منذ حوالي عام تم اختيار الدكتور فؤاد شاكر أمينا عاما لاتحاد المصارف العربية، وبعد ذلك بشهور قليلة تم اختيار الدكتور جوزيف طربية رئيسا للاتحاد خلفا للرئيس السابق محمود عبد العزيز، وبذلك أصبحت هناك إدارة جديدة بدأت عملها في ظل ظروف ومتغيرات دولية وإقليمية لم تشهدها الساحة العربية من قبل، فهل تستطيع هذه الإدارة الجديدة مواجهة هذه المتغيرات بما يخدم الأمة العربية ويضع دورا قوميا للاتحاد؟ ان المنظمات العربية المتخصصة، والاتحادات العربية المشتركة، بل وكافة المؤسسات التي قامت في نطاق التعاون الاقتصادي العربي، قد فشلت فعلا في تحقيق أهم المشروعات العربية التي كان يمكن ان يكون لها دور إيجابي في التنمية الاقتصادية على المستوى العربي الشامل، وفي مقدمتها السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية التي بدأت فكرتها قبل سنوات من فكرة الوحدة الاقتصادية الأوروبية، وبالتالي أصبح هناك شبه اقتناع بأن كل مؤسسات التعاون العربي المشترك جاءت لتأخذ لا لتعطي !! وهو ما ساهم في تدهور أحوال الأمة العربية. ولاشك ان اتحاد المصارف العربية يعتبر أهم الأجهزة العربية المشتركة التي تستطيع تغيير مسار التعاون الاقتصادي العربي بما يضمه من عضوية البنوك العربية الكبري القادرة على تمويل المشروعات المشتركة الضخمة داخل الدول العربية أو بين بعضها البعض وبالشكل الذي يساهم في معالجة المشاكل الاقتصادية العربية ورفع مستوى المعيشة لأبناء الشعب العربي وتحويله إلى شعب متقدم قادر على صيانة حريته وحماية بلاده. ومن هنا فإن اتحاد المصارف العربية يستطيع ان يقوم بدور قومي إيجابي على الساحة العربية، من خلال البنوك الأعضاء، وعن طريق التخطيط السليم لتعاون هذه البنوك وإدخالها في مشروعات مشتركة تعود بالفائدة على كل الأطراف، مشروعات مصرفية ونقدية واقتصادية تمتد إلى مجالات عديدة وتتبلور فيما يلي: أولا : مشروعات الدمج المصرفي للكثير من المصارف العربية، وهي المشروعات التي يهتم بها العالم حاليا وعلى نطاق واسع، حيث ان بعض المؤسسات المصرفية الكبري التي تم اندماجها مؤخرا أصبحت قادرة على شراء نصف العالم أو على سبيل المثال فإن الإندماج الذي تم بين (دويتش بنك ) أكبر بنوك المانيا وبين (درسدنربنك) ثالث أكبر البنوك الالمانية، أدى الى قيام أكبر بنك في العالم حيث سيملك أرصدة قدرها 1.2 تريليون دولار أمريكي أي ما يصل إلى ضعف الناتج المحلي الإجمالي لكل الدول العربية. وفي ظل هذا المناخ الإندماجي العالمي لم نسمع ان اتحاد المصارف العربية اقترح الدمج بين بعض البنوك العربية بل ولا حتى قام بإتصالات بينها لوضع خطة للدمج بين بعض البنوك العربية القابلة لهذا الدمج والتي توافر لديها مقوماته، وبالشكل الذي يمكنها من الوقوف ضد المنافسة المصرفية القادمة من الخارج بعد استكمال تنفيذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية الحرة في مجال الخدمات المصرفية والتي انضم إليها حتى الآن حوالي 12 دولة عربية، كما ان هناك حوالي أربع دول عربية على وشك الانضمام إليها حاليا. لذا نأمل ان يقوم اتحاد المصارف العربية، في ظل إدارته الجديدة، ببذل أقصى الجهود في العمل على وضع خطة متكاملة لدمج البنوك العربية حسب امكانياتها وقدراتها المالية وظروفها المحلية وعرض هذه الخطة على الحكومات العربية وعلى البنوك صاحبة الشأن خاصة في الدول العربية التي تطبق نظام السوق المفتوح والاقتصاد الحر، ومن يقبل الدمج من هذه البنوك يطلب من الاتحاد المعاونة في الخطوات اللازمة لتنفيذه واتمامه في أقرب فرصة ممكنة وسوف يكون ذلك إنجازاً عملياً للاتحاد بعيدا عن التصريحات والمؤتمرات والملتقيات التي لا تسفر إلا عن توصيات نظرية وشعارات إعلامية تقوم بها مؤسسات عربية مشتركة عديدة. ثانيا : ان اتحاد المصارف العربية هو الجهة الأقوى التي تستطيع ان تقوم بدور كبير لجذب الأموال العربية المستثمرة في الخارج، والتي تعرضت هذه الأيام إلى تجميد لم يسبق له مثيل، وذلك تحت إدعاء ان بعضها يستخدم في تمويل الإرهاب مع الاعتقاد ان المتهمين بالإرهاب أغلبهم من جنسيات عربية،وتقوم الولايات المتحدة بالتنبيه على كافة البنوك الكبرى في العالم بمراجعة أرصدة المشتبه فيهم من وجهة نظرها وتجميدها دون دراسة للأسباب أو بعض المبررات التي تؤدي إلى ذلك ! ومن الطبيعي ان هناك تحركات عربية على مستوى كبير للتصدي لهذه الدعوى الأمريكية والتفاوض على عدم التجميد طالما ليس هناك دليل مؤكد على تمويل الإرهاب، كما ان هناك محاولات من جانب أصحاب رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج لتحويل بعض أموالهم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوروبا وإلى البلاد العربية،وقد نشرت بعض الصحف مؤخرا ان الأموال العربية التي تم نقلها خارج الولايات المتحدة الأمريكية في الشهور الأخيرة بلغت حوالي عشر مليارات دولار أمريكي، غير ان أغلبها تم نقله إلى دول الاتحاد الأوروبي ولم ينقل إلى الدول العربية إلا نسبة صغيرة من هذا المبلغ، وهو ما يعد تقصيراً من حكومات هذه الدول التي لم تسارع إلى وضع خطة جماعية لجذب هذه الأموال ووضع المشروعات اللازمة لذلك ومفاوضة الولايات المتحدة الأمريكية لعدم تجميدها. ومن هنا فإن اتحاد المصارف العربية الذي يضم في عضويته 325 بنكا ومؤسسة مالية عربية على مستوى الدول العربية وهو القاطرة الأولى التي تقتحم بها المصارف العربية القرن الحالي مثلما ذكر رئيس الاتحاد في تصريح إعلامي قريب يستطيع ان يبادر بوضع الخطة المطلوبة والعاجلة التي توضح كيفية إجتذاب الأموال العربية من الخارج ووضع المزايا النقدية والعينية والضمانات التي تحمي هذه الأموال وتؤمنها ضد المخاطر التجارية وغير التجارية، وعلى ان يستعين في ذلك بقانون إستثمار المال العربي الموحد الذي تم اعتماده من قبل الدول العربية منذ ما يقرب من عشر سنوات، بالإضافة الى قوانين تشجيع الاستثمارات المحلية في كل من هذه الدول بما تتضمنه من مزايا وحوافز لاستثمار الأموال العربية داخل نطاق المنطقة العربية. ثالثا : مازالت البنوك العربية في كثير من الدول العربية تعتمد على الوسائل التقليدية في تقديم خدماتها المصرفية وبالشكل الذي يجعل عملائها يهربون منها إلى فروع البنوك الأجنبية التي إنتشرت في أغلب البلاد العربية، وإذا أضفنا إلى ذلك قرب العمل الكامل بإتفاقية تحرير الخدمات المالية التي تشرف عليها منظمة التجارة العالمية الحرة والتي تلزم الدول الأعضاء بعدم فرض قيود على فتح فروع أو إنشاء بنوك أجنبية داخل المنطقة العربية، إذا أضفنا ذلك كله لتبين لنا مدى سهولة قدوم البنوك الأجنبية لمنطقتنا العربية ومنافستها للبنوك العربية بما تقدمه من خدمات تكنولوجية تتمثل في السوينت والسويتش والبريد الالكتروني والإنترنت المصرفي والتجارة الالكترونية والبنوك الالكترونية وغير ذلك من خدمات تسعد المتعاملين ولا تأخذ من وقتهم ولا من جهدهم الكثير، هذه البنوك الأجنبية بالشكل المتطور الذي نراه في الخارج سوف تغزو فعلا المنطقة العربية ما لم يكن هناك خطة مضادة وعاجلة. وحتى لا ينتهي دور اتحاد المصارف العربية وسط هذا المناخ الجديد الذي أوشك على التطبيق العلمي، ولكي لا يقوم بديل عنه اتحاد للمصارف الأجنبية العاملة بالمنطقة العربية، فإن هناك مهام كثيرة أمام اتحاد المصارف العربية يتعين الإسراع بها،فعليه ان يضع الخطوات الجدية والعملية حول كيفية نقل التكنولوجيا الأجنبية إلى البنوك العربية وفي كيفية تحويل هذه التكنولوجيا إلى وسائل تنفيذيه في خدمة العميل العربي وبالشكل الذي يمنع هذا العميل من نقل معاملاته إلى بنوك أجنبية تعمل داخل بلاده، خاصة وان البنوك العربية هي أفضل الجهات المصرفية التي تعرف أمزجة المتعاملين العرب وكيفية كسب ثقتهم المالية، تعرف السلوك العربي الأصيل الذي يتناسب مع العميل العربي وحتى الأجنبي والذي يدفعه إلى الإستمرار مع البنك العربي الذي يتعامل معه ويحفظ به حساباته وأرصدته النقدية وليس إلى النفور منه. رابعا : لماذا لا يسعى اتحاد المصارف العربية إلى الدعوة والمساهمة في إعداد خطة تكامل اقتصادي عربي متضمن مشروعات إنتاجية عربية مشتركة لدعم التنمية الاقتصادية في المنطقة العربية، وعلى ان يتولى الاتحاد الدور الأهم في هذه الخطة وهو بحث كيفية تمويل هذه المشروعات بالأموال العربية المستثمرة في الخارج وأيضا المتوافرة في البنوك والمؤسسات المالية العربية الأعضاء في الاتحاد والتي بلغت أصولها المالية على سبيل المثال 505.1مليار دولارنهاية العام الماضي كما تبلغ الأموال العربية المستثمرة في الخارج حوالي 800 مليار دولار حسب احصائيات البنك الدولي.