عند استعراضنا الموجز للتطورات الاقتصادية التي شهدتها الامارات خلال العقدين الماضيين نجد ان الاوضاع الاقتصادية التي حدثت طوال العشرين عاماً كانت متباينة وفريدة، في نفس الوقت نظراً لنمط التنمية الاقتصادية السريع في الدولة وما احدثه من تغييرات جذرية، انعكست على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعلاقات الدولة الاقتصادية بالعالم. ويعزى هذا التباين الى اسباب عدة منها النقلة السريعة للاقتصاد (السائد قبل عام 1972). حيث بات من أولويات اهتمام الدولة عند قيامها في الثاني من ديسمبر 1972 التركيز على ايجاد بنية اقتصادية وتطور اقتصادي يواكب التطورات في مختلف مناحي الحياة، لذا فقد شهدت هذه المرحلة تكثيفا للاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية فضلا عن العوامل الخارجية والداخلية التي كان لها الاثر الكبير على النواحي الاقتصادية والمعطيات والظروف التي حتمها الوضع بانتقال الامارات من وضعية سياسية واقتصادية محلية الى الوضع الطبيعي الذي فرضه الواقع بقيام الدولة التي قامت. بتقوية الكيان المؤسسي والتنظيمي لدولة الاتحاد وبناء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة الحديثة. وقد كان العامل الاساسي في ذلك توفر رؤوس الاموال الناجمة عن تدفق الايرادات النفطية الكبيرة والارادة القوية لحكام الامارات وشعبها نحو العمل على كل من شأنه اتحادي، وتوفر مصادر التمويل. ولعل العوامل والمعطيات تلك جعلت الامارات تشهد تحولات اقتصادية كانت مركزة بالدرجة الأولى على النواحي الكمية اكثر منها نوعية وهو امر طبيعي نظراً للأسباب السالفة الذكر. ان تحليل التطورات الاقتصادية خلال العقدين الماضيين لهو من الامور الهامة لاستشراف مستقبل الاوضاع الاقتصادية للدولة خلال السنوات المقبلة نظراً لما مرت به المتغيرات الاقتصادية من تجارب وتباين وتمايز جديرة بالدراسة والتحليل الاحصائي والعلمي، لاسميا ما كان للبترول من اثر كبير خلال هذه المرحلة على كافة مناحي الحياة الاقتصادية، ومازال النفط وعوائده يمثل اساس القرار، ويحدد مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدولة. وتشير النشرة الاقتصادية لوزارة التخطيط للسنوات (1972 ـ 1977) الى ان اعلان قيام دولة الامارات في الثاني من ديسمبر 1971 كان بداية لتحولات اقتصادية رئيسة وجذرية في مختلف القطاعات الاقتصادية في الدولة واتسمت هذه المرحلة بنشاط اقتصادي متسارع وتحقيق معدلات نمو عالية في مختلف المتغيرات الاقتصادية حيث بدأت مرحلة التنمية المبنية على تكثيف الاستثمار في مختلف القطاعات وقد اتاحت الاوضاع الاتحادية من الناحية الاقتصادية الامكانيات الواسعة لانجاح عملية التنمية، فمع توفر رؤوس الاموال وحركتها المستمرة بين الامارات ووجود سعة السوق وارتفاع طاقة الاستيعاب المحلية فقد امكن توفير الاحتياجات المادية للتنمية ونتيجة لذلك فقد شهدت الفترة نشاطاً واسعاً في بناء مؤسسات الدولة المختلفة وحركة نشطة في مجال تنظيم الاوضاع القانونية وتركيزاً أكبر على بناء الهياكل الاساسية، كما شهدت هذه المرحلة تطورات جادة من حيث الاوضاع السكانية، ومع ازدياد الموارد المالية للدولة بعد تصحيح أسعار النفط الخام في عام 1973 بدأت الانطلاقة الكبرى في النمو والتي اعتمدت على استثمارات ضخمة شملت مختلف القطاعات وفي مختلف الامارات وقد أوصلت هذه الاستثمارات والانفاق الحكومي اقتصاد الدولة الى حالة من الازدهار الاقتصادي لم تشهده من قبل حيث بلغ هذا النشاط أوجه في عام 1976 بينما شهد النصف الثاني من عام 1977 انحساراً في النشاط الاقتصادي حيث تراجعت معدلات النمو العالية وتبلور هذا الانحسار بشكل واضح في عام 1978 ويعزى ذلك أساساً الى عوامل خارجية نجمت عن تقلبات الطلب العالمي على النفط الخام، وعوامل داخلية نجمت عن بعض التصرفات الاقتصادية وتجاوز الطاقة الاستيعابية في بعض أنشطة الاقتصاد ويمكن تحديد التطور في المتغيرات الاقتصادية من خلال ما يلي: الناتج المحلي الاجمالي يعتبر الناتج المحلي الاجمالي أوضح مؤشر عن التطورات الاقتصادية خلال هذه الفترة حيث شهدت السنوات من 72 ـ 1980 تحقيق معدلات نمو عالية في الناتج المحلي الاجمالي (43.8% سنوياً في المتوسط) فارتفع من 6.5 مليارات درهم في عام 1982 الى 39.6 مليار درهم عام 1975. ثم الى 111.5 مليار درهم في 1980 ويعزى هذا التطور بشكل أساسي الى ارتفاع ايرادات النفط الخام ومساهمتها في هذا الناتج، حيث لم تقل عن الثلثين كمعدل عام خلال هذه الفترة ولا سيما مع زيادة كمية الانتاج وارتفاع أسعار النفط الخام في عام 1974. وبالرغم من الأهمية النسبية لقطاع النفط لمساهمته في الناتج المحلي الاجمالي الا ان القطاعات الاخرى قد حققت معدلات نمو فاقت معدل نمو قطاع النفط (42.9% في المتوسط سنويا) مما أدى الى زيادة نسبة مساهمتها في حجم الناتج المحلي الاجمالي اذ ارتفعت مساهمتها من 36.4% في عام 72 الى 37.2% في عام 1980 ويعزى ذلك الى الجهد المبذول من قبل الدولة في تنويع مصادر الدخل وإيجاد تنمية متوازنة بين القطاعات المساهمة ولا سيما في قطاعات الصناعات التحويلية، الكهرباء والماء، العقارات، التمويل والتأمين والتي حققت معدلات نمو فاق معدل نمو الناتج المحلي نتيجة الاستثمارات الضخمة في تلك القطاعات باعتبارها ركيزة لبناء اقتصاد متنوع.