طيلة العقد ونصف العقد الماضيين ظل النقاد يربطون البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي بأطباء القرون الوسطى الذين كانوا دائما يقدمون نفس وصفة «العلاج» بصرف النظر عن نوع وطبيعة المرض، وقد دفعت هاتان المؤسستان بالملايين من الناس إلى أعماق الفقر، بالترويج لنفس الاصلاحات الاقتصادية القاسية التي تتضمن الخصخصة، وتخفيض الميزانيات، و«المرونة» في مجال العمالة بصرف النظر عن ظروف الثقافات المحلية، والموارد، أو السياق الاقتصادي، وقد قبلت معظم الدول النامية، المكبلة بالديون الثقيلة، هذه الاصلاحات على مضض، والتي تسمى ببرنامج الاصلاحات الهيكلية (Structural Adjustment Programs)، كشرط للحصول على قروض صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وقد تمت في السنوات الماضية، تعرية هذه الوصفة القاسية في العديد من الدراسات وفي الاحتجاجات والتظاهرات العالية الصوت في الشوارع، وردا على ذلك، فقد حاول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اعادة تشكيل صورتهما امام الجمهور ليظهرا كمؤسسات تعمل على محاربة الفقر، ونسبة لان البنك الدولي ظل يدعي منذ فترة طويلة بأنه ملتزم بمساعدة الفقراء، فان هذا الامر يعتبر بمثابة تحول حقيقي بالنسبة لصندوق النقد الدولي، والذي ظل يصر دائما على التركيز فقط على الاستقرار المالي والنقد ولا يهتم بأي شيء آخر خلاف ذلك. وبالنظر إلى سجلات هاتين المؤسستين، ليس من المدهش أن هذا التحول المفاجيء ببرامج اصلاحات صندوق النقد الدولي من وصفات أطباء القرون الوسطى الفجة، إلى موقف الام تيريزا الحاني، قد نتج عن الكثير من الشك والريبة. العناصر الاساسية لبرنامج الاصلاحات الهيكلية Structural Adjustment Programs إنقاص حجم الدولة: يطلب صندوق النقد الدولي أن تقوم الدول بتخصيص الشركات والخدمات العامة، وان تفصل عمال القطاع العام من العمل، وبينما قد يؤدي ذلك إلى توفير المزيد من الاموال لتسديد الديون، فان القدرات المحلية تصاب بالشلل نتيجة لذلك، في هاييتي، على سبيل المثال، اعترف صندوق النقد الدولي ان خصخصة المدارس قد أدت إلى تدهور كبير في نوعية التعليم وفي نسبة الحضور للتعليم، الامر الذي سيؤثر سلبا على موارد الدولة البشرية لعدد من السنوات المقبلة. موازنة الميزانية الحكومية: بالرغم من ان حكومات الدول الغنية تمارس في العادة التمويل بالعجز (deficit spending)، فان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعتقد ان هذا من الامور المحرمة بالنسبة للدول الفقيرة، ونسبة لان هذه الحكومات غالبا ما تواجه بخيارات صعبة، فانها عادة ما تخفض الانفاق على الصحة، والتعليم، وحماية البيئة، نسبة لان مثل هذه النشاطات لا تولد دخلا للخزينة الحكومية، ووفقا لما ذكرته منظمة (Friends of the Earth)، فقد تم الضغط على البرازيل لتخفيض نفقات المحافظة على البيئة بما يزيد على50% بعد قبولها لاتفاقية مساعدتها بواسطة صندوق النقد الدولي في سنة 1999. تحرير الاقتصاد: يواصل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الضغط من اجل ازالة حواجز التجارة والاستثمار، ومن أجل جعل اقتصاد الدول الفقيرة موجهاً نحو التصدير، ومرة ثانية، إذا ما قامت الدول الفقيرة بزيادة ايراداتها من العملات الاجنبية بزيادة الصادرات، فانها ستكون اكثر قدرة على اعادة التسديد لدائنيها الدوليين، ولكن الناس، لن يستفيدوا بالضرورة، تظهر احصائيات البنك الدولي نفسه، انه في الكثير من مناطق العالم، فان زيادة الصادرات لم ترتبط مع زيادة الاستهلاك الشخصي المحلي، على سبيل المثال، بينما زاد حجم الصادرات في افريقيا جنوب الصحراء بنسبة 4.3% في الفترة بين 1989 و1998، فان استهلاك الفرد انخفض بنسبة 0.5%. اضعاف العمال والاتحادات العمالية: كذلك قامت هذه المؤسسات وبقوة بالترويج لما يسمى «مرونة سوق العمل» عبر الاجراءات التي تجعل من السهل فصل العمال أو اضعاف قدرة النقابات على تمثيل اعضائها، في ربيع سنة 2000، اجاز المشرعون الارجنتينيون اثنين من اقسى المقترحات لاصلاح قانون العمل، بعد ان تحدث مسئولو صندوق النقد الدولي بقوة وساندوا هذه المقترحات، وقد تمت مساندة هذه التشريعات بقوة من قبل المجتمع المالي العالمي، والتي يبدو أنها كانت تمثل وزناً اكبر من عشرات الآلاف من الارجنتينيين الذين قاموا بالاضرابات العامة ضد هذه الاصلاحات. وبالرغم من ان آخر دراسة تم اصدارها بواسطة البنك الدولي تظهر التناسب بين المعدل العالي للتنظيم النقابي وانخفاض مستويات عدم المساواة، فان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يدعيان في الوقت نفسه بأنه لا يمكنهما القيام بالترويج لحقوق العمال، لان هذا يشكل تدخلاً في السياسات المحلية للدول. بالرغم من ان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ظلا يروجان لبرنامج الاصلاحات الهيكلية (Programs Structural Adjustment) كدين فعلي لحوالي 20 سنة، فانهما لا يمكنهما حتى الآن ادعاء انهما حققا خفضا في عبء ديون الدول النامية، حيث انه بين سنة 1980 و1997، زاد دين الدول ذات الدخل المنخفض بنسبة 544% وزاد دين الدول ذات الدخل المتوسط بنسبة 481%. محاولة لزيادة شعبية اجراءات صندوق النقد الدولي: في سنة 1999، واستجابة للمعارضة المتزايدة، منح صندوق النقد الدولي تسهيلات الاصلاحات الهيكلية المعززة (يقوم عبرها بمنح قروض برنامج الاصلاحات الهيكلية SAP)، وهي المسمى الجديد لتخفيض الفقر ودعم النمو الاقتصادي، وقد اعلن كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي انه بموجب مقاربتهم الجديدة، فإنهما سيطلبان من الحكومات التي تسعى إلى الحصول على قروض وإلى الاعفاء من الديون ان تتشاور مع المنظمات الدولية المختصة لتطوير الاستراتيجيات المؤدية إلى تخفيض الفقر، وبالاضافة إلى ذلك، فقد وعدت المؤسستان بزيادة الالتزام باعفاء ديون الدول الاكثر فقراً، وقد عبر رئيس البنك الدولي في اكثر من مناسبة عن فخره بهذه المجهودات. وبالرغم من أن معظم المبادرات الجديدة لتخفيض الفقر هي في مراحلها الاولية المبكرة، فان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قدما الكثير من الادلة المؤيدة للشك والريبة في اولا جدوى هذه الاصلاحات وثانيا جدية صندوق النقد والبنك الدوليين في القضاء على ظاهرة الفقر العالمية. حقيقة جهود مكافحة الفقر: قامت المنظمات غير الحكومية (Nongoernrment Organizations) بتقديم نقد قوي حول عملية التشاور مع المؤسسات الدولية، والتي يفترض ان تتم عند تطوير الحكومات للاستراتيجية المطلوبة لتخفيض الفقر، فقد شكك العديد من الخبراء والمهتمين بظاهرة الفقر العالمي في جدوى «التشاور»، اذا كانت الحكومات ستضطر إلى قبول السياسات المعيارية حتى تحصل على موافقة صندوق النقد الدولي، ويقول احد هؤلاء الخبراء، من مركز نيكاراجوا للدراسات الدولية أن مشاورة المجتمع المدني مقيدة في نقاش ضيق حول السياسة الاجتماعية، وهو يجادل بأن هذه العملية «تحاول تمييع النقاش المركزي الذي يدور حول نقطة اساسية تتمثل في فقدان نموذج جديد للتنمية بالنسبة للدول الفقيرة، وايجاد نظام تجاري جديد للعالم، لا تتم السيطرة والتحكم فيه بواسطة دول الشمال الغنية والشركات المتعددة الجنسيات. وبتاريخ اكتوبر 2000 قامت دولتان فقط (أوغندا وبوركينا فاسو) باكمال اجراءات رسم استراتيجية لتخفيض الفقر فيهما، وقامت 13 دولة اخرى باكمال دراسات مبدئية تتعلق باستراتيجيات مماثلة، ولكن في حالات كثيرة، فقد اقرت العديد من المنظمات الدولية المختلفة بالانعدام الكامل للتشاور مع الرأي العام سواء المحلي أو العالمي، وأن العملية برمتها ليست سوى مجرد شكليات أو عمليات علاقات عامة.