلغ العمر المتوقع فيه 65 عاما وتتوزع فيه الثروة على نحو متساو، فان 1/65 من الثروة تقريبا ينتقل بالموت والارث كل عام، واذا كان معامل الدخل لرأس المال يقارب (3-2/5) وهو كذلك في مجتمعاتنا فان الثروة المنتقلة بالارث تبلغ حوالي 4/65 أو حوالي 6% سنويا، ولو كان المسنون هم مالكو الثروة عادة ويموتون قبل الاحداث فان النسبة قد تتضاعف إلى ضعفين أو ثلاثة من الدخل أي 18 - 24% من الدخل سنويا وهي نسبة محترمة لاعادة توزيع الدخل وارجاعه إلى حالة من التوازن الاقتصادي والاجتماعي.