تسارعت الاحداث العالمية مؤخرا بشكل غير مسبوق جعل من الصعب جدا على أي خبير اقتصادي أو مالي التنبؤ بما يخفيه المستقبل، وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، وما اعقبها من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي بشكل عام، بدأ المسئولون بدول مجلس التعاون الخليجي يتحدثون صراحة عن وجود مخاطر حقيقية تهدد الاموال والاستثمارات الخليجية في الخارج، والتي تصل نسبتها إلى 70% في الدول الصناعية فقط، وتقدر بمئات المليارات من الدولارات. حول هذا الشعور بالخطر تفتح «البيان» ملف الاموال الخليجية المهاجرة للوقوف على حقيقة موقف تلك الاموال، ومعرفة أوجه القلق التي تساور رجال الاعمال والمسئولين الخليجيين، ومناقشة البدائل والفرص الاستثمارية المقترحة لدى دول الخليج لاستقطاب هذه الأموال. اعتبر مشعل كانو نائب رئيس مجموعة شركات كانو في الامارات وعمان احدى اكبر الشركات الخليجية في المنطقة ان الظرف الحالي يعد فرصة تاريخية لعودة الاموال الخليجية والعربية المهاجرة شريطة توفر المناخ الاستثماري الجذاب لتمكين هذه الاموال من البقاء وإلا عادت مرة اخرى إذا سنحت الظروف لها مرة اخرى. وقال ان المناخ الاستثماري في المنطقة من الاجواء الطاردة للاستثمار حيث لاتزال القوانين والتشريعات المتعلقة بالاستثمار بحاجة إلى تعديلات جذرية لجذب الاموال المهاجرة خصوصا اذا كانت هذه القوانين لا توفر المزايا والتسهيلات التي توفرها القوانين في الدول الاجنبية. واكد على اهمية تحرك الحكومات الخليجية سريعا لاقناع الاموال والاستثمارات الخليجية بالعودة لكن من خلال توفر حالة سياسية مستقرة وتعديل القوانين التجارية والاستثمارية في المنطقة وطالب بالغاء شرط الملكية «51% للمواطن و49% للاجنبي» لافساح المجال امام الشركات الاجنبية لدخول الاسواق الخليجية والاستثمارية فيها. واعتبر كانو توجه دول الخليج لانشاء بورصة خليجية موحدة خطوة جيدة في اتجاه جذب الاموال الخليجية للعودة غير انه طالب بتوفير الشفافية والافصاح في اداء الشركات المدرجة في البورصات وتسهيل عملية الشراء والبيع في كافة دول الخليج «ليس من المعقول شراء اسهم شركات في الامارات ولا استطيع بيعها مثلا في السوق السعودي». وفيما يلي نص الحوار: المناخ طارد للاستثمار! ـ في البداية كيف ترى تجدد دعوات عودة الاموال الخليجية للاستثمار في ضوء الظروف التي يتعرض لها العرب والمسلمون في الخارج عقب احداث 11 سبتمبر؟ - حقيقة منذ فترة طويلة ونحن نطالب بوضع أموالنا في ديارنا غير أنني ولأول مرة احسست عقب احداث 11 سبتمبر ان هناك جدية في العودة حقيقة لكن تظل المشاكل امام عودة الاموال لدولنا موجودة، فليست هناك دول سواء خليجية أو عربية توفر نفس المزايا التي تتوفر للاموال المهاجرة في الخارج ناهيك عن ان المناخ الاستثماري في معظم الدول الخليجية والعربية طارد للاستثمار، فالشفافية والافصاح مفقودة في اداء الشركات العامة والخاصة، كما ان التعقيدات والروتين والبيروقراطية هي السمة التي تتسم بها مناخات الاستثمار في العديد من الدول العربية والخليجية، فالمستثمر يحتاج إلى سنوات من الاجراءات والمعاملات كي ينهي اجراءات تأسيس مشروعه. وهنا السؤال: لماذا لا نأخذ من الدول الأجنبية الانظمة والقوانين التي تجذب الاستثمارات؟ لماذا لا تفتح دول الخليج اسواقها امام الاستثمارات الاجنبية؟ ـ هل معنى ذلك ان دول الخليج تفتقد إلى المناخ الاستثماري الذي يمكن ان يجتذب الاموال المهاجرة؟ - انا كمستثمر خليجي لدي الرغبة في الاستثمار في الداخل، وكافة مشاريعنا في دول الخليج كالبحرين والامارات وعمان والسعودية وايران واليمن وقريبا مصر، لكن هناك عقبات تقف امامنا للاستثمار بقوة فأنا كمستثمر وكمواطن خليجي لا استطيع شراء أراضي أو اسهم إلا بشروط وان كانوا هناك قد بدأوا في تسهيل الاجراءات منذ عامين لكن عامة كافة القوانين والتشريعات المتعلقة بالاستثمار في دول الخليج في حاجة إلى اعادة نظر فليس من المعقول ان تظل هناك قوانين منذ الخمسينيات والستينيات تحكم العمل الاستثماري. لكن الخطوة التي اتخذتها قمة مجلس التعاون مؤخرا بانشاء بورصة خليجية موحدة، ودعوة الاموال الخليجية بالعودة تجعلنا نشعر بتفاؤل في ان الحكومات الخليجية عازمة بالفعل على تهيئة المناخ الاستثماري وان تصبح منطقة الخليج اقليما استثماريا واحدا، وسوقا واحدة لانه ليس هناك مستثمر لا يجب ان يضع امواله داخل وطنه وبجانبه بدلا من أن تظل في الخارج تحت سيطرة آخرين يتحكمون فيها. ـ إذن ما هي شروط المستثمرين من وجهة نظرك لعودة أموالهم للاستثمار في الداخل؟ - هنا لابد على الحكومات ان تسأل نفسها ما هي المزايا التي تتوفر للاموال المهاجرة والتي تجعلها تصر على البقاء في الخارج رغم الضربات العديدة التي وجهت لها في السابق سواء من اهتزازات البورصة أو انهيارات الاقتصاديات الاسيوية أو انهيار اسهم شركات التكنولوجيا، لأنه ما لم تجد الاموال المهاجرة في حال عودتها نفس المزايا التي تتوفر لها في الخارج ستعود مرة اخرى اذا ما سنحت لها الظروف واكتشفت عدم تهيئة الظروف المناسبة لها في الداخل وتحقيق عوائد مجزية. أولى هذه المزايا توفر القوانين والتشريعات الجاذبة للاستثمار وبدونها لن تأتي اموال تذكر سواء وطنية أو اجنبية وفي هذا الصدد لابد من اعادة النظر بالتحديد في قوانين الشركات وشرط الملكية. وثانيها لابد من تشجيع تأسيس شركات كبرى يجد المستثمر انها جديرة بالاستثمار فيها ذلك ان معظم الشركات الموجودة في كافة دول الخليج محصورة في البنوك وشركات التأمين ولا توجد شركات كبيرة يمكن الاستثمار فيها كما هو موجود في الخارج مثل شركات التكنولوجيا، وهنا اتحدث عن شركات كبيرة وطنية خالصة وليس شركات اجنبية لانه بمقدورنا بالفعل تأسيس مثل هذه النوعية من الشركات حيث تتوفر عوامل تكوينها من العقول العربية المتوفرة ورؤوس الاموال. الشرط الثالث توفر حقوق الملكية الفكرية وهو شرط مفقود في دول الخليج، فأنا كمستثمر اذا سجلت علامة تجارية أو اختراعا باسمي في دائرة اقتصادية أو في جهة حكومية في الامارات مثلا فهل تحتفظ بقية دول الخليج بحقوقي في هذه العلامة أو الاختراع ولا تسمح لاحد بتقليده أو تزويره؟! في أمريكا على سبيل المثال اذا سجلت علامة تجارية هناك تضمن حماية حقوق الملكية الفكرية في اسواق العالم لان السلطات الامريكية تضغط على بقية الدول لمنع التقليد والتزوير. مجالات واعدة للاستثمار ـ لكن هناك من يرى ان دول الخليج تفتقد إلى الفرص الاستثمارية ومجالات الاستثمار فيها إما محدودة أو متشبعة؟ - دول الخليج بها مجالات واعدة للاستثمار، وفرص عديدة يمكن ان تجتذب رؤوس الاموال المهاجرة .. خذ على سبيل المثال توفر الرمال والشمس على مدار العام، وكهرباء وطاقة شبه رخيصة، ورؤوس أموال ضخمة، ألا يمكن الاستفادة من كل هذه العوامل؟ هذه العوامل يمكن ان تساعد مثلاِ على تأسيس شركات في الخليج لتصنيع رقائق الكمبيوتر وهي نوعية جيدة من الاستثمار وأهميتها كبيرة في تطوير الاقتصاد المحلي علاوة على ان منتج رقائق الكمبيوتر من الصناعات التصديرية في الخارج، كذلك الحال في المشاريع التي يمكن ان تقام على استغلال الشمس المتوفرة طوال العام في كافة دول الخليج. فرص الاستثمار موجودة والرغبة في عودة الأموال الخليجية المهاجرة موجودة ايضا لكن تظل الخطوة لدى الحكومات الخليجية في تشجيع هذه الأموال على العودة باتخاذ خطوات جدية وكسر احتكار الحكومة في مجالات استثمارية عديدة باتاحة الفرصة للقطاع الخاص المحلي والاجنبي بالدخول فيها خصوصاً قطاع الخدمات، لماذا لاتفتح دول الخليج المجال أمام الشركات الوطنية والأجنبية لدخول قطاع الاتصالات الذي يعد القطاع الوحيد المحتكر في كافة دول الخليج تقريباً؟ اذا كان هناك خوف من دخول الاجانب فيمكن وضع القوانين والأسس التي تحول دون ذلك والتي تضمن حماية مصالح الدولة، كأن نسمح على سبيل المثال بدخول شركات وطنية بنسبة 80% للمواطن و20% للأجنبي على اعتبار ان الشريك الأجني سيأتي باستثمارات وبخبرات جديدة يستفيد منها الشريك المواطن والاقتصاد الوطني. ـ انت كمستثمر خليجي، هل لديك الرغبة في عودة استثماراتك من الخارج؟ ـ ليست لدينا سوى استثمارات محدودة في الخارج كشراكة مع شركات أجنبية لكن منذ تأسيس مجموعة شركاتنا منذ أكثر من قرن وتوجهاتنا أن تكون أموالنا بجوارنا لذلك كافة استثماراتنا في البحرين والامارات والسعودية وقطر واليمن وايران ونفكر حاليا في دخول سوق مصر لكن كبداية لاستطلاع السوق هناك واذا اكتشفنا وجود جدوى من استثماراتنا هناك سوف نضخ استثمارات كبيرة وهذا يرجع الى استقرار الحالة الاقتصادية في مصر وسهولة الاجراءات هناك. وفي تقديري ان العائد على الاستثمار في دول الخليج جيد وليس بأقل من نظيره في الخارج لكن يظل حجم التداولات قليل للغاية، على سبيل المثال اذا اشتريت كمية ضخمة (50 ألف سهم مثلا) من أسم شركة إعمار وأردت بيعها في اليوم التالي هل أجد المستثمر القادر على شراء هذه الكمية من الأسهم؟ النقطة الثانية ان عنصر الأمان متوفر في حال الاستثمار في دول الخليج مقارنة بالاستثمار في الخارج ولذلك دوماً يبحث المستثمر عن الدول التي تضمن له الأمان والعائد الجيد على الاستثمار لأن العواطف وحب الوطن ليست مهمة في الاستثمار لأن الاستثمار في الأموال أمانة واذا ما خسرت اموالي بدعوى الوطنية وحب الوطن فأنا هنا لا أستطيع مساعدة الاخرين. لذلك نحن كمجموعة تجارية استثمارية نركز على الاستثمار في الداخل لاننا ندرك أهمية الاستثمار في الخليج وعائده الجيد ناهيك عن أننا نبحث عن العائد الذي يأتي من مصادر يكون فيها الاستثمار حلالاً، ذلك ان أكبر شركتين يتم الاستثمار فيهما في الخارج وتجتذبان استثمارات هائلة هما شركة (جيلد) و(تشيك بوين) أكبر شركة حماية على الانترنت وهي شركة اسرائيلية. مناخ جيد في الامارات ـ كيف ترى المناخ الاستثماري في الامارات؟ ـ نحن نستثمر في الامارات منذ سنوات طويلة ووجودنا هنا قديم لان الامارات تمتلك مناخاً استثمارياً جيداً، والمجال الاستثماري هنا أفضل مقارنة بمناطق اخرى لان التعقيدات أقل ناهيك عن ان الحكام يقفون مع الاستثمار الوطني والاجنبي ويوفرون المزايا والتسهيلات العديدة للاستثمار ولديهم رؤى وتطلعات للمستقبل وهو ما نلحظه جيداً في دبي التي نجحت في سنوات معدودة في اجتذاب رؤوس اموال خليجية وأجنبية عديدة ومجالات الاستثمار فيها متنوعة لكن لاتزال الامارات بحاجة الى تعديل قوانينها وتشريعاتها التجارية والاستثمارية، وتسهيل الاجراءات والمعاملات كما ان البورصة لاتزال بحاجة الى شفافية أكبر، وان تضع حدوداً لمسألة تعدد المصالح وفرض عقوبات على المتلاعبين في البورصة، وتحديد المسئولية في حال اكتشاف خلل في ميزانيات الشركات المدرجة في البورصة وهل يعاقب عليها مجلس إدارة الشركة أم المدققون؟ وما دور إدارة البورصة في ذلك؟ ومع ذلك فان خطوة انشاء سوق للأوراق المالية في دبي وأبوظبي تعد من الخطوات الجيدة في جذب الأموال المهاجرة لكن لابد وان يتبع هذه الخطوة خطوات اخرى هامة تتمثل في فتح المجال امام الخليجيين والأجانب للاستثمار في البورصة فمازالت هناك قيود على دخول الاستثمارات الاجنبية في البورصة، نقطة اخرى تجعل من مناخ الاستثمار في الامارات قادراً دون غيره على جذب الاموال الخليجية والعربية على السواء للاستثمار ان الامارات وضعت اللبنة الاساسية ضمن منظومة المزايا والتسهيلات المقدمة للمستثمر وتتمثل في حرية دخول وخروج الاموال، وحرية المستثمر في تحويل أرباحه الى الخارج دون قيود وهي أشياء أساسية لأي مستثمر يتخذ قراره بالاستثمار في دولة دون اخرى لان مثل هذا الاجراء يجعله يشعر باطمئنان في أنه بمقدوره الخروج بأمواله وبأرباحه في أي وقت يقرر ذلك. عنصر الامان.. السبب ـ مرات عديدة تعرضت الاستثمارات الخليجية والعربية المهاجرة الى ضربات عديدة كبدتها الكثير من الخسائر سواء عندما انخفضت أسعار أسهم شركات التكنولوجيا أو عقب انهيار الاقتصاديات الاسيوية، ومع ذلك لم نلحظ عودة لها، هل ترى ثمة تغير في الموقف عقب أحداث 11 سبتمبر يجعل عودة هذه الأموال قوية هذه المرة؟ ـ صحيح لكن هناك فارق بين قوة الضربات السابقة وهذه الضربة مع السابق كانت الخسائر التي تعرضت لها الاموال المهاجرة ناجمة عن أزمات أو أحداث اقتصادية بحته لكن هذه المرة تأتي الخسائر من عامل سياسي وليس اقتصادي وهنا مكمن الخطورة على وجود هذه الاموال خارج وطنها لانه أصبح في ظل الاجواء غير المواتية للعرب والمسلمين ان تطال يد الحكومات الأمريكية والعربية هذه الاموال وتحت مزاعم وادعاءات بأنها تساند الارهاب وتمول حركات ارهابية وهذا هو ما حدث بالفعل عقب أحداث 11 سبتمبر حيث تم التجميد والتحفظ على الاستثمارات العربية والخليجية. حوار: عبدالرحمن اسماعيل