وقفنا في الحلقتين الماضيتين على اهمية وتعددية نظم التوزيع الإسلامية مبتدئين بنظم الثروات الطبيعية وانتهينا عند نظام منع الحمى الخاص وقارنا بينه وبين نظام التسييج الذي طبقته اوروبا وخاصة بريطانيا بالاكراه والقوة المسلحة، والذي ادى بحياة عشرات الألوف من الفلاحين الفقراء الاحرار ومصادرة اراضيهم وتحويلها الى مراع وتسييجها لحساب اللوردات والطبقة الاقطاعية القديمة (الرأسمالية الجديدة) واليوم نكمل نظم توزيع الثروات الطبيعية. احياء الموات: ان المقصود باحياء الموات هو احياء للارض الخراب وهي اراض لا يمكلها احد ولا ينتفع بها احد وتعريفها كما ذكره الفقهاء «هي كل ارض خارج البلد لم تكن ملكا لأحد ولاحقا خاصا له..» ونعني باحياء الموات هو ما يمكن ان نطلق عليه اليوم وبالتعابير الحديثة استصلاح الارض.. وهو كل عمل يجعل الارض قابلة للانتاج اقتصاديا وتحت ظروف التكنولوجيا السائدة.. ويكون ذلك باستحداث المنفعة لها (للأرض) او زيادة المنفعة فيها ويتم ذلك بطرق مختلفة.. اما جلب المياه لها وسقايتها او بتجفيفها ان كانت مغمورة بالمياه كما في حالة الأهوار والمستنقعات او بازالة الملوحة عنها ان كانت ارضا مالحة او باي شيء يجعلها صالحة نافعة ومستثمرة بعد ان كانت بورا او معطلة وبالطبع فان مثل هذه الاعمال تعد منتجة لانها تزيد من منافع المجتمع وتساعد على زيادة الرفاه لافراده وهو ما يحبذه الاسلام ويشجع عليه وفي احيان كثيرة يوجبه. والمبدأ الاسلامي في هذا المجال القائم على قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «من احيا ارضا ميتة فهي له وما اكلت منه العافية فهي له صدقه».. ان الاسلام لم يقف عند حد التحفيز على احياء الارض الموات وجعلها ملكا لمن يستصلحها وحسب، بل سحب مفهومه هذا حتى على الاراضي المملوكة من الغير ولكنها غير مستثمرة ففي الوقت الذي يسمح فيه نظام التملك الخاص الرأسمالي القائم على الحرية الاقتصادية. بقاء الارض بورا ولاي فترة زمنية كانت. تحت ذريعة الحرية الاقتصادية والشخصية.. والتي هنا.. ستضر بالمجتمع لانها تفوت عليه فرصا اقتصادية تنموية كبيرة.. من خلال زيادة البطالة.. ونقص الاستخدام والهدر في الموارد. فان المبدأ الاسلامي لا يجيز بقاء الارض بوراً او بدون عماره او عمران اكثر من مدة ثلاث سنوات فقط. انطلاقا من قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين». اقطاع الارض الإسلامي: اولا ليس له علاقة بالنظام الاقطاعي الذي ساد في اوروبا فترة الف عام تقريبا وهي مدة العصر الوسيط وان ربط الفلاح بالارض وبالسيد الاقطاعي رابطة استغلالية وتبعية جائرة الاسلام يقر مبدأ اقطاع الارض ملكا او ارتفاقا من قبل الحاكم لبقية افراد الشعب، بغض النظر عن مركزهم الاجتماعي او موقعهم الطبقي او الثقافي وانما هدفه تشجيع الاستثمارات الثابتة (كالات والمكائن والمباني والآبار..) في الارض لرفع انتاجيتها ولكن غالبا استخدم هذا المبدأ من قبل الحكام الى القادة واصحاب المراتب العليا في الدولة والمجتمع او اصحاب النفوذ.. وعلى كل فاننا نعتقد رغم وجاهة هذا المبدأ الظاهرية فانه يتعارض في احيان كثيرة مع جوهر الاسلام وروحه لان ملكية الارض في الاسلام استخلافية وليست مطلقة. واذا كان اقطاع الارض يبقى ملكية (رقبتها) للمجتمع فان هذا الامر وارد بل وضروري في احيان كثيرة ويفضل باستمرار، اما اذا كان الاقطاع يتضمن عين الارض فهذا ينافي روح الاسلام. لقد جاء اقطاع الارض في شكله الثاني وعلى نطاق واسع في العصرين الاموي والعباسي وما تلاهما من عصور الانحطاط. لقد حاول الخليفة عمر بن العزيز (رضي الله عنه) ارجاع ملكية الارض الى سابق عهدها إلا انه فشل. لسببين اولهما قصر مدة خلافته والتي لم تتجاوز السنتين الا قليلا والثاني وهو الاهم.. ان الاراضي قد توزعت باسباب ومبررات شرعية وذهبت في حقوق الارث والزواج والمهور. وغيرها والموقف الشرعي من فائض الموارد الطبيعية وبالاخص الماء؟ يقسم الفقهاء الماء من حيث حيازتها والانتفاع بها الى ثلاثة اقسام ـ ماء محرز في الاواني والاوعية الخاصة وهو ملك لحائزة بالاجماع. ـ ماء الانهار والسيول والينابيع فان حق الانتفاع بها للجميع (حق عام). ـ المياه المكتشفة في الملك الخاص كالآبار والعيون.. فهنا يوجد خلاف فقهي واسع. يرى جمهور الفقهاء ان هذ النوع من المياه ولو كانت تحتاج الى نفقة وجهد لاكتشافها الا ان الناس شركاء فيها لكن صاحب الارض احق. وبعض الفقهاء يقول بانها ملك له وحتى اصحاب هذا الفريق اتفقوا على ان حق الشفه ثابت للناس (الشرب للناس والحيوان والغسل والطبخ وما شابه..) وقد استند هذا الحق على مبدأ الحاجة، فالانسان المسافر لا يستطيع حمل احتياجاته من الماء طيلة سفره.. وحاجته للماء تتجدد باستمرار وحتى لو اصاب صاحب الارض بعض اضرار فانه بامكانه احتماله امام حاجة افراد المجتمع الاخرين اما حق الشرب (سقى الزرع والاشجار) فالامام احمد يرى ايضا جواز اخذ فضل الماء حتى يسقى الزرع ويبدو ان الحكمة الاقتصادية تقر رأي الامام احمد في حين تذهب مذاهب اخرى غير ذلك.. ان البئر بعد حفرها تصبح تكلفتها الحدية وتكاليف صيانتها ثابتة تقريبا ما دامت مستعملة وهذا ما يعرف (بالماء العد) حسب رأي الاستاذ مؤنس الزرقاء. في بحثه القيم عن هذا الموضوع.. وصاحب الماء بعد ان يأخذ صاحبة من البئر تصبح منفعة الماء الحدية عنده مساوية للصفر ايضا.. ففائض الماء يصبح هنا كالسلعة العامة (مثل الجسور والانفاق والترع..) متى ما انتجت لواحد امكن الانتفاع بها غيره دون كلفة اضافية لا على صاحب المشروع ولا على المجتمع فان منع المالك غيره من استعمالها يعد تعسفا في استعمال الحق وكذلك فان تقاضي ثمنا عنها يؤدي الى خسارة اجتماعية طبقا لنظرية بارنيو في التخصيص الامثل للموارد. اما الماء غير العد (الذي تكون نفقته الحدية فوق الصفر) كالابار الارتوازية. فالواجب يقضي على المالك (حق الشفه) باستثناء المواشي الكثيرة، وبامكانه بيع الماء بعدئذ. وهناك استثناء اخر من وجوب بذل فضل الماء بلا عوض هو حالة من يقيم مشروعا مخصصا لاستخراج المياه المعدنية او لتحلية مياه البحر.. هنا يكون الانتاج معدا اصلا للسوق وكذلك فانه مصدر رزق لصاحبه وليس لدى صاحبه فضل ماء بالمعنى السابق ولابد من استرداد التكاليف المتوسطة وان كانت التكاليف الحدية معدومة والا لما اقدم صاحب المشروع على نشاطه ويجب ملاحظة التكاليف الحدية للمشروع باستمرار فان كانت معدومة (صفرا) فان من مصلحة المجتمع تحويل المشروع لمرفق عام اما احكام المعادن، اغلب الفقهاء ومنهم الشافعية يعدونها ملكا للمجتمع وليس للافراد الحق في ملكيتها حتى وان اكتشفت في ارضهم. والبعض يجيز تملكها.. وفي الاحوال التي يجوز فيها الملكية الفردية فلا خلاف في وجوب كالفيء او الزكاة فمن اعتبر المعادن ركازا وجب فيه الخمس لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفي الركاز الخمس. وهذا رأي الحنفية والامامية وقول عند الشافعية ومن لم يعتبر المعدن ركازاً واعده مما تخرجه الارض وجب فيه الزكاة 2.5%.