ان واقع البحث العلمي الدي تعيشه دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة ماسة جدا الى مراجعة شاملة لمنظومة العلوم التقنية والمدخلات والمخرجات والعمليات والمؤسسات والبيئة المحيطة، ولاشك ان هذه المراجعة يجب ان تركز على تحقيق عدة امور هي: توضيح المستوى الذي وصلت اليه هذه المنظومة من ناحية البناء والقدرات وطبيعة المدخلات والمخرجات، كذلك توضيح الدور الفعال الذي تساهم به مكونات هذه المنظومة في تقدم وتطور المجتمع وجهود التطوير المطلوب تحقيقها كي تتمكن هذه المنظومة من تحقيق الاهداف المستقبلية. ان هذه المراجعة يجب ان تهدف الى اخراجنا من الدوامة التي لا نزال ندور فيها حول اهمية العلوم التقنية والدور الذي تؤديه. ولا نود هنا ان نعطي احكاما مسبقة ولكن نود ان نؤكد امرا وهو انه اذا اردنا فعلا ان نواجه المستقبل، فان علينا واجب التفكير وبجدية في نوع الاسلحة التي ينبغي ان نتسلح بها. وكما يقول الدكتور فؤاد الرميحي فان العلم والنشاط العلمي بطبيعته عالمي النزعة، وباتت المعرفة تمثل جزءا مهما من الحضارة الانسانية عامة. ولكن مع تغير دور العلوم كعامل رئيسي في سباق السيادة العسكرية والاقتصادية ، تزايدت درجة السرية والخصوصية كما هو واضح بنسب كبيرة فيما يستجد من المعلومات العلمية. وفي الوقت الحاضر، اصبح ينظر الى الانجازات العلمية كمصدر للقوة والسلطة وبسط للنفوذ والسيادة، وعلى اثر ذلك غدا كثير من الحقول التقنية ، ولاعتبارات عسكرية وتجارية، ممتلكات ومقتنيات استئثارية للمنتجين. كما انه لا يوجد في عالمنا اليوم ما يسمى بالمشاركة «التلقائية» في المعلومات العلمية والتقنية بشكل خاص. وهناك في وقتنا الحاضر ابتعاد عن اعتبار المعارف «بضاعة مجانية»، واتجاه نحو مفهوم «الملكية الفكرية» التي تخضع للامتلاك والمتاجرة والتوزيع بصور غير متساوية. ولكن مع هذا كله فان مقدارا - وان كان يسيرا- من المعلومات العلمية والتقنية لا يزال متوافرا دون مقابل وجاهزا للمشاركة ، هذا ان توافرت للدولة الرغبة والقدرة الكافية على الحصول على مثل هذه المعلومات من خلال التعاون العلمي. وفيما يخص افاق التعاون العلمي والتقني بين دول المجلس، فان هناك امرا يؤكده العديد من الباحثين، وهو ان معيار القوة خلال السنوات المقبلة هو ما تمتلكه الامم من انجازات تقنية تستطيع من خلالها مواجهة التحديات الداخلية والخارجية ، ومن الطبيعي ان القوة التقنية لن تحقق بالامنيات. فهذه الانجازات مصدرها العقل البشري صاحب التخيلات الواسعة والقادر على نقلها الى عالم الواقع والتطبيق. فالتقنية تؤثر بشكل عميق في سيادة الحكومات والاقتصاد العالمي والاستراتيجيات العسكرية. ويواجه العالم اليوم موجة «عارمة» من التطورات التقنية التي تشكل بدورها تحديا كبيرا جدا بالنسبة الى الدول «النامية»، والسؤال : كيف تستطيع الدول الحديثة العهد بالتصنيع ان تتبع خطى الدول الصناعية، ناهيك عن اللحاق بها؟ هذا اذا علمنا ان ميزانية البحث والتطوير لشركة واحدة مثل جنرال موتورز او آي.بي.ام تفوق كثيرا ميزانية كوريا الجنوبية او الصين او الهند في هذا المجال، علما بان دول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي تنفق سنويا 400 مليار دولار، مقابل 15 مليار دولار تنفقها اكبر 15 دولة من الدول النامية. هذه المعضلة تؤكد ضرورة التعاون في مجال البحوث التقنية، واقامة المشروعات المشتركة داخل دول الجنوب. ان نظرية التعاون والتكامل ليست ترفا فكريا يهدف الى اغناء السجل الفكري، فالتعاون والتكامل بين الدول بات ضرورة ملحة تحتمها مقتضيات العصر. فعلى سبيل المثال عندما سعت الدول الاوروبية نحو ايجاد اوروبا موحدة كانت ترى ضرورة وحتمية في خلق هذا الاطار السياسي، على الرغم من تنافر العناصر فيما بينها، بل انها حاولت التغلب على عناصر التجاذب الكفيلة بدمج هذه الامم فيما بينها، بما يحقق فوائد مشتركة تعجز عن تحقيقها منفردة، مما يجدر قوله في هذا المقام: ان العلوم والتقنية هما احد اهم العناصر التي ارتكز عليها التعاون بين دول الاتحاد الاوروبي. وهناك حقيقة تؤكدها الاحصاءات ان الموارد المخصصة لنشاط البحث العلمي والتطوير التقني على مستوى حكومات دول مجلس التعاون ضئيلة جدا. وهذه الاشكالية تواجه العديد من المؤسسات العلمية والانتاجية في دول العالم بما فيها الدول المتقدمة. وهذا ما يؤكده الرئيس السابق للبحث والتطوير في مجموعة نيبون الكتريك حين يقول: ان موارد البحث والتطوير في العالم نادرة، حتى الشركات الكبرى تلهث وراء هذه الموارد. واذا لم نتعاون فلن نستطيع ان نتقدم، وان البحث والتطوير مكلفان للغاية حتى بالنسبة الى شركة ان.أي.سي. ان دول مجلس التعاون تكون فيما بينها اقليما واحدا من حيث اللغة والعقيدة والثقافة. كما ان هناك تشابها كبيرا فيما بين هذه الدول من حيث الجغرافيا والاحوال البيئية والموارد الاقتصادية والصفات الاجتماعية والحضارية والمدنية، مما اهلها لتكوين وحدة اقتصادية واجتماعية متجانسة فيما بينها. وهذا يقود الى التأكيد ان دول المجلس تمتلك مقومات التعاون والتكامل التي تفتقر اليها جل الاقاليم العالمية امام هذه الخصائص الايجابية الداعمة للتعاون، ولكن التحدي يتمثل في القدرة على (جدولة) هذه المقومات لخلق اطار تعاوني مشترك، يمكن هذه الدول، على الرغم من صغر حجمها ، من مواجهة التحديات. كذلك ادركت هذه الدول ان هناك قواسم مشتركة فيما بينها من حيث الصعوبات التي تواجهها: ندرة الايدي العاملة الماهرة. واعتماد الاقتصاد على مورد واحد (النفط)، وقلة الموارد الطبيعية، ومشكلة الامن الغذائي، والتبعية العلمية والتقنية وغيرها. ان بروز هذا الكم من الصعوبات يدعو الى الاقتناع بان التكامل والاندماج بين دول المجلس بات ضرورة حتمية تمليها الاعتبارات الامنية والاستراتيجية والاقتصادية العلمية والتقنية ، لان مثل هذا التكامل يوفر الفرص التاريخية لتحقيق انجازات اصيلة، نابعة من احتياجات المجتمع، بالسرعة المطلوبة والتوازن المنشود ولتضييق الفجوة العلمية والتقنية والتنموية التي عانت منها دول المجلس وما زالت. ان القمم الاخيرة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي ولا سيما قمتي الرياض والمنامة تطرقتا بشكل واضح في بيانهما الختامي الى موضوع التحديات العالمية المتعاظمة التي باتت تواجه دول المجلس مثل العولمة والجات. بل ان هذه البيانات تناولت بشكل واضح بروز ما يسمى بالاقتصاد الجديد القائم على المعلوماتية والتبادل الاقتصادي الالكتروني سواء في مجال البنوك والمال او التجارة او الخدمات كما دعت الى الدراسة الجدية لكيفية الاستفادة من هذه التطورات. وغني عن القول ان البداية الصحيحة لتحقيق ذلك يكمن في الاهتمام بصورة اكبر بموضوع البحث العلمي وتحقيق الخطوات العلمية لاقامة مراكزنا البحثية والعلمية المشهود لها والتي سوف تتولى وضعنا على الطريق الصحيح.