في خطوة غير مسبوقة فاجأ صندوق النقد الدولي المتابعين باصداره تقريرا تضمن فيه ولاول مرة اعترافا صريحا بالتطورات التي شهدتها السعودية، ويمكن القول أن التقرير أو«المقال السادس» للمجلس التنفيذي للصندوق، يعتبر اول تقرير «اقتصادي» بحت يعده الصندوق عن السعودية يتحدث فيه بالتحليل والرصد والمتابعة والانتقاد المنطقي، مقارنة بتقارير الصندوق السابقة ذات الصبغة السياسية. ففي تقييم المجلس التنفيذي يثمن جميع الاصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الحكومة لتسريع عجلة نشاط القطاع غير النفطي وما لحق به من تأثيرات ايجابية على توليد فرص عمل متزايدة، ويرى المجلس أن قوة الاقتصاد السعودي ستكون مستقبلا بيد القطاع الخاص، لكن هذا القطاع الخاص، طبقا لتقييم المجلس، بحاجة إلى قرارات منها: يقضي بعدم تدخل الحكومة في الاقتصاد، وتغيير سياسات التسعير، وتشجيع الاستثمار الاجنبي، وخلق بيئة مؤسساتية. وتوقع المجلس التنفيذي استمرار سياسة ضبط الانفاق الحكومي في العام 2001 وبما له اكبر الاثر في انخفاض عجز الميزانية بشكل نهائي، وهي السياسة التي اتخذتها الحكومة السعودية منذ العام 1995، لكن التقرير لفت النظر هنا إلى نقطة هامة وهي أن الاقتصاد السعودي سيبقى عرضة لانخفاض اسعار النفط، إذ أن اي تذبذب في الاسهار ربما سينعكس سلبا على الارصدة المالية والنمو، وهنا يطلب المجلس التنفيذي ضرورة الاسراع بالاصلاحات الاساسية ومن بينها «النظام الضريبي» إذا دعت الحاجة، وفي شأن الضريبة، يرى المجلس التنفيذي في تقريره بأن السعوديين بحاجة إلى تقوية النظام الضريبي السائد لديهم «المقصود هنا بالزكاة»، لما سيكون له اكبر الاثر في تقليل اثار الدين الداخلي، مشددا على ضرورة تعبئة العائدات غير النفطية، وتطوير آليات السيطرة على الانفاق العام، وتحريك الانفاق الاستثماري، والانفاق الاجتماعي، وطالب تقرير المجلس التنفيذي ضرورة متابعة برنامج تخصيص الشركات الحكومية، لما لها من الاثر الكبير على تشجيع القطاع الخاص على اداء دوره في المرحلة المقبلة وتحقيق أيضا تدفق الاستثمارات الاجنبية، لكن التقرير ثمن هنا خطوة فتح قطاع الغاز للاستثمارات الاجنبية. وفي القطاع المصرفي طالب المجلس التنفيذي بضرورة الاشراف المباشر على النظام المصرفي وفق معايير ومستويات دولية، وهو في نفس الوقت ثمن جهود مكافحة غسل الاموال، كما طالب بتعميق سوق السندات الحكومية، وتطوير سوق سندات الشركات، مشجعا على مواصلة التطوير وتبني سياسات تنافسية لزيادة كفاءة النظام المصرفي. وفي الوقت الذي رحب فيه تقرير المجلس بتطبيق برامج جديدة في التدريب والتعليم، طالب بسرعة حل مشكلة البطالة، معتبرا أن حل هذه المشكلة لن يكون سوى بيد القطاع الخاص، مثمنا في نفس الوقت خطة اقرار نطام التأمينات الاجتماعي، وطالب الاهتمام بالاحصاءات وشفافية الارقام التي تشجع على بناء ثقة في الاقتصاد. وفي هذا الشأن، اكد اقتصاديون سعوديون أن أهمية تقرير صندوق النقد الدولي في هذه الفترة بالذات تكمن أخيرا في تركيزه على المطالبة بوجود برنامج محدد للاصلاحات الاقتصادية وفق زمن معين يعمل كمنظومة وبجهد منسق وتعاون وشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، ويتفق الاقتصاديون على أن الصندوق لم يأت بجديد في كشف بعض التفاصيل أو المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد السعودي، ويرى قسم آخر أن التقرير تمثل بشفافية كبيرة فهو يتبع مبدأ «الاعتراف لأول مرة». ويعتقد الدكتور احسان بوحليقة المحلل الاقتصادي أن وصفات صندوق النقد الدولي تعتبر عامة ويعوزها الكثير من العمق، لكنه يستدرك القول بأن تقارير الصندوق عادة ما تشخص تحديات الاقتصاد، وهي تحديات واضحة، فالنفط أمره غير جديد فهو دائم التذبذب، ويؤكد أن هناك ادراكاً داخلياً بالمشاكل والعقبات بغض النظر عن وصفة الصندوق، فهناك فرق كبير ما بين «الضغط والمبادرة»، ويعترف بأن التقرير كان صريحا فيما يتعلق بسياسة التخصيص، فهذا البرنامج ورغم نجاح تطبيقه في تجربة شركة الاتصالات فهو معطل حاليا، ويتفق المهندس بشر بخيت المحلل المالي مع بو حليقة، لكنه يرى بالمثل أن الصندوق حينما تحدث عن تعميق سوق السندات غاب عنه أن السوق السعودية بحاجة إلى سند شرعي لتضارب الاراء حول هذه السوق، مؤكدا على ضرورة البدء في تنفيذ البرنامج الاصلاحي، وتناول التقرير التطور الاقتصادي السعودي في العام 2000، مشيرا إلى نمو الناتج المحلي الاجمالي بحدود 4.5% نتيجة زيادة الناتج المحلي الاجمالي للقطاع النفطي بنسبة 8.5% وتعافي القطاع غير النفطي بنمو نسبته 2.5% نتيجة التوسع في القطاعات الصناعية خاصة البتروكيماويات وقطاعي الخدمات والبناء، ونمت سوق الاسهم بنسبة 11%، وانعكس ذلك أخيرا على انتقال الحساب الجاري إلى فائض بقيمة 9 مليارات دولار، كما ارتفع احتياطي العملات الاجنبية وهو حجم كاف لتغطية واردات عشرة أشهر، وقال التقرير أن الميزانية سجلت فائضا نسبته من الناتج المحلي الاجمالي على الرغم من زيادة الانفاق بنسبة 28% تقريبا، وهي زيادات كان سببها اقفال ملف متأخرات المقاولين وتعجيل بعض المشاريع، ونتيجة لذلك، صعد الدين الحكومي إلى نحو 95% من الانتاج المحلي الاجمالي. وأضاف أنه في محاولة احتواء الاعانات المالية عدلت الحكومة اسعار استهلاك الكهرباء، أما توقعات العام 2001، فقد توقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الاجمالي للقطاع غير النفطي بنسبة 4% تقريبا إضافة إلى توقعات بنمو غير محددة في القطاع النفطي الذي سيعمل في بيئة غير تضخمية، على حد تعبير الصندوق. جدة ـ سعيد الغامدي: