وقفنا في الحلقة الماضية على أهمية ومفهوم نظم التوزيع وهيكلها العام.. ووجدنا انها تتضمن أربع فقرات أساسية.. واليوم نبدأ بالفقرة الأولى وهي نظم توزيع الثروة الطبيعية. المسلمون شركاء في كثير من الثروات الطبيعية، خاصة تلك التي تكون تكلفتها صفراً.. وليس الأمر مقتصراً على المصادر الطبيعية كالانهار والبحار والغابات.. وانما ينسحب الى كل المرافق العامة التي يؤسسها المجتمع أو الدولة.. كالطرق والجسور. وتعليل ذلك.. انه في حالة المصادر الطبيعية فإن الكلفة الاقتصادية معدومة.. ولم تتشكل تلك المصادر بجهد انسان معين، ولم يتحمل اي فرد من افراد المجتمع.. ولا حتى المجتمع ككل أية نفقة. فالمنطق الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي ان يشترك فيها الناس.. كل بحاجته منها.. وحديث الرسول (ص) صريح وواضح في هذا الشأن.. «الناس شركاء في ثلاث وفي رواية أخرى في أربع.. في الماء والنار والكلأ.. والملح..». وبعض الفقهاء سحبوا هذا المبدأ.. على كل مورد اقتصادي طبيعي.. سواء أكان ظاهراً كما هو الحال في المصادر الأربعة الآنفة.. أو انه خفي ومدفون تحت الأرض كما هو الحال في حالة المعادن والنفط وما شابه.. ان حكم المعادن الظاهرة عند عامة الفقهاء كحكم الماء والكلأ والنار.. لا خلاف فيها على وجوب ملكيتها ملكية عامة.. أما المعادن المطمورة تحت الأرض والتي تحتاج الى نفقات استخراج فيوجد جدل فقهي حولها.. والخلاف الفقهي يتسع كثيراً عندما تكون المعادن في أراضي مملوكة للغير، والمالكية وحدهم ـ كما يرى الأستاذ محمد أنس الزرقاء في بحثه القيم عن هذا الموضوع ـ يرون انها ملك للمسلمين جميعاً.. واننا نرجح هذا الرأي أيضاً ونتفق مع العلماء الذين أيدوه من بعد.. ولا نتفق مع الرأي القائل بأن الأخذ بهذا المبدأ.. يؤدي الى تقاعس الأفراد عن اكتشاف هذه الثروات.. ويغالي أصحاب هذا الرأي ـ التقاعس ـ الى درجة بأن يعتبروا الدولة غير قادرة في كثير من الأحيان على القيام بذلك!! إن هذه الحجة واهية وتدحضها الوقائع.. ان دخول مجال استكشاف الثروات الطبيعية الموجودة في باطن الأرض يفوق طاقة الأفراد والشركات خاصة في الدول النامية.. وإذا كان صحيحاً اليوم ان الشركات الخاصة في الدول الغنية تقوم هي بالتنقيب عن المعادن واستكشافها في كثير من الاحيان.. لا بل في مطلقها كما هو الحال في الولايات المتحدة.. فإن الصحيح أيضاً ان هذه الشركات استطاعت عمل ذلك من خلال الاعتماد على الدولة أصلاً.. سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر أو على الأقل مستفيدة من البنى التحتية (السفلية) التي وضعتها الدولة وأنشأتها قبل عمليات التنقيب والاستكشاف بكثير.. ولا يزال حتى يومنا هذا التملك عاماً في كثير من هذه الأمور.. فمثلاً الشركة النفطية الفرنسية مملوكة بمعظمها للدولة الفرنسية.. كما ان شركة النفط البريطانية هي الأخرى تعد من القطاع العام والمختلط ولا تزال مساهمة الدولة فيها أكبر من مساهمة الأفراد.. وحتى مناجم الفحم البريطانية الشهيرة غالباً ما كانت تؤمم لتعاد ملكيتها الى الدولة وخاصة وقت الأزمات. إن الفكر الإسلامي ينظر الى احكام المعادن نظرة واسعة شأنه شأن القضايا الاخرى الاقتصادية.. ويضع لها عدة حلول واجتهادات فقهية مختلفة. ولا شك ان هذا الاختلاف وتلك المرونة تحقق مبدأ يسر وسهولة الدين الاسلامي ككل.. وعدم تقوقعه في حالة جامدة محددة واحدة.. ففي الحالات التي لا يكون بمقدور الأفراد أو الجماعة في التنقيب والاستكشاف.. عندئذ على الدولة ان تقوم بهذا الواجب.. أما اذا تمكن الأفراد من ذلك.. فلا مانع لأن الهدف هو عمارة الأرض.. وهذه هي المهمة الاستخلافية الأولى للإنسان على سطح المعمورة. ففي الأحوال التي تجوز فيها الملكية الفردية للمعادن فلا خلاف في وجوب معاملتها كالفيء.. (أي أخذ خمسها كضريبة للدولة) أو كالزكاة في أحيان قليلة، فمن عدّ المعدن ركازاً وجب فيه الخمس لقول الرسول (ص) وفي الركاز الخمس.. وهذا رأي الحنفية والامامية وقول عند الشافعية.. ومن لم يعتبر المعدن ركازاً واعتبره مما تخرجه الأرض وجب فيه الزكاة فقط أي استناداً الى قوله تعالي: «انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض» البقرة ـ 267. أما منع الحمى الخاص.. فالمقصود به منع احتكار المورد لشخص أو لأشخاص أو لجماعة مهما كان موقعهم أو دورهم في الدولة أو المجتمع.. والحِمى.. هي تلك الأراضي العامة أو المراعي أو الغابات أو ما شابه.. فلا يجوز لأي كان الاستئثار بها وتحت أية ذريعة ـ حيث ان المبدأ الاسلامي «لا حمى إلاّ لله ولرسوله وللمؤمنين..» وإذا استقطع جزء من المراعي العامة أحياناً.. فإنما كان يخصص لابل الصدقة ولخيل المسلمين للجهاد، للمرابطين أو لتجهيز الجيوش». وبتعبير آخر ان حصل في التاريخ الاسلامي نوع من الحمى فإنه حمى لمصلحة المجتمع.. ولنقارن هذا المبدأ الاسلامي من حركة النسيج البريطانية والتي حدثت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.. والتي دفعت بملايين الفلاحين الصغار الى حافة البؤس لحساب كبار الملاك الذين استولوا على الأراضي العامة بالقوة المسلحة والغاشمة وليحولوها الى مراع ويحولوا فلاحيها الى رعاة وعبيد للأرض كل ذلك بغية تأمين متطلبات معامل النسيج الصوفية المتزايدة.. في فترة انتقال النظام الاجتماعي من النظام الاقطاعي الى النظام الرأسمالي.. ان حركة النسيج هذه اودت بحياة عشرات الألوف من الكادحين الفقراء والفلاحين البسطاء وكانت احد اهم مصادر التراكم البدائي لرأس المال. ان الآثار الاقتصادية لمنع الحمى الخاص.. كبيرة.. فتوزيع الأراضي على أكبر عدد ممكن من الناس يؤدي الى زيادة الانتاج وزيادة الدخل بنسبة زيادة الحوافز.. وسيان سواء وزعت الأراضي برقبتها (عينها) أو بمنافعها على الناس فإن آثارها الاقتصادية الايجابية تبقى كبيرة.. اما آثارها الاجتماعية فأكثر من ان تحصى أو توزن أو تقدر بمقدار معين.. لأنها تجعل الناس جميعاً يعملون بمبدأ شركاء لا أجراء.. وشتان شتان من يعمل بمبدأ المشاركة عمن يعمل بمبدأ الاجارة.