مع دخول عصر اليورو مطلع هذا العام من جهة، وقرار قمة مسقط بالعمل على اصدار العملة الخليجية الموحدة نهاية هذا العقد من جهة اخرى، يعاد طرح موضوع التكامل الاقتصادي الخليجي والعربي مرة اخرى على بساط البحث ومدى قدرة الدول العربية على استثمار هذه التطورات لخدمة مصالحها الاقتصادية. وللأسف فان الاقطار العربية تدخل الالفية الجديدة، وما تحمله من رياح العولمة والتحرير الاقتصادي وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى، وهي لا تزال تعيش حالة من التشتت والضعف. اننا نعتقد ان احد العوامل الرئيسية التي سهلت بروز تلك الحالة واستمرار تفاقمها وكذلك احتمالات ظهورها مجددا في المستقبل حتى في حالة اتمام مصالحة سياسية عربية هو ضعف البنى المادية والاقتصادية التي يستند اليها العمل العربي المشترك في ميادينه الاخرى. اما بالنسبة لدول الخليج العربية فانها باتت مستهدفة وبصورة متزايدة من قبل نوايا عالمية غير مشروعة. لذلك فهي مطالبة بتبني وبصورة مشتركة استراتيجية فعالة لمواجهة تلك النوايا وذلك من خلال تعزيز وتوثيق تكاملها المادي والاقتصادي مع الدول العربية الاخرى. ان هذه الاستراتيجية تمثل ضمانه فاعلة تساعد دول الخليج العربية ومعها الدول العربية الاخرى على التخلص من التفكك في علاقاتها وبنائها على اسس اوطد. ان الحديث عن السوق الشرق اوسطية غالبا ما يتم ربطه ـ بصورة او باخرى ـ بتدفق التمويلات الخليجية التى تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق. اننا نستذكر هنا موقف دولة الامارات العربية المتحدة والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها، بل وخطورتها الاقتصادية. فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الاموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي اقامتها بنفسها في بلدانها. وعوضا عن ذلك فانه بامكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف الى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الاقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها الى هذه الاقطار. فمن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتج العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما. كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية المتشابهة في هذه الدول. واذا ما اخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن اسواق خارجية . ان هذه المنتجات ونظرا لملاءمة اسعارها وجودتها بامكانها ان تجعل من الاسواق العربية منفذاً تسويقياً رئيسياً لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود اشكال اوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. ان الاموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الاولى الى هذه الاشكال لتخدم بصورة اكبر التوجهات التنموية الخليجية . بهذا المعنى فأن التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية، وبالتالي اساسا حيويا لأمنها الاجتماعي على المدى البعيد. وبقدر ما تتعقد جهود ومحاولات توحيد الصفوف العربية وتعزيز التضامن العربي يبقى الاقتصاد هو المدخل الاكثر عملية وفاعلية لتحقيق هذه الاهداف ولعل سياسة الزيارات المكوكية للوفود التجارية العربية التى تشهدها اكثر من عاصمة عربية في الوقت الحاضر هو شاهد على ما نقول . كما ان دول الخليج العربية اذا ما ارادت ان يكون لها دورها الريادي والمؤثر في تحقيق اهداف توطيد وتعزيز الصفوف العربية فأن ما تتبناه من سياسات اقتصادية تكاملية مع الدول العربية يمكن ان تجسد بصورة فاعلة هذا الدور. كما ان دول المنطقة تمتلك الكثير من الامكانات التي يمكن ان تستثمر لصالح التكامل الاقتصادي العربي وليس المقصود هنا فقط الفوائض المالية وخاصة لدى القطاع الخاص بل والامكانات الصناعية والخدمية والتصديرية والسياحية التي يمكن ان تتشابك مع ما تتمتع به الدول العربية الاخرى لتوليد مشروعات ذات جدوى اجتماعية واقتصادية اكبر. اما بالنسبة للتعاون الاقتصادي العربي الاوروبي ومدى قدرة الاقطار العربية من الاستفادة من صدور اليورو، فلا يخفى ان الجانب الابرز في التعاون الاقتصادي العربي هو التبادل التجاري، ولا يغيب عن البال ان الاتحاد الاوروبي هو الشريك التجاري الاول وان الدول العربية تشكل بالنسبة له سوقا ذات الـ 225 مليون مستهلك، ولكننا نحتاج الى تحسين شروط نفاذ المنتجات العربية الى السوق الاوروبية، وعلى الاخص المنتجات الزراعية والمنسوجات والصناعات البتروكيماوية والالمنيوم. اما في جانب الاستثمارات فلا توجد ضمانات جدية بتدفق الاستثمارات الاوروبية الى السوق العربية، ويصبح الامر اكثر صعوبة في الجانب المالي سواء بالنسبة الى الانسيابات المالية ذات الطابع الانمائي من حيث مدتها وشروطها، والاعانات، وكذلك التعويضات المالية مقابل التأثيرات السلبية للشراكة، على الاقل في الاجل القصير. ومن المعروف ان ما عقد حتى الان من اتفاقات للتعاون العربي الاوروبي هي اتفاقيات ثنائية، وفي حوار مع ممثلي لجنة بروكسل، المعنيين بالعلاقات بين الاتحاد الاوروبي والبلاد العربية، يعبرون عن موقف رسمي ترحيبي لتطوير الشراكة من ثنائية الى جماعية، مع تساؤلهم او سؤالهم، ولكن مع من نتفاوض؟ الامر الذي يعني ان الكرة في الساحة العربية، لايجاد تجمع عربي ينقل الشراكة العربية الاوروبية من طابعها الثنائي الحالي الى مستوى جماعي. ومن هنا يبرز دور واهمية قيام السوق العربية المشتركة بكل مزاياها وابعادها. ومن هنا تبرز ايضا الاهمية القصوى للتنسيق بين الالتزامات التي تأخذها الدول العربية ضمن اطار منطقة التجارة الحرة العربية والالتزامات التي تعقدها مع الاتحاد الاوروبي بحيث تحول دون حصول الاتحاد الاوروبي على ميزات تفوق تلك التي تعطي لاعضاء المنطقة التجارية الحرة العربية. ولعل انجح الوسائل لنجاح هذا التنسيق هو التسريع في تنفيذ الجدول التنفيذي الذي تضمنته نصوص المنطقة التجارية الحرة العربية، ليسبق قدر الامكان اتفاقيات الشراكة الجديدة، ويسري الامر كذلك على مجمل المعاملة التفضيلية، من حيث قوائم السلع، والتعريفة الجمركية وغيرهما. ولاشك ان صدور العملة الاوروبية الموحدة يقود بدوره للحديث عن العملة العربية الموحدة التي يبدو اصدارها انه حلم يحتاج لخطوات كبيرة نحو تطوير اقتصاديات الدول العربية. ان التطرق الى الموضوع يعود الى الخمسينيات ثم جاء انشاء صندوق النقد العربي ليكون احد أهدافه في عام 1978 خلق دينار عربي موحد بل كانت هناك وحدة قياسية تعرف بالدينار العربي الا ان تباين السياسات النقدية والمالية بين الدول العربية وسيطرة العملات الدولية على التبادل التجاري واختلاف العملات العربية من حيث قابليتها للتحويل حال دون الوصول الى هذا الهدف. ان الوصول الى عملة عربية موحدة يحتاج الى عدة آليات يمكن من خلالها تحويل العملات العربية بعضها الى بعض وتثبيت اسعار الصرف وخلق سيولة اضافية لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات وآلية لتجنب التقلبات الحادة لأسعار العملات الدولية. كما ان الوصول مرحلة عملة عربية موحدة او دينار عربي يحتاج الى تهيئة الكثير من المتغيرات الاقتصادية وانه لا يمكن توحيد العملة قبل توحيد السياسات النقدية والمالية بين الدول العربية ولا بد ان يكون هناك اتساق في اسعار الفائدة ومعدلات التضخم وفي عجز الموازنة العامة. ان اوروبا نفسها أخذت فترة طويلة من التكامل الاقتصادي تعدت الثلاثين عاما لكي تصل الى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» كما انها لم تفتح ذلك لجميع الدول وانما وضعت شروطا وقواعد لابد ان تنطبق على الدول التي تدخل في هذا المجال وهناك من الدول الأوروبية لم تنطبق عليها تلك الشروط. الا ان الدول العربية تفتقد الى هذا الاتساق ولديها تفاوت كبير في العجز في ميزان المدفوعات مما يؤخر من امكانية الوصول الى توحيد العملة. ان الدول الاوروبية بدأت تفكر في «اليورو» منذ عام 1969 ولم تستطع تنفيذه الا مؤخرا مع وضع قواعد تلزم الحكومات التي تتعامل مع اليورو بالحفاظ على توازن العامة والعمل على تحقيق فائض على المدى المتوسط مع عدم زيادة العجز في موازنة القطاع العام عن 30% من الناتج المحلي الاجمالي وتوقيع عقوبات على الدول التي تفشل في تحقيق ذلك. ومع ذلك فاننا نأمل بالفعل ان يؤدي قرار دول مجلس التعاون الخليجي الى توحيد عملتهم نهاية هذا العقد الى خلق مناخ ايجابي لبقية الدول العربية للسير على نفس الطريق.