تسارعت الاحداث العالمية مؤخرا بشكل غير مسبوق جعل من الصعب جدا على أي خبير اقتصادي أو مالي التنبؤ بما يخفيه المستقبل، وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، وما اعقبها من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي بشكل عام، بدأ المسئولون بدول مجلس التعاون الخليجي يتحدثون صراحة عن وجود مخاطر حقيقية تهدد الاموال والاستثمارات الخليجية في الخارج، والتي تصل نسبتها إلى 70% في الدول الصناعية فقط، وتقدر بمئات المليارات من الدولارات. حول هذا الشعور بالخطر تفتح «البيان» ملف الاموال الخليجية المهاجرة للوقوف على حقيقة موقف تلك الاموال، ومعرفة أوجه القلق التي تساور رجال الاعمال والمسئولين الخليجيين، ومناقشة البدائل والفرص الاستثمارية المقترحة لدى دول الخليج لاستقطاب هذه الأموال. الأموال العربية المهاجرة بالخارج دائماً مايثار حولها الجدل، لماذا هاجرت ومتى تعود؟ ثم كيفية هذه العودة، وهل المناخ ملائم ويستوعب عودتها؟ اسئلة متعددة وحائرة، وقد ازدادت علامات الاستفهام بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الأسواق الأمريكية والغربية في أعقاب الهجوم الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر الماضي، والاجراءات التي أعقبتها بشأن مراقبة الأموال العربية والمضايقات التي يتعرض لها المستثمرون. والتقديرات حول الأموال العربية المهاجرة متناقضة من حيث حجم هذه الاستثمارات، البعض يقول انها تتجاوز التريليون دولار، وان الاستثمارات السعودية بالخارج وحدها تزيد عن 750 مليار دولار، بينما يقدر البعض الأموال الاماراتية المستثمرة بحوالي 300 مليار دولار، بينما يقدر البعض اجمالي الاموال العربية بما لايزيد عن 700 مليار دولار وانه بعد التراجع الحادث بالأسواق العالمية وانخفاض عائد العديد من الأدوات الاستثمارية فان البعض يشير الى ان فرص عودة هذه الاموال المهاجرة الى أوطانها أفضل الان، خاصة بعد الاحداث الأخيرة في الولايات المتحدة والحديث عن مضايقات تتعرض لها هذه الاموال. ويؤكد رجل الاعمال سالم عبدالله سالم ان الاموال العربية متواجدة في قطاعات متعددة وهي بشكل أكبر يتم تشغيلها في أسواق المال والسندات والشركات الكبرى وكذلك في العقارات، والاستثمارات أو الأموال العربية تتوزع بين استثمارات طويلة الأمد واخرى قصيرة الامد وبعد الاحداث الأخيرة والتراجع بالأسواق الأمريكية والأوروبية فان الاستثمارات قصيرة الأمد هي التي تعرضت للخسارة وتقدر هذه الخسائر بالمليارات وان كانت معظم هذه الخسائر دفترية، وفيما يلي تفاصيل الحوار: 10% فقط ـ هل ستجبر المتغيرات العالمية الاموال العربية المهاجرة على العودة؟ ـ لاشك ان المتغيرات الأخيرة السياسية والاقتصادية سيكون لها دور في عودة الاموال المهاجرة، ولكن لا اعتقد ان الاموال العربية بالخارج ستعود بشكل جماعي لان هذا صعب فالخروج من هذه الأسواق ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، وفي أفضل الاحوال فأنا لا اتوقع عودة أكثر من 10% من هذه الاموال. والتفكير في العودة لدى البعض بدأ حتى قبل احداث 11 سبتمبر بسبب انخفاض العائد على الودائع في البنوك والمصارف الغربية بالاضافة الى فرص أفضل تعطي عائداً أكبر في الداخل كما ان العودة تحتاج الى وقت طويل ولكن يجب ان تكون البداية صحيحة وكلما كانت كذلك فإن المدة التي تعود فيها هذه الاستثمارات قصيرة. الوضع بالسوق المحلية ـ اذا كنا نتحدث عن عودة الاموال المهاجرة لابد ان يقابل ذلك وضع سوقي جيد، فما هو الوضع بالسوق المحلية؟ ـ السوق المحلية لاتزال جيدة وتؤدي بشكل جيد، فمثلاً سوق الاسهم نلاحظ ان معظم أسعار الاسهم تحسنت وحققت ارتفاعاً، كما ان هذه السوق لم تتأثر بالاحداث الأخيرة في الولايات المتحدة، وهذه ميزة للسوق الاماراتية بخلاف أسواق الاسهم الخليجية الاخرى والسبب ان معظم الشركات المساهمة ليست لديها استثمارات بالسوق الامريكية ولذلك لم تهتز الاسهم المحلية عندما اهتزت السوق الامريكية، كما ان السياسات الاقتصادية المتبعة في الامارات جنبت السوق الهزات المفاجئة والتي تؤثر على الاسواق العالمية والمحلية الاخرى. كما ان بعد الامارات عن واقع الاحداث الساخنة واقصد بالذات العسكرية خدم السوق الاماراتية. ـ ولكن اسعار الفائدة على الودائع بالمصارف المحلية تأثرت بالانخفاض المقابل بالمصارف الامريكية والاوروبية. اليس ذلك ارتباطاً؟ ـ الوضع مختلف.. نعم تراجعت الفائدة على الودائع بالبنوك المحلية كما حدث في امريكا وقد يعود ذلك الامر إلى ارتباط الدرهم بالدولار، ولعل هذا الانخفاض على الودائع ساهم في عودة بعض الاموال من الخارج إلى الداخل، حيث لا تزال عندنا فرص استثمارية افضل. وتدر عوائد جيدة في قطاعات متعددة. واتوقع الا ترتفع الفوائد المصرفية في السوق الامريكية على مدار العام الحالي حيث ان السوق يعاني من ضعف واضح بالاداء وهذا في صالح عودة الاموال إلى الداخل. 700 مليار دولار ـ ما هو تقديركم لحجم الاموال العربية المستثمرة او المهاجرة بالخارج؟ ـ حقيقة لا توجد ارقام رسمية عربية محددة، والامر كله يعتمد على التقديرات وانا في تقديري الشخصي ارجح ان تكون بين 600 ـ 700 مليار دولار وهي موزعة في الولايات المتحدة واوروبا وسنغافورة واماكن اخرى، وكما تعاني هذه الاموال في الوقت الراهن. لكن مازلت اعتقد ان هذه المعاناة محدودة، حيث ان هذه الدول توفر المناخ الاستثماري الملائم، وتتوافر فيها الشفافية والوضوح، وعدم التعقيد، وانا استطيع من مكتبي هنا بالامارات ان ادخل وادير صفقات في سوق الاسهم الامريكية او الاوروبية عن طريق الشبكة الالكترونية.. وفي دقائق معدودة، هذه الشفافية وسهولة التعامل ليست موجودة بالاسواق العربية. كما ان الوقت ملائم للاستثمارات طويلة الامد لتحقيق صفقات جيدة. ولذلك فأنا اتوقع ان تكون العودة محدودة ولن تتجاوز 10% من اجمالي هذه الاموال، وهذه المحدودية للعودة ايضاً يساندها عدم وجود فرص بديلة في الداخل. تعديلات تشريعية ـ كيف تشجع عودة هذه الاموال وما هو المطلوب لتسهيل عودتها؟ ـ المطلوب هو ثورة تشريعية او تعديلات في القوانين والتشريعات الخاصة بالاستثمارات فالدول الاوروبية لا يوجد فيها قيود على الاستثمار في اسواق الاسهم والسندات وغيرها.. ولكن نحن نضع القيود على ذلك فتوضع قيود على الوافدين وكثير منهم اعتقد ان لهم استثمارات وودائع خارجية فلماذا هذه القيود اذا كنا ندعو لاستقطاب المزيد من الاستثمارات. فنحن نعاني من التشريعات والقوانين التي لا تزال تعرقل وجود تدفق الاموال من الخارج للداخل خاصة فيما يتعلق بالمستثمرين العرب وغيرهم ولو وجدت البنية القانونية الصالحة فسوف نرى عودة العديد من هذه الاموال. تعميق الخصخصة كما ان ما يساهم في عودة الاموال ايضاً هو تعميق الخصخصة حيث ان معظم الشركات المساهمة تمتلك الحكومات سواء المحلية او الاتحادية غالبية الحصص بهذه الشركات خاصة الكبيرة منها وتصل نسبة التملك في بعض هذه الشركات إلى 90%، واذا كنا نطلب زيادة الاستثمارات الخاصة فيجب خصخصة هذه الشركات وان تتخلى الحكومات عن الجزء الاكبر من حصصها لان ذلك سوف يسمح بتحريك سوق الاسهم وزيادة تدفق الاموال إلى السوق المحلية، فالمستثمر لا يرى امامه سوى مجالات محدودة للاستثمار وهذه المحدودية هي من اسباب هجرة الاموال. ونحن نؤيد خطوة شركة اعمار العقارية والتي فتحت الباب امام الوافدين لشراء بعض من اسهمها ويجب ايضاً مد الخصخصة إلى الشركات والقطاعات الخدمية الاخرى مثل الكهرباء والماء. النظم الاساسية للشركات وهناك امر آخر لابد ان ننبه اليه يتطلب تغييراً فورياً في النظم الاساسية للشركات المساهمة وبما يتوافق مع القانون، فالنظم الاساسية لهذه الشركات، فهل يعقل ان تمنع شركات وطنية من ان تشتري اسهم اتصالات او الجرافات على سبيل المثال رغم ان قانون الشركات يسمح بذلك ولكن النظم الاساسية تحول دون ذلك وهذا يدل على تقاعس مجالس ادارة هذه الشركات. فمن عوائق الاستثمار حتى للمستثمر الوطني هذه الشروط المتعلقة باعادة شراء 10% من اسهم الشركة بالسوق حيث توجد شروط غريبة منها ان يتم التخلص منها من خلال السوق، كما يجب ان تقل القيمة السوقية للاسهم عن القيمة الدفترية، وان يتم الشراء خلال فترة محددة وغيرها. هذه امثلة على عوائق الاستثمار التي يجب ان نتخلص منها لانها لا تساعد المستثمر الخارجي على زيادة استثماراته. الشفافية تجذب المستثمر ـ هل هناك متطلبات اخرى تسمح بتدفق الاموال المهاجرة؟ ـ تعتبر الشفافية في السوق المالية من اكثر العوامل التي توفر الثقة لدى المستثمر سواء بالداخل ام الخارج، وبقدر حجم الوضوح والشفافية تكون السوق اكثر جاذبية ولن يتحقق ذلك الا بالتزام البنوك والشركات المساهمة باصدار بيانات ربع سنوية. ونحن نلاحظ ان بعض البنوك والشركات ومنها مؤسسات كبيرة لا تفصح ولا تعطي اخبارها للسوق سواء كانت هذه الاخبار ايجابية ام سلبية رغم انها موجودة بالسوق الرسمي «البورصة». بل ان بعضها تتخذ مجالس اداراتها قرارات ولا يعلن عنها، وهذه القرارات يستفيد منها قطاع من الناس الذين يعلمون بهذه القرارات، ومن لا يعلمون وقد يكونون من حملة اسهم هذه الجهة لا يستفيدون ومثل هذه القرارات اذا لم يفصح عنها ويعلن عنها تجرم في دول اخرى ويعاقب القانون عليها.. لانها ساهمت في تحقيق مكاسب لفئة معينة دون فئات أخرى.. والمستفيد من القرارات السرية يجب ان يعاقب وان يجرى تحقيق حول تسرب المعلومات.. مجالات الاستثمار ـ لنفترض ان الاجواء متوفرة لعودة الاموال المهاجرة فلأي القطاعات تتجه؟ ـ توجد فرص بالعقار والاسهم، والشركات المساهمة يمكن ان تجتذب جزءا من هذه الأموال شرط ان تتم الخصخصة وان تتخلى الحكومات عن جزء من اسهمها في هذه الشركات.. كما ان الاموال المهاجرة يمكن ان تستثمر في تجديد وتوسيع بعض المشروعات الصناعية القائمة وفي القطاع السياحي والخدمي.. وبالنسبة للعقار يجب ان تكون الاستثمارات في البناء المتميز لان هذا القطاع يشهد تشبعا في الوقت الحالي وهناك زيادة بالعرض مقابل الطلب.. وانا ادعو الجهات المسئولة سواء كانت دوائر التنمية او غرف التجارة والوزارات المعنية الى تشكيل لجان او هيئات تكون وظيفتها تقديم المشروعات والفرص الاستثمارية التي تحتاج الى اموال للاستثمار ولابد من التنسيق والتعاون بين الجهات المختلفة ونحن في دولة الامارات نجد فرص الاستثمار محددة في مجالات محددة.. ولانريد ان ندخل في متاهة اقامة المشروعات الصناعية التي لا تتوافر لها الخامات المحلية، او الايدي العاملة، والخبرات، لاننا في ظل العولمة قد ندخل في متاهات. ونحن هنا يجب ان نركز على القطاعات الخدمية والسياحية وبعض المشروعات الصناعية التي تتوافر لها مقومات النجاح والقدرة على المنافسة فالاستثمارات يجب ان تتوافق وتتوازن مع واقع البلد اي بلد، كما يجب ان يتعمق التنسيق مع دول مجلس التعاون بحيث لا يتم التكرار في المشروعات الاستثمارية وان يكون هناك نوع من التخصص وان يتم دعم الميزة الاستثمارية في كل دولة بعيدا عن التنافس، فمثلا يجب دعم صناعة الاسمنت في دولة الامارات لوجود المواد الاولية فيها، وفي قطر الحديد وهكذا. شعار وواقع ـ برأيك هل دولة الامارات بحاجة الى استثمارات خارجية ام ان لديها من السيولة والامكانات التي تجعلها في غنى عن هذه الاستثمارات؟ ـ ليس هناك دولة لا ترغب في وجود استثمارات اضافية مهما كانت السيولة لديها.. خاصة وان العالم اصبح قرية صغيرة، وكما نوظف ونستثمر اموالنا في الخارج فاننا نرحب ايضا بالاستثمارات الخارجية.. ولو عادت الاموال الاماراتية المستثمرة بالخارج او المهاجرة فإن ذلك أفضل.. ولكن ونحن نتحدث عن عودة الاموال العربية المهاجرة الى السوق العربية ككل فانا ارى ان الشعار اكبر من الواقع.. فلاتزال الاسواق العربية تفتقد الى عوامل الجذب لمحدودية قطاعات الاستثمار وانحصارها في حدود ضيقة، بالاضافة الى البيروقراطية المتأصلة.. واستخدام الاساليب التقليدية في الدعوة لعودة الاستثمارات كل هذه المفاهيم يجب ان يعاد النظر فيها لان المستثمر يهمه ان يجد المناخ المناسب لعودة استثماراته.. كما ان الاحداث الاخيرة في الاسواق الامريكية أو الأوروبية لم تؤثر على المستثمرين العرب ولايزال المناخ الاستثماري في اوروبا وامريكا افضل مما هو موجود بالاسواق العربية من حيث الشفافية وسهولة التعاملات.. ولا اقول جديدا اذا علمنا ان بعض الاموال العائدة خرجت مرة اخرى الى الخارج لعدم توفر البنية او المناخ المناسب الذي يمكنها من العمل. ممارسات خاطئة كما ان عدم الالتزام بالتشريعات القانونية في الدول العربية، والمتغيرات السياسية في العالم والمنطقة، وبعض الممارسات الخاطئة تؤثر على عودة الاموال المهاجرة او حتى بقائها بالسوق العربية ككل.. فلا تكفي الشعارات، بل يجب العمل بجد لان العالم كله يتسابق على جذب الاستثمارات. الاستقرار بالمنطقة ـ هل تعتقد ان تطورات القضية الفلسطينية والخوف من انتشار الصراع بالمنطقة، ثم الاحداث في افغانستان، والمشكلة الهندية الباكستانية، وهي كلها صراعات تدور بالمنطقة العربية او على حدودها تؤثر على عودة الاستثمارات؟ ـ رأس المال جبان.. والاستقرار مهم لجذب الاموال، والمخاوف تسهم إلى حد كبير سواء في تأخير عودة الاموال الى اوطانها أو حتى في حركة المستثمرين بالداخل، ونحن نعلم ان كل هذه الازمات توجد نوعا من الترقب.. فالاستقرار عامل مهم ليس فقط بالمنطقة العربية ولكن بالعالم.. ونحن شاهدنا من قبل الازمة الاقتصادية الاسيوية التي اثرت على العالم، ثم مايحدث الآن في السوق الامريكية وهو كما لمسنا جميعا اثر على كل دول العالم وان كان ذلك بنسب متفاوتة. حوار: مصطفى عويضة