تناولنا في الحلقة الماضية التطورات الاقتصادية التي حدثت في الامارات خلال الفترة من 1972 ـ 1980 من خلال أهم المؤشرات الاقتصادية (الناتج المحلي الاجمالي وسوف نتناول هنا بقية المؤشرات الاقتصادية التي تعكس حقيقة التطورات الاقتصاية ومدى تأثير العوامل الداخلية والخارجية على مسيرة الاقتصاد الوطني. شكل الدخل القومي الاجمالي (بسعر السوق) ما نسبته 81.3% من الناتج المحلي الاجمالي (بسعر السوق) في عام 1972 ثم سجلت هذه النسبة ارتفاعاً كبيراً في سنة 1977 حيث وصلت الى 90.1%، بينما بلغت نسبة الدخل القومي الى اجمالي الناتج المحلي 86.5% سنة 1977، وبالأسعار الجارية فقد سجل الدخل القومي ارتفاعاً كبيراً خلال الفترة 72 19ـ 80 حيث ارتفع ليصل الى 98.7 مليار درهم مقارنة بعام 1972 حيث كان 4.7 مليارات درهم، والجدير بالذكر بأن متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي (وهو يعتبر أحد المؤشرات الاقتصادية في تصنيف مدى تقدم الدول) قد سجل ارتفاعاً كبيراً خلال فترة المقارنة حيث كان في عام 1972 نحو 14736 درهماً ارتفع ليصل الى 51624 درهما في 1977 وتعتبر هذه المتوسطات أعلى متوسطات دخل للفرد في العالم (النشرة الاقتصادية لوزارة التخطيط). ولما كانت الاستثمارات من أهم العوامل المساعدة في أحداث التنمية الاقتصادية في أية دولة، فقد أولت الامارات اهتماماً كبيراً لهذا الجانب حيث كثفت من رأس المال الثابت في دعمها لمسيرة التنمية الاقتصادية وخاصة في السنوات الأولى من السبعينيات ساعدها في ذلك توفر الموارد المالية التي أتاحت الفرصة أمام الجهات الحكومية لبناء أسس الاقتصاد في الدولة، وقد حقق هذا التوجه نتائج ايجابية رغم الصعوبات المتمثلة في محدودية القوى العاملة والاوضاع السكانية والقضايا التنمية والقانونية فضلاً عن محدودية الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، وخلال فترة 72 ـ 80 شهدت الامارات تدفقات ضخمة من الاستثمار في شكل تكوين رأس مال ثابت وضعت في مشاريع التنمية وقامت الحكومة بتخصيص نسب عالية من الايرادات العامة لتمويل تلك المشاريع، كما لعب القطاع الخاص دورا هاماً ومساهمة ايجابية في تنفيذ مشاريع التنمية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية سواء السلعية منها أم الخدمية بشكل يمكن ان يطلق عليه (بالكثافة الاستثمارية العالية)، وكان التركيز على المشاريع العمرانية ومشاريع البنية الهيكلية الاساسية. لقد بدأت الدفعة المركزة من الاستثمار الثابت في عام 1972 مع قيام الدولة، حيث بلغ حجم الاستثمار بنحو 1723 مليون درهم تضاعف بشكل واضح خلال السنوات التالية ليصل الى نحو 30.2 مليار درهم في عام 1980، محققا بذلك معدلاً للنمو بلغ 43% سنوياً بالأسعار الجارية، وبلغت نسبة التكوين الرأسمالي الثابت الى الناتج المحلي الاجمالي نحو 27.13% عام 1980 مقارنة بنحو 30.4% في عام 1975، وهذا لا يعني انخفاض القدرة التمويلية أو تراجعا في التوجهات الاستثمارية ولكن للأسباب آنفة الذكر والتي كانت تمثل محددات للاستثمار في الامارات، بالرغم من ان هذه النسبة تعتبر عالية قياسا بالنسب العالمية، ولقد اضطلعت الحكومة بالدور الريادي في احداث التنمية خلال هذه السنوات، فقد وجهت الحكومات الاتحادية والمحلية (الامارات) مبالغ ضخمة وكبيرة للاستثمار في شكل التكوين الرأسمالي الثابت. وقد حققت الاستثمارات الحكومية في الفترة 72 ـ 80 معدلات نمو عالية بلغ متوسطها السنوي 45.7% سنويا بالأسعار الجارية مقابل 41.4 لقطاع الاعمال، وقد تركزت استثمارات الحكومة في مشاريع ذات كلف عالية كانت البلاد في أمس الحاجة اليها مثل مشاريع الطرق والجسور والمطارات والموانيء ومشاريع الخدمات الصحية والتعليم والمرافق العامة بينما تركزت مشاريع قطاع الاعمال الحكومي في المشاريع الانتاجية الكبيرة مثل مشاريع الصناعات الاستخراجية، مشاريع تصنيع النفط الخام والغاز الطبيعي.. الخ، في حين تركزت مشاريع القطاع الخاص في الاسكان والصناعات المتوسطة والصغيرة وبعض أنواع الخدمات. وبسبب توفر الموارد المالية الكافية لدولة الامارات، ولاسيما في فترة السبعينيات، فقد استطاعت الامارات ان تحقق معدلات عالية من التوفيق بين متطلبات الاستثمار والتنمية من جهة والاستهلاك النهائي من جهة اخرى، وقد حقق حجم الاستهلاك خلال فترة المقارنة (72 ـ 1980) معدلات عالية النمو اذ ارتفع من 1731 مليون درهم بالأسعار الجارية في عام 1972 الى 31 مليار درهم عام 1980، محققا بذلك معدلا للنمو (43% سنوياً) فاق معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي (42.8% سنوياً)، ويتمثل الانفاق الاستهلاكي النهائي في الانفاق الاستهلاكي النهائي الحكومي الذي بلغ نحو 859.2 مليون درهم في عام 1972 بالأسعار الجارية وارتفع ليصل الى نحو 12 مليار درهم في عام 1980، والانفاق الاستهلاكي النهائي الخاص (العائلي) والذي بلغ في عام 1972 نحو 871.6 مليون درهم ليسجل ارتفاعاً يصل الى نحو 19 مليار درهم بالاسعار الجارية، وتعزى الزيادة في ارتفاع نسبة الانفاق الاستهلاكي الخاص (العائلي) خلال سنوات المقارنة الى زيادة عدد السكان من جهة وارتفاع مستوى المعيشة من جهة اخرى، ومن جانب الاستهلاك الحكومي فإن معدلات النمو في حجم الانفاق خلال السنوات الأولى خاصة ترجع الى ان الحكومة وتحقيقاً لهدف تطوير وتحسين مستويات المعيشة قامت بتوفير ونشر الخدمات العامة لكافة السكان وفي مختلف مناطق الدولة، وقد بلغت نسبة الاستهلاك النهائي الاجمالي الى الناتج الاجمالي في عام 1972 نحو 26.2% ارتفعت في عام 1980 لتصل الى 27.8%. ومن المعلوم ان الدخل الممكن التصرف فيه يوزع بين الانفاق الاستهلاكي النهائي والادخار المحلي الاجمالي وقد شكلت نسبة الانفاق الاستهلاكي النهائي الى الدخل الممكن التصرف فيه نحو 37.8% في عام 1977 مقارنة بنسبة 36.8% في عام 1972، كما حافظ الادخار المحلي الاجمالي على نفس نسبته تقريبا حيث بلغت في عام 1972 نحو 63.2% وبقيت في عام 1977 عند 62.2%، وقد بلغ الادخار القومي في عام 1972 نحو 2976 بالأسعار الجارية وارتفع طوال السنوات التالية باستثناء عام 1978، حيث وصل في عام 1980 الى 61029 مليون درهم، ومن الملاحظ عند دراستنا لتطورات كل من الادخار القومي والانفاق الاستهلاكي النهائي نجد ان نسبة الادخار هذه تعتبر من أعلى النسب في العالم إلا ان نسبة الزيادة السنوية للانفاق الاستهلاكي النهائي تزيد عن نسبة تزايد الادخار، فقد ازداد الادخار بنحو 11.9% في عام 1977، بينما ازداد الاستهلاك النهائي بنحو 38.4 في نفس السنة، ويعزى ذلك للأسباب التي أدت الى زيادة معدلات الاستهلاك والتي أشرنا اليها في معرض تناولنا لجانب الاستهلاك النهائي بالاضافة الى ان تراجع عائدات النفط كان أول ما يؤثر سلباً على الادخار. لقد تزايدت القوى العاملة تزايداً كبيراً خلال فترة المقارنة ولاسيما في بداية الفترة واذا ما قارنا بين تعدادي عام 1968، وعام 1975 نلاحظ ان القوى العاملة زادت من نحو 78.1 ألف عامل في عام 1968 الى نحو 288.4 ألف عامل في سنة 1975 بزيادة تبلغ نحو 210.3 آلاف عامل وهي تبلغ نحو ثلاثة أمثال العدد في سنة 1968، غير انه من الملاحظ بأن الزيادة الأكبر قد حدثت خلال الفترة الممتدة بين عام 75 ـ 1977 حيث وصل عدد القوى العاملة في عام 77 الى نحو 477.8 ألف عامل بزيادة قدرها 189.4 الف عامل خلال سنتين فقط، وهذه الزيادة تبلغ نحو 86.3% من الزيادة في القوى العاملة التي تحققت في سبع سنوات، كما استمرت القوى العاملة في الزيادة ولكن بنسبة أقل عن السنوات الأولى من فترة السبعينات وارتفع حجم القوى العاملة ليصل الى نحو 541 ألف عامل في عام 1980 وبمعدل نمو سنوي بلغ 13.4% منذ عام 1975. وتعكس أرقام الزيادات في القوى العاملة حجم النشاط الاقتصادي الكبير في نسبة الوافدين الى مجموعة السكان قد أحدثت ضغوطاً اجتماعية وامنية واقتصادية وشكلت خللاً في التركيبة السكانية مازالت تمثل قلقاً للاوساط الامنية والاجتماعية والسياسية بالدولة على الرغم من الاجراءات التي اتخذتها الدولة خلال الفترة الأخيرة.