تمر الدول العربية حاليا بحقبة اقتصادية جديدة تتميز بمتغيرات متسارعة وتحولات جذرية، ويكتنف ذلك الكثير من الفرص الاقتصادية التي تصاحب التقنيات الحديثة في مجال الاتصالات والمواصلات، فضلا عن التطورات المتأتية من العولمة الاقتصادية التي يمر بها العالم حاليا، فالنظام العالمي الجديد الذي أطل برأسه بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين عام 1989، حمل معه منطقا خاصاً به تحكمه قواعد جديدة، وله جوانب ايجابية من جهة وجوانب سلبية من جهة اخرى، الامر الذي نتج عنه تحديات وتداعيات لابد من مواجهتها. فانفتاح الأسواق، والتكتلات الاقتصادية، والشراكة الاوروبية المتوسطية، والتطورات البارزة في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، نقلت جميعها الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة تتسم بتبدل في القوانين والمباديء ونوعية الانتاج وكيفيته. ومن اهم ما يلاحظ الآن ان الاقتصاد الجديد أضاف «عنصر المعلومات» إلى جانب العناصر الثلاثة التقليدية للانتاج التي تتمثل في العمالة ورأس المال والموارد الطبيعية، وقد برزت تقنية المعلومات كأهم عناصر التكنولوجيا الحديثة، بحيث يتعدى تأثيرها على الانتاجية ليصل إلى العلاقة بين الاقتصادات المتطورة وبين القطاع العام والقطاع الخاص وليتخطى الحضارات والطبقات والدول. ولأن الثورة التقنية أصبحت عنوان الاقتصاد الجديد فان الدول العربية مطالبة بعبور هذه الثورة لتلحق بركب التقدم وعدم ترك الفجوة الرقمية بيننا وبين الغرب عرضة للاتساع والتفاقم لاسيما وان الاقتصاد الرقمي سوف يفتح آفاقا جديدة امام المستقبل العربي. ولاشك ان هناك العديد من الدول العربية تتصدرها الامارات التي ادركت مبكرا اهمية الاقتصاد الجديد وعملت على اللحاق بركبه من خلال طرق عديدة. لقد مر العالم الاقتصادي خلال الخمسين عاما الاخيرة بحقبتين هامتين، وهو الآن على عتبة حقبة ثالثة تسعى للوصول إلى «اقتصاد متكامل بلا حدود». فالحقبة الأولى، هي تلك التي حصل فيها توجه نحو تجاوز الاقتصاد القطري، من خلال تعزيز التجارة مع الخارج بقصد الاستفادة من تكامل الاسواق والموارد بين الدول، مع الاشارة ان ذلك اقتصر في غالبية الاحيان على المواد الخام والمنتجات الزراعية والصناعية الجاهزة، دون أن يحصل توسع في تبادل الاستثمارات. والحقبة الثانية، هي تلك التي تم فيها السعي إلى تخفيض الحواجز التجارية بين مجموعات اقليمية من الدول بقصد ايجاد نوع من التجزئة في عملية الانتاج وتوزيعها بين تلك المجموعات، وقد اشر لذلك قيام السوق الأوروبية المشتركة التي فتحت الباب امام قيام تكتلات في انحاء مختلفة من العالم، وبرز تدفق الاستثمارات الاجنبية كأهم سمة لهذه الحقبة، بعد ان اصبحت هذه الاستثمارات سندا للتبادل التجاري في عملية التكامل الاقتصادي. أما الحقبة الثالثة، فهي حقبة عولمة التجارة والاستثمار التي اخذت شكلا منهجيا مع قيام منظمة التجارة العالمية، وانبعاث «الاقتصاد اللاحدودي» في قطاعات اقتصادية اساسية من خلال التكنولوجيا الرقمية وشبكات الاتصال التي تتميز بانخفاض كلفة استخدامها وارتفاع سرعتها ودرجة استيعابها. ومن ايجابيات الاقتصاد الجديد، ان الموقع الجغرافي والحدود والعامل الزمني قد خف اثرها بينما تعاظم دور المعلومات وأهمية الوصول إليها، وبالتالي فان هذا الاقتصاد يرتكز على المعلومات ودورها الدافع والمحرك في عملية التكامل، فالمعلومات هي المفتاح إلى عولمة الاقتصاد وشموليته، وكما ان التجارة والاستثمار كانا العاملين المشجعين للعولمة في أوائل الثمانينيات، أصبح الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والتنافس بشأنها سمة «الاقتصاد اللاحدودي»، ومن الواضح ان اقتصاد المعرفة يختلف عن الاقتصاد التقليدي من حيث انه لا يقتصر على دولة ما أو منطقة ما، وإنه سريع الحركة ويمكن الوصول إليه بسهولة ويسر، الامر الذي يزيل الكثير من العقبات التي حدت من القدرة الاقتصادية في الماضي. ومن المهم الإشارة إلى ان اقتصاد المعرفة لن يستبدل بالضرورة الأنشطة الاقتصادية عامة، فالقطاع الزراعي والقطاع الصناعي لن يتبدلا جوهريا، إلا أن التكنولوجيا ستغير طريقة الإنتاج والعمل، ومن المؤكد ان الممكنة الحديثة والتكنولوجيا البيولوجية، والمواصلات وتقنية المعلومات ستغير وجه الإنتاج الزراعي لتصبح الزراعة الحديثة أقرب منها إلى زراعة خدماتية من زراعة تقليدية، والامر نفسه ينطبق على القطاع الصناعي ولو بنسبة اكبر. ان النظام العالمي الجديد مبني على خفض كلفة الاتصال الناتجة عن استعمال الاقمار الاصطناعية والفايبر أوبتكس وغيرها، فشبكة الانترنت يمكنها ربط العالم بشكل اوسع وأقوى واشمل عما كان متاحا سابقا، مما يؤدي إلى تعميم المعرفة وفسح المجال أمام كافة الدول في العالم للحصول على التقنية وعلى المواد الأولية وعلى التمويل اللازم للإنتاج، وهكذا فإن ثورة الاتصالات أدت إلى تسهيل الحصول على الاكتشافات الحديثة، وإلى وسائل جديدة للعمل بتكلفة رمزية بالمقارنة مع التكلفة التي كانت سائدة في الماضي للحصول على تقنية مشابهة. وتندرج أهمية الاقتصاد الجديد بقدرته على تأمين تكافؤ العلاقات بين الدول، إذ أصبح بإمكان الدول التي لا تتمتع بوفرة في مواردها الاقتصادية أن تركز على المواهب البشرية لتسويقها في الخارج، أو على سرعة الحركة والتواصل والنوعية المرتكزة على الابتكار، وقد ساهم انتشار المعلومات في احداث تغيير جديد بين الدول، أي بين الدول التي استوعبت مفاهيم تقنية المعلومات والعولمة، والدول السريعة أو البطيئة في استخدام هذه التكنولوجيا، فالتطور الصناعي الذي اخذ حوالي 150 عاما ليتحقق في بريطانيا أو 100 عام فى أمريكا، قد أمكن الوصول إليه بفترة لا تتجاوز العشر سنوات مع النمور الآسيوية، ومن المتوقع ان تقل الفترة الزمنية مع انتشار تكنولوجيا المعلومات، وتشير إحصاءات البنك الدولي ان الدول النامية ستنمو بنسبة 5% - 6% سنويا حتى عام 2020، وهذا الامر سيؤدي إلى زيادة حصة الدول النامية في الانتاج العالمي من 16% عام 1992 إلى 30% عام 2020 الامر الذي يدعم أهمية سرعة وتيرة التطوير. وكما ان عولمة التجارة والاستثمار قد غيرت طريقة التصنيع منذ الثمانينيات، فان الاقتصاد الذي يتخطى الحدود سيعمل على تغيير قطاع الخدمات أو الصناعات «القائمة على الافكار»، ويذكر ان قطاع الخدمات في العالم العربي ساهم بنسبة 49.1% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 1999، واصبح من الواقع إمكانية ترقيم أية خدمة ومن ثم بثها إلكترونيا إلى أي مكان في العالم خلال ثوان معدودة، إلا أن التأثير الاهم سيكون وقعه على التجارة بين المؤسسات، وبرامج الحاسوب، والمعلومات الطبية، والبرامج التربوية، والخدمات القانونية والمعمارية، وبالتالي فان هذه المجالات اصبحت جزءاً من البيئة التنافسية التي لا تحدها حدود، حيث كل دولة وكل مؤسسة تعمل في أسواق عالمية و«افتراضية». ان هذا الانتصار التكنولوجي - لعنصر الزمن والمكان - له ابعاد اقتصادية مهمة، من حيث ان كلفة المعاملات للمستهلك والشركات ستقل قيمتها من خلال اختصار عدة مراحل في وصول السلع من البائع إلى المشتري، وذلك إلى جانب الاختصار في الوقت، وكذلك ستقل الحواجز أمام الداخلين الجدد إلى السوق مما سيزيد من المنافسة المجدية، ويعطي الاقتصاد الرقمي ميزة التساوي لجميع المؤسسات من خلال توافر المعلومات، الامر الذي يمنح الميزة التنافسية في أسلوب وسرعة ودقة تشغيل هذه المعلومات واستخلاص النتائج وتوجيه القرارات. ويقوم الاقتصاد الرقمي على أمرين: التجارة إلكترونيا، وتقنية المعلومات، أما التجارة إلكترونيا فهي تنفيذ كل ما يتصل بعمليات شراء وبيع البضائع والخدمات والمعلومات عبر شبكة الانترنت والشبكات التجارية العالمية الاخرى، وتقنية المعلومات أو صناعة المعلومات في عصر الحوسبة هي التي خلقت الوجود الواقعي والحقيقي للتجارة إلكترونيا باعتبارها تعتمد على الحوسبة والاتصال ومختلف الوسائل التقنية للتنفيذ وإدارة النشاط التجاري، وتقوم التجارة إلكترونيا على فكرة ممارسة أعمال التسويق وتوريد الخدمات على الخط بالاعتماد على شبكات المعلومات وأبرزها الانترنت، وتمثل الانترنت أهم سمة لهذا الاقتصاد، باعتبارها أداة اتصال ومصدر معرفة، وقد قارب عدد مستعملي الانترنت في عام 2000 حوالي 450 مليون شخص في العالم. الاقتصاد الرقمي عالميا وعربيا إزاء ما تقدم، يمكن القول بأن العالم بمجموعه يسير نحو اقتصاد رقمي وإن بوتائر مختلفة، فهناك بعض الدول التي تعتبر متقدمة جدا في تطبيقها واستعمالها للاقتصاد الرقمي كالسويد والولايات المتحدة وفنلندا والنرويج، وتعتبر السويد من الدول الرائدة في تكنولوجيا المعلومات وفي مجال الابحاث والتطوير، وتستثمر حوالي 7.7% من ناتجها القومي الاجمالي في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ويبدو ان الاقتصاد الامريكي قد وصل إلى مرحلة اقتصادية جديدة ترافقت مع نمو اقتصادي وإنتاجية اغزر نتيجة للتطورات التكنولوجية السريعة وانخفاض اسعار هذه التقنيات وأكلاف تشغيلها. على أية حال، فان استخدام الانترنت في العالم لايزال أقل مما هو متوقع، إذ يقدر أن 6% فقط من سكان العالم يرتبطون بالانترنت، وتدل الارقام ان عدد مستخدمي الانترنت في البلاد العربية بلغ في مارس 2001 نحو 3.54 ملايين شخص «أي 1.26% من عدد سكان الدول العربية»، بزيادة قدرها 1.5 مليون شخص عن العام السابق، ومن المقدر ان يرتفع عدد هؤلاء إلى 5 ملايين في العام الجاري، وإلى ما بين 10 - 12 مليونا في مطلع عام 2003، وتستأثر حاليا دولة الامارات العربية المتحدة بأكبر عدد من مستخدمي الانترنت «بالنسبة لعدد السكان»، وتليها البحرين، والكويت، ولبنان، ومصر، ويبلغ متوسط عدد مستخدمي الانترنت للاشتراك الواحد في الاردن ستة اشخاص بسبب توافر انتشار مقاهي الانترنت وارتفاع كلفة الاستخدام، وثمانية في مصر بسبب الاستعمال الكثيف في الجامعات، وهذه الارقام تشير على ضعف العالم العربي في قطاع الحاسوب واستعمال الانترنت، بالاضافة إلي ان عددا قليلا جدا من شركات التكنولوجيا والانترنت والاتصالات مدرجة في اسواق الاسهم العربية. ان العقبات التي تواجه الاقتصاد في الدول العربية تنقسم إلى نوعين: عقبات محلية، وعقبات خارجية. فالعقبات المحلية تتمثل في ضعف البنية التحتية لقطاع الاتصالات، والكلفة العالية نسبيا لتكنولوجيا المعلومات، ووجود بعض التردد بالنسبة لاستخدام الانترنت، والتجارة الكترونيا في مجال الاعمال، وتندرج اهمية شبكة الاتصالات للاقتصاد الرقمي كالرئة للانسان، إذ لا وجود للاقتصاد الرقمي دون البنية التحتية وشبكة الاتصالات الحديثة، ويلاحظ ان قطاع الاتصالات في البلاد العربية مازال تابعا للحكومات العربية، التي تستأثر بحوالي 98% من هذا القطاع، وذلك بالرغم من البدء بمشاريع الخصخصة، ومن المهم في هذا الاطار العمل على فتح المجال امام القطاع الخاص للمساهمة في تطوير البنية التحتية. اما بالنسبة للعقبات الخارجية التي تواجه الاقتصاد الرقمي في البلاد العربية، فانها تتمحور حول كون الاقتصاد الرقمي نفسه اقتصادا حديثا لم يتم تطبيقه سابقا، ولاتزال الاتجاهات التكنولوجية لم تصل إلى نهاية تطورها، الامر الذي يجعل من المستحيل قياس هذا الاقتصاد غير التقليدي ومقارنته بمؤشرات أو احصاءات سابقة، الامر الذي يترك للسوق تحديد نجاحه أو فشله. على أية حال، فان الاقتصاد الرقمي في البلاد العربية لايزال في طور النشوء، الامر الذي من ناحية يمنحه ميزة المقدرة على تجنب العديد من المعوقات والمشاكل التي واجهتها الدول المتطورة تكنولوجيا، الا انه من الناحية المقابلة بحاجة إلى المزيد من رأس المال المغامر للوصول إلى الدرجة التي وصلت اليها الاقتصادات الاخرى المتطورة تكنولوجيا، وكانت الاقتصادات المتطورة قد استثمرت مبالغ طائلة من رأس المال المغامر للوصول إلى هذه الدرجة من التقدم، وهكذا، فان الدول العربية تسير في الطريق الصحيح الا ان هذه المسيرة طويلة فلابد من بذل جهد كبير حتى تصبح جزءا من هذا الاقتصاد المتطور تكنولوجيا. ويمكن القول ان معظم الدول العربية قد وعت اهمية الاقتصاد الرقمي، الا ان درجة التعميم والتطبيق تختلف بينها، ومن اوائل الدول التي استثمرت في هذا النطاق هي دولة الامارات العربية، مصر، والاردن، والسعودية، وقد انشأت دبي مدينة دبي للانترنت التي تمثل منطقة حرة تهدف إلى جذب الشركات التكنولوجية الدولية والاقليمية إلى دولة الامارات العربية، وتشارك في هذه المدينة شركات ضخمة مثل مايكروسوفت، كومباك، أوراكل، أي. بي. إم، وسيسكو، وتعمل مصر على استكمال إنشاء «طريق سريع» للاتصالات في عام 2002، وعلى استحداث قوانين جديدة تغطي كافة التطورات في مجال المعلوماتية، والاتصالات، بالاضافة إلى العمل على تأمين خطوط انترنت مجانية في نهاية عام 2001، وتعمل الحكومة الاردنية على تأمين حواسيب لكافة المدارس وتأمين تعليم استعمالها. وهناك توجه عربي نحو قبول وتشجيع الحصول على اقتصاد المعرفة، وقد برز هذا التوجه في البيان النهائي للقمة العربية التي عقدت في عمان خلال 27 - 28 «مارس» 2001، فقد نصت الفقرة الخاصة بتقنية المعلومات على ما يأتي: «.. إدراكا من القادة بان ثورة الاتصالات والمعلومات أخذت تتخطى الحواجز الجغرافية فإنهم يؤكدون على إيلاء الأولوية لتطوير القدرات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واعتبارها مجالا حيويا للتعاون والتنسيق على المستوى العربي. ومن ناحية اخرى، تم في اجتماع غرفة التجارة الدولية والمجمع العربي للادارة والمعرفة في اكتوبر 2000، تفويض فريق عمل خاص لإنشاء برامج اعمال إلكترونية للدول العربية، وقد هدفت هاتان المؤسستان في اعلان مسقط خلق بيئة اعمال الكترونية تتضمن استراتيجية لتطوير البنية التحتية، التعليم، التشريعات، الخصخصة، وبناء القدرات. وقد استند هذا الاعلان على اهمية تحويل اقتصادات الدول العربية للاستفادة من ثورة تقنية المعلومات. وهذا امر يحتاج الى مساندة قوية من الحكومات العربية وقاداتها. كما تم انشاء الجمعية العربية لمشتركي واصحاب المواقع على الانترنت بهدف دخول عالم المعلومات وتطوير شبكة انترنت عربية وتدعيم العلاقة مع اصحاب المواقع الالكترونية واسماء القطاعات على الشبكة. منظمة التجارة العالمية ان مسئولية منظمة التجارة العالمية فيما يتعلق بموضوع التجارة الالكترونية هي مسئولية محدودة ومتخصصة، ونطاق عمل المنظمة لا يتضمن قطاع الانترنت كقطاع مستقل. ان نظام منظمة التجارة العالمية يتمثل في مجموعة من القواعد تمت مناقشتها والقبول بها بين الحكومات الاعضاء. وهذه القواعد تطبق على التبادل التجاري في التجارة الالكترونية. فالقواعد الحالية تهدف الى تيسير التبادل التجاري الالكتروني، اذ ان التجارة الالكترونية تقع ضمن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات لتضمنها القواعد التي تضمن الحق في القيام بالأعمال على الصعيد العالمي الكترونيا. وفي حال تم اعتبار بعض المنتجات الرقمية او برامج الكمبيوتر من ضمن قائمة المنتجات فإنها ستتبع الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة. وفي نهاية المطاف، فإن التجارة الكترونيا ستتبع بنود الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة واتفاقية الملكية الفكرية. ولاشك ان المشاركة الفعالة في التجارة الكترونيا تتطلب تأمين الحصول على الكمبيوتر والآلات الاخرى بسعر الكلفة، أي بتخفيض ضرائب الاستيراد عليها، وتأمين الحصول على وسائل اتصالات مخفضة الاسعار من خلال اصلاح وتحرير قطاع الاتصالات من الاحتكار الوطني (إن اتفاقتي منظمة التجارة العالمية لتقنية المعلومات واتفاقية الاتصالات الاساسية، الموقعتين عام 1997، يساعدان على تنشيط التجارة الكترونيا من خلال العمل على ازالة الرسوم على الآلات وتحرير قطاع الاتصالات الذي يشكل العصب الاساسي لشبكة الانترنت)، وتأمين الجهاز العامل المدرب الذي يقع عاتق تدريبه على القطاعين العام والخاص معا. ولابد من الاشارة الى ان التقدم الحاصل في سير مفاوضات قطاع تجارة الاتصالات الاساسية كان محدودا جدا في اجتماعات منظمة التجارة العالمية إلا ان المساعي مازالت جارية للوصول الى اتفاق شامل. والمطلوب جهد اكبر من الدول العربية في العمل على تحرير قطاع الخدمات وتفعيل المشاركة والتنسيق لتفعيل التفاوض ضمن منظمة التجارة العالمية. منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تشكل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى منعطفا مهما في التكامل الاقتصادي العربي كمرحلة اولى للوصول الى اتحاد جمركي ومن ثم الوصول الى سوق عربية مشتركة. من المتوقع ان يساهم الاقتصاد الرقمي في دعم هذه المنطقة من خلال توفيره المعلومات المتعلقة بالقوانين والانظمة والتشريعات الخاصة بالاسواق العربية، والبيانات المختلفة للاسواق العربية والانتاج والتخزين والاستهلاك والمواصفات والمقاييس والجودة والمعلومات التسويقية، وخصوصا الاسعار وقنوات التوزيع والترويج وقوائم المصدرين والمستوردين وفرص الاستيراد والتصدير، بالاضافة الى المعلومات عن خطوط وكلاء الشحن والتسهيلات والخدمات التجارية. ولاشك في ان استخدام تقنية المعلومات يعمل على تسريع عملية التبادل التجاري وتخفيض الكلفة وتفعيل الكفاءة. وكانت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى قد واجهت بعض المعوقات التي حدت من انسياب السلع بين الدول العربية، ومنها مشكلة تتعلق بقواعد المنشأ لصعوبة احتساب القيمة المضافة والتكاليف الاجنبية في شهادة المنشأ. ويقوم الاقتصاد الرقمي على التبادل الالكتروني للخدمات والمعلومات والبرامج المصاحبة للحاسوب في سوق عالمية تتخطى الحدود الفعلية والتبادل الورقي وحيث لا تجتمع اكثر من دولة ومؤسسة في الانتاج. فعلى سبيل المثال، ما هي القيمة المضافة لبرنامج طور في دولة ما لحساب شركة تابعة لدولة اخرى وتم ادخاله عبر الانترنت الى دولة اخرى؟ كيف يمكن تحديد الهوية الاقتصادية للمنتجات الرقمية في الاقتصاد الجديد الذي لا يمكن فيه تحديد القيمة المضافة؟ هذا موضوع اساسي في الاقتصاد الرقمي الذي يعمل في عالم الأثير ولا يوجد له وجود حسي. ان هذا الموضوع سيطرح تحديات امام سياسات الحكومات الوطنية، من قواعد المنشأ الى تطبيق المقاييس والمعايير الى تحديد الضرائب وجمعها من المستهلكين والبائعين. ولابد من التعمق في هذا الموضوع واثره. وبما ان الاقتصاد الرقمي مازال اقتصادا حديثا، فإن العديد من المسائل غير المتوقعة في هذا السياق قد يطرأ. المطلوب عربياً ان النظرة الى تقنية المعلومات والاقتصاد الرقمي كعصا سحرية تنقل الاقتصاد من مرحلة الى مرحلة اخرى هي نظرة غير واقعية، اذ ان المطلوب من القطاع العام والقطاع الخاص هو العمل الجدي والتعاون على الارتقاء بالاقتصاد العربي الى مرحلة التطور باستخدام هذه التكنولوجيات الحديثة لزيادة الاستثمارات وتنمية التبادل التجاري وتنويع القواعد الانتاجية والصادرات وبناء التشابكات الصناعية والتكنولوجية البينية لفتح آفاق جديدة امام المستقبل العربي. واحدى التحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم هي وضع أطر السياسات الاقتصادية التي تشجع على ايجاد حقبة جديدة من النمو في الوقت نفسه الذي يتم العمل على الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي. ولاشك ان التحديات التي يطرحها الاقتصاد الرقمي تمثل في الوقت نفسه فرصا لفتح ادوار جديدة للاقتصاد. ويقع على عاتق الدول العربية مسئوليات مهمة في هذا المجال انطلاقاً من المجالات الحيوية المتاحة للاقتصادات اذ مازالت هناك مستلزمات ومعوقات وقواعد وآليات تحتاج الدول العربية الى تدعيمها لتضمن عبورها الى طور الاقتصاد الرقمي المتقدم. ويتطلب الانتقال من طور الى آخر إعادة الهيكلية الاقتصادية، وهذا الامر يتطلب العمل على وجود ارادة بين القطاعين العام والخاص للاستثمار في هذا الاقتصاد الجديد والاخذ به. ومن الاهمية التأكيد على ان الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الجديدة سيعيدان تعريف الوظائف، اذ ان اسواق العمل قد تخسر بعض الاعمال التي تم استبدالها في عالم تقنية المعلومات، إلا انها في الوقت نفسه ستنشأ اعمال اخرى مساندة للتكنولوجيات الحديثة. ومن المتوقع ان الاقتصاد الرقمي سيعمل على ايجاد فرص عمل جديدة. فعلى سبيل المثال استطاعت الهند خلال السنوات القليلة الماضية ايجاد اكثر من 400 الف فرصة عمل في الاقتصاد الرقمي. والاقتصاد الرقمي يتطلب تضامن القطاعين العام والخاص لتهيئة الوافدين الى سوق العمل. دور القطاع العام ان الحكومات العربية مدعوة لكي تبذل جهدا لتصبح جزءا من الاقتصاد الرقمي من خلال البدء بتطوير البنية الاساسية للاقتصاد الجديد، بإيجاد شبكة اتصالات تتسم بالسرعة والفاعلية الكبيرة، وتوفير خدمات الانترنت وذلك عبر تقديم الدعم لخفض اسعار وأجهزة الكمبيوتر الشخصية بغية تشجيع انتشارها بشكل واسع، والعمل على تحرير قطاع الاتصالات العربية وتنفيذ عمليات الخصخصة. وكذلك تشجيع قيام اشكال جديدة من التبادل الالكتروني المدعوم رسميا حتى تتمكن المجتمعات العربية من الاستفادة من التقدم التكنولوجي والحصول على مقعد شريك في الاقتصاد العالمي الالكتروني، وايضا ايجاد البنية التشريعية والقانونية المناسبة التي تحمي حقوق الملكية الفكرية وتساعد على قيام شركات تكنولوجيا المعلومات وغيرها من شركات الاقتصاد الرقمي. وتأمين الحماية للخصوصية في المراسلات، ومنع التزوير وتأمين الشفافية لتأمين تبادل السلع والخدمات. وتبني رؤية اقليمية قائمة على التعاون فيما بينها حتى تستطيع المنافسة في السوق العالمي. الى جانب تكثيف الجهود المشتركة بين البلاد العربية من اجل توطين اللغة العربية على الانترنت واستخدامها في خدماتها. وتركيز المؤسسات المالية الغربية على ميدان العمل الالكتروني كمكون اساسي لاستراتيجيات عملها في الاسواق المحلية والدولية، ولذا عليها البدء بالاستثمار في البنى التحتية المتطورة لانظمة المعلومات والاتصالات واستخدام التقنيات الحديثة التي تؤهلها لتوفير الخدمات المالية على الشبكة العالمية. بالاضافة الى وضع الدول العربية على خارطة الاقتصاد الرقمي من خلال اقامة مواقع على الانترنت لاتاحة المجال امام قطاع الاعمال العربي لاستخدام المعلومات في اتخاذ قراراتها وتنفيذ اعمالها. الى جانب التركيز على قطاع التعليم والتدريب والعمل على محو الامية بجميع أوجهها. والغاء القوانين الناظمة للاحتكار (deregulation) اذ ان دخول الشركات الى الاسواق سيؤدي الى تخفيض الاسعار وسيتاح امام مزودي خدمات الانترنت خيارات عديدة. وتحويل الحكومات العربية لكي تكون «حكومات الكترونية»، وهي الحكومات التي تتبنى مفاهيم الاعمال الكترونيا لانجاز معاملاتها واعمالها اليومية وتقديم خدماتها للمواطنين. وقد جاءت هذه التسمية مع بدء استعمال الحكومات للكمبيوتر والانترنت واتاحة الفرصة امام المواطنين لانجاز اعمالهم ومعاملاتهم مع الحكومات باستخدام هذه التكنولوجيا. وكانت التطورات المتسارعة قد فرضت على الحكومات اعادة النظر في طرق تأدية عملها ليكون بفعالية اكبر وكفاءة اكثر وبأقل وقت وكلف ممكنة، مما يستدعي تطبيق استخدام الكمبيوتر والانترنت. فالحكومة الالكترونية تمثل تحولا جذريا في الطرق التي تتبعها الحكومات لمباشرة اعمالها من خلال اعادة ابتكار نفسها لتأدية مهامها بشكل فعال في الاقتصاد العالمي المتصل بعضه ببعض عبر شبكة الاتصالات. وتسارع الحكومات الالكترونية في توفير خدمات افضل في مجال التعامل بين الحكومات والمواطن وقطاع الاعمال والدوائر الحكومية بعضها ببعض. وعلى الصعيد العربي، فإن حكومة دبي قطعت شوطا كبيرا في تطبيق مشروع الحكومة الالكترونية (e-government) من خلال قرار رسمي بضرورة ان تصبح كافة الوزارات والوكالات الحكومية الكترونية في شهر اكتوبر 2001 بعد ان ابتدأ العمل على وصل الوزارات والادارات الحكومية بالانترنت وبدء تقديم الخدمات للمواطنين على شبكة الانترنت. دور القطاع الخاص ان القطاع الخاص هو قاطرة التطور الاقتصادي العربي، الامر الذي يلقي على عاتقه مسئولية هو جدير بتحميلها. فالقطاع الخاص هو الفاعل الذي يساند القطاع العام للوصول الى التنمية المستدامة من خلال الاستثمار في قطاع الاتصالات والبنية التحتية. والاستثمار في مجال البحث العلمي والتطور التكنولوجي كشريك مع القطاع العام، اذ ان الدول العربية تخصص 0.4% من الناتج المحلي الاجمالي فقط لهذا النشاط. ولابد من تركيز المشاركة في تطوير البحث العلمي لرفع الكفاءة التكنولوجية وبدء العمل في القيام بأبحاث تكنولوجية جديدة وربطها بالاحتياجات الاقتصادية. والاستثمار في شراء التكنولوجيات الحديثة التي تساهم في احداث قفزات في اقتصاد المعرفة، واحداث نقلة نوعية من الانتاج الكمي الى الانتاج الكيفي. وكذلك مع العمل على التوعية لاهمية الاقتصاد الرقمي اذ ان التجارة الكترونيا على الصعيد العربي مازالت ضئيلة الحجم، ودلت الاحصاءات ان القيمة الاجمالية للتجارة الكترونيا في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا قد بلغت 100 مليون دولار عام 1999. وايضا العمل على محو الامية التي مازالت تشكل مشكلة للدول العربية وذلك بالتعاون مع القطاع العام. بالاضافة الى العمل على محو الأمية التكنولوجية وتأسيس معاهد متخصصة في تكنولوجيا المعلومات للتعليم والتدريب. والإعداد الفني العلمي والتكنولوجي للأيدي العاملة في نطاق تقنية المعلومات. وكذلك استكشاف الفرص الاستثمارية الواعدة والتعريف بها لتدعيم الاستثمار البيني، وتمويل وتشجيع الانتاج التكنولوجي لقطاع الاتصالات والمعلومات، وايضا العمل على انشاء شبكة الكترونية للمعلومات عن الاسواق العربية لتشجيع التجارة العربية البينية وتكون ركنا للتعريف بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. إلى جانب العمل على تخفيض كلفة الاتصالات، وتشجيع المنافسة بين مقدمي الخدمات، وتأمين المناخ الاستثماري لجذب الاستثمارات في شركات المعلوماتية، والعمل على تأمين مناخ من حرية المنافسة. وايضا دراسة القوانين التجارية التي تلائم التجارة الكترونيا، واخيرا القيام بدورات تدريبية للعاملين في هذا المضمار. ولاشك ان العمل على تنمية المهارات البشرية وتعزيز الابحاث العلمية والتعاون العلمي العربي وتعميق فهم التكنولوجيا ومتطلبات التحول التكنولوجي الذي لابد وان يتخذ شكلا مؤسساتيا يحتضن طبيعته التراكمية التي تتأثر بتفاعل القطاع الخاص مع البيئة المحيطة به، بما يساهم في ايجاد القدرة المحلية على استيعاب التكنولوجيا، ومن ثم في توفير شروط بناء نظم محلية للابتكار تتفاعل ايجابيا مع التطورات التكنولوجية الدولية، سيكون له الاثر الاكبر في التنمية الاقتصادية العربية. اعداد: مصطفى عبدالعظيم
في ظل توجه الحكومات نحو تشجيع الحصول على اقتصاد المعرفة، عبور الفجوة التقنية بوابة العرب للحاق بركب التطور التكنولوجي، الاقتصاد الرقمي يفتح آفاقا جديدة أمام مستقبل الاقتصادات العربية
