مع أفول عام 2001 ووصول العام الجديد، لابد من وقفة فاحصة لاوضاع مختلف القطاعات الاقتصادية بالدولة نرصد من خلالها اهم انجازات الانشطة المختلفة خلال العام الماضي، ومدى التطور والنمو الذي حققته فعليا بلغة الارقام، وفي المقابل نقف عند اسباب جمود بعض القطاعات عند مستوى نمو معين وبحث السبل والوسائل والحلول الممكنة لتطويرها. نرصد خلال سلسلة من التحقيقات الميدانية اقتصاديات قطاعات وانشطة الانتاج أو حركة تطورها في ظل التداعيات الاقتصادية العالمية وكيفية مواجهة مختلف التحديات، في الوقت الذي نستشرف فيه المستقبل والحركة الاقتصادية المتوقعة لمختلف قطاعات الانتاج خلال العام الجديد 2002. تشير التقديرات الى ان اداء القطاع الصناعي في العام 2001 سيكون مقاربا لنفس الاداء الذي تحقق عام 2000 دون حدوث تغييرات جذرية وان كانت التوقعات تؤكد ان الربع الاخير من العام شهد تراجعاً في الصادرات الصناعية الاماراتية المتجهة الى امريكا حيث تراجعت الواردات الأمريكية بشكل كبير من مختلف دول العالم عقب احداث 11 سبتمبر. وشهد القطاع الصناعي في منتصف عام 2001 أهم حدث صناعي محلي تمثل في دخول حكومة ابوظبي كشريك في شركة دبي للكابلات المحدودة (دوكاب) بنسبة 50% لتصبح «دوكاب» شركة وطنية بالكامل مناصفة بين حكومتي دبي وأبوظبي، واعطت هذه الشراكة دفعة للشركة التي وقعت في العام 2001 اضخم ثالث صفقة في تاريخ انشائها لتوريد كابلات واسلاك كهربائية الى الهيئة العامة القطرية للماء والكهرباء (كهرماء) بقيمة 50 مليون درهم. كما شهد عام 2001 استضافة شركة (دوبال) مؤتمر عربال العاشر للألمنيوم والذي أقيم تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس مجلس ادارة شركة دوبال، وشهد هذا المؤتمر الاعلان عن اعتزام دوبال رفع طاقتها الانتاجية بحجم 150 الف طن ليصل الاجمالي الى 700 الف طن سنويا. وتقدر مساهمة القطاع الصناعي بحدود 11% من الناتج المحلي الاجمالي للدولة وتتوقع بعض المصادر الرسمية الصناعية بأن ترتفع النسبة لعام 2001 إلى 13%. وحسب الاحصائيات الصناعية فإن رأس المال المستثمر في القطاع الصناعي في امارة دبي بلغ عام 2000 حوالي 35869 مليون درهم وبلغ اجمالي الانتاج الصناعي (بسعر المنتج) 25515 مليون درهم ويقدر عدد المنشآت الصناعية 880 منشأة صناعية يعمل بها حوالي 84558 عاملاً. وفي حين يرى الصناعيون ان التحديات التي تواجه القطاع الصناعي منذ سنوات مازالت موجودة خصوصا قضية الاغراق في مجال الألبان والزجاج والاسمنت والكابلات الكهربائية إلا انهم يتوقعون ان يؤدي صدور قانون مكافحة الاغراق في عام 2002 الى الحد من ظاهرة الاغراق في السوق المحلية وتوفير الحماية للمنتج الوطني. كما يتوقع الصناعيون ان يشهد عام 2002 طفرة في الاستثمارات الأجنبية والوطنية العائدة من الخارج تحت تأثير المخاوف التي تتعرض لها الأموال العربية في الخارج عقب أحداث 11 سبتمبر مشيرين الى ان مجالات الاستثمار في القطاعات الاخرى خصوصا العقارية والتجارية والخدمية باتت «متشبعة» بالاستثمار الأمر الذي سيهييء الفرصة للقطاع الصناعي لرؤوس الاموال الراغبة للمجيء الى الامارات للاستثمار وباعتبار ان العائد الاستثماري في القطاع الصناعي مازال جيداً علاوة على تمتع القطاع الصناعي ذاته بالاستقرار وعدم التعرض للتذبذبات الخارجية. الاغراق لايزال مستمراً فريد محمد أحمد المدير العام للمبيعات والتسويق بشركة دوكاب يرى ان اداء القطاع الصناعي في عام 2001 كان استمراراً للاداء الذي حققه القطاع على مدى السنوات السابقة حيث لم يشهد القطاع الصناعي تطورات جذرية وان كانت دوكاب شهدت دخول حكومة ابوظبي كشريك مع حكومة دبي بنسبة 50% في ملكية الشركة التي أصبحت وطنية بالكامل. ورغم الظروف الخارجية التي حدثت في الربع الأخير من العام إلا ان دوكاب نجحت في تحقيق النمو المستهدف وحجم مبيعاتها الذي يقارب من حجم المبيعات المتحقق العام الماضي، وحافظت الشركة على استمرار توريداتها للقطاع الحكومي في امارة أبوظبي خصوصاً الى هيئة كهرباء ومياه ابوظبي بقيمة 100 مليون درهم، ودخولنا في المشاريع الحيوية لدائرة الاشغال وبلدية ابوظبي وكذلك عقد توريد مع بلدية دبي لتلبية احتياجاتها لاضاءة الطرق، اضافة الى الانتهاء من التوسعة الثانية لخط الانتاج الثاني لانتاج كابلات خطوط الضغط المتوسط ونأمل انفتاح التوسعة الجديدة خلال النصف الأول من عام 2002. وحسب فريد محمد أحمد فان دوكاب نجحت في عام 2001 في دخول أسواق تصديرية جديدة مثل السوق البريطانية وتعزيز تواجدها في أسواق هونج كونج وبروناي، وهناك خطة لدخول عدد من أسواق الدول العربية. لكن يظل القطاع الصناعي رغم هذه الانجازات التي تحققت يعانى كما يقول من عدم وجود المواصفات والمقاييس المطبقة على السلع المستوردة، والاجراءات الروتينية المتبعة في تخليص البضائع بين جمارك دول الخليج حيث لم تستطع الشركات الصناعية في الامارات التوصل الى نتيجة لايجاد حلول لهذه المعوقات التي تحد من تطور الصناعات الخليجية حيث لايزال المنتج الخليجي يعامل معاملة المنتج الاجنبي، وعلى سبيل المثال نحن في دوكاب عندنا إمكانيات التصدير والدخول الى سوق هونج كونج لكن ليست لدينا الامكانية لدخول دول خليجية أو عربية مجاورة. ثم معوق آخر عانى منه القطاع الصناعي عام 2001 ومنذ سنوات وربما سيظل لسنوات اخرى يتمثل في ظاهرة الاغراق التي تجتاح الأسواق والناتجة من عدم وجود أية رقابة على منافذ الدولة للمنتجات الاجنبية التي لاتتوفر فيها المواصفات المطلوبة وهي سلع في كثير من الاحيان مقلدة ومغشوشة تتواجد في الأسواق لمزاحمة المنتجات الوطنية. وفي اعتقادي ان قرارات القمة الخليجية التي عقدت مؤخرا في مسقط والتي توصلت الى اتحاد جمركي وتوحيد للرسوم الجمركية ستساعد الصناعات الخليجية على النمو والتطور حيث تعطينا فرصة الدخول بسهولة ودون تعقيدات الى الأسواق الخليجية الاخرى ومعاملة منتجاتنا في هذه الأسواق معاملة المنتجات الوطنية. تكامل صناعي خليجي ويضيف فريد محمد أحمد ان الطموح الصناعي يصل الى ايجاد تكامل صناعي خليجي في كافة الصناعات بحيث لايتم منح التراخيص لصناعات موجودة بالفعل في دول خليجية اخرى حيث يعاني القطاع الصناعي الخليجي من تشابه صناعاته التي تنافس كلها على سوق محدودة في حين ان تكاملها سيعطيها القوة لمنافسة المنتجات المستوردة ودخول أسواق تصديرية جديدة يكون للمنتج الخليجي فيها القدرة على المنافسة. وهنا يتعين تطبيق المواصفات والمقاييس، وتقييم جميع المنتجات والسلع بنفس المقاييس المتبعة وبذلك سيكون بوسع المنتج الصناعي الوطني والخليجي مواجهة المنافسة الاجنبية والتي نشاهدها من منتجات أقل جودة ومن دول تدعم صناعاتها في التصدير ومن دول اخرى تتبع سياسات إغراقية باغراق الفائض من انتاجها في دول الخليج خصوصا سوق الامارات. ويتوقع فريد محمد أحمد ان يشهد القطاع الصناعي عام 2002 تطوراً ملموساً في اداء القطاع الصناعي في الامارات بحكم ان هناك توقعات بأن يشهد النشاط الاقتصادي ككل نتائج ايجابية خلال العام الجاري اضافة الى استمرار دعم الحكومة للقطاع الصناعي وتوقعات بتحسن القطاع العقاري والعمراني ووجود مشاريع كبيرة يجرى تنفيذها حاليا وسترى النور في العام الجاري مثل مشاريع شركة اعمار العقارية. وعلى صعيد شركة دوكاب تخطط الشركة لرفع طاقتها الانتاجية خلال عام 2002 مع وجود خطط للتوريد لكافة دول الخليج خصوصا قطر والبحرين وسلطنة عمان. صدور قانون الاغراق وترى د. سهير السبع الخبيرة الصناعية بغرفة تجارة وصناعة دبي ان التحديات التي تواجه القطاع الصناعي وبخاصة قضية الاغراق ستظل موجودة، وكما تقول فان الاغراق سيظل موجودا في الاسواق حتى بعد صدور قانون مكافحة الاغراق الذي سيعرض قريبا على مجلس الوزراء. وهناك انطباع غير صحيح عند الكثيرين من ان القانون سيوقف الاغراق المتحقق في الاسواق والقانون شيء ايجابي وسيعمل على الحد من الظاهرة لكن سيظل الاغراق موجودا بحكم افتتاح الاسواق وعدم وجود مواصفات مقاييس لمعظم السلع المستوردة ناهيك عن ان الاجراءات التي تفرضها منظمة التجارة العالمية لاثبات الاغراق طويلة ومعقدة يكون السوق حتى اثبات حالة الاغراق قد اكتفى بالسلع المغرقة على اعتبار ان هدف الشركة التي تقوم باغراق سوق ما هدف مرحلي ولفترة مؤقتة اما انها تسعى إلى التخلص من الفائض أو المخزون لديها في اسواق مجاورة أو اخراج منافسيها من السوق. وتضيف د. سهير ان عام 2002 سيشهد صدور قانون مكافحة الاغراق لكن يتعين مع صدور القانون فرض رقابة شديدة على الجمارك والموانيء، وتوفر عدد كبير من المواصفات والمقاييس للسلع. وفي حين ترى د. السبع ان الصادرات الصناعية المحلية تراجعت عقب احداث 11 سبتمبر إلى السوق الامريكية نتيجة تراجع الواردات الامريكية في الربع الاخير من عام 2001 من جميع اسواق العالم الا انها تؤكد على ان القطاع الصناعي المحلي بشكل خاص والقطاع الصناعي الخليجي بشكل عام سوف يستفيد من هذه الاحداث في عام 2002، حيث من المتوقع ان يزداد نسبة الاستثمارات الاجنبية في الامارات لسبب رئيسي يتمثل في تطبيق القرار الخليجي الذي يقضي باعفاء الصادرات البينية بين دول مجلس التعاون من الجمارك اذا توفر شرط القيمة المضافة بنسبة 40% مع الغاء شرط الملكية المواطنة 51% وهذا يشجع الاستثمارات الاجنبية على المجيء إلى هنا للاستثمار طالما تحررت من قيد الملكية وعلى اعتبار انها امام سوق خليجية قوامها 25 مليون نسمة. ويدعم هذا التوجه قرار القمة الخليجية في مسقط مؤخرا بتدشين الاتحاد الجمركي من العام المقبل، وفي اعتقادي ان الامارات سيكون لها الحصة الاكبر في استقطاب الاستثمارات الاجنبية بحكم توفر التسهيلات في المرافق والموانيء. طفرة في الاستثمارات الاجنبية النقطة الثانية أن عام 2002 سوف يشهد عودة جزء كبير من الاموال العربية والخليجية على وجه التحديد للاستثمار في الداخل، وتوقعاتي ان يجتذب القطاع الصناعي دون غيره الجزء الاكبر من هذه الاموال للاستثمار في انشطته لاسباب ابرزها تأثر العديد من القطاعات الاقتصادية الاخرى مثل القطاع العقاري الذي يعاني من التشبع نتيجة لزيادة العرض عن الطلب، كما لايزال مجال الاستثمار في الاسهم والسندات غير معروف للكثير ناهيك عن تذبذب اسعار الاسهم بين حين واخر الامر الذي يعطي الفرصة أمام القطاع الصناعي لاستقطاب هذه الاموال الراغبة في العودة والاستثمار في الداخل. وتؤكد د. سهير ان الاستثمارات الصناعية في العام 2002 سوف تزدهر بحكم انها اثبتت جدواها، وزيادة وعي المستثمر الصناعي بدراسة جدوى المشروع قبل الاقدام عليه، وانفتاح السوق الخليجية بشكل كبير، ويقينا ان قفزة كبيرة سوف تحدث للاستثمارات الصناعية الاجنبية في الامارات بعد الغاء شرط الملكية 51% للمواطن و49% للاجنبي، وعلى اعتبار ان جزءا كبيرا من الاستثمارات الوطنية هي في الواقع استثمارات اجنبية كانت لسبب شرط توفر نسبة الملكية تحسب على انها استثمارات وطنية ولمسنا هذا التحول منذ عام 2000. وتضيف ان القطاع الصناعي يكاد يكون هو القطاع الوحيد الذي لم ولن يشهد «تشبعا» في مجالات الاستثمار فيه لان السلعة ليست محدودة بالسوق المحلية وخصوصا ان المدخلات الوطنية في الصناعة المحلية لا تتجاوز 45% علاوة على ان الخيارات مفتوحة امام المصنع للبيع في السوق المحلية والتصدير إلى الخارج. تحقيق: عبدالرحمن اسماعيل