اكد تقرير اقتصادي حديث أن احد أهم القرارات التي اتخذها المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد بالدوحة مؤخراً كان قرار اطلاق برنامج عمل متوازن وواسع النطاق يشتمل على جدول مباحثات موسع، وكذلك اتخاذ عدة قرارات مهمة سوف تؤدي الى تقوية النظام التجاري العالمي متعدد الاطراف. بالاضافة الى ترحيب المؤتمر بالصين وتايوان كعضوين جديدين في منظمة التجارة الدولية، وهو تطور وصفه الكثيرون بأنه يجعل منظمة التجارة الدولية عالمية بالمعنى الحقيقي. واكد التقرير الاقتصادي الذي اصدره بنك دبي الوطني في نشرته الدورية ربع السنوية الاخيرة ان نجاح مؤتمر الدوحة يأتي في مرحلة حرجة للاقتصاد العالمي الذي يعاني من المزيد من التراجع الاقتصادي اثر هجمات 11سبتمبر على نيويورك وواشنطن. ويدل المؤتمر على ان المجتمع العالمي الذي قرر التعاون بشكل وثيق في الحرب ضد الارهاب قد قرر ايضا التعاون بجدية لدعم السياسات التي تستهدف اطلاق عجلة النمو الاقتصادي. في الواقع، كان المضاربون السياسيون يراهنون قبل 11سبتمبر برهان 1 الى 10بأن مؤتمر الدوحة سيفشل مثل مؤتمر سياتل، وذلك لأن الارادة السياسية من الولايات المتحدة لاحياء مباحثات التجارة الدولية كانت معدومة، ولكن بدون قيادة الولايات المتحدة وارادتها في هذا المجال، فإن النظام التجاري متعدد الاطراف سيؤول مصيره الى الفشل وسيصيبه ما اصاب بروتوكول كيوتو الذي الغته الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من المباحثات المكثفة. ولم تظهر الادارة الامريكية الحالية حتى احداث سبتمبر اي تحمس تجاه الاتفاقيات متعددة الاطراف، ذلك انها منذ توليها زمام الحكم في الولايات المتحدة ركزت على الاتفاقيات ثنائية الاطراف كأسلوب للتعامل مع العالم الخارجي. ولكن يبدو ان هجمات سبتمبر غيرت كل ذلك، وهكذا اتت الولايات المتحدة الى الدوحة وهي راغبة في انجاز صفقات وقرارات تظهر للعالم قدراتها القيادية. بشكل عام اسفر البيان الختامي للمؤتمر الوزاري بالدوحة عن نتائج متوازنة بين تطلعات الدول المتقدمة والدول النامية. وفي هذا الاطار، كانت دول معينة انجح من غيرها في ادخال جدول اعمالها في المباحثات بشكل واضح. يتوقع لهذه الدول ان تحقق مكاسب ملموسة من هذه الجولة وعليها ان تكون قانعة وراضية بنتائج المؤتمر. ذلك ان هناك توضيحات مع بعض التنازلات في قضية معاهدة حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) وحقوق الابتكار في صناعة الادوية التي يتوقع ان تخدم مصالح الدول النامية. بالاضافة الى ذلك، اتضح خلال المؤتمر ان الدول الاعضاء كانت اكثر استعدادا لبحث كل شرط من شروط الدول النامية المتضمنة في المعاهدات الموجودة حاليا والنظر في امكانية تقديم تنازلات اكثر لها. ورغم ان الدول النامية لم تشأ ان يحتوي جدول اعمال المباحثات الجديدة على قضايا البيئة والاستثمار والمنافسة، إلا ان هذا التنازل كان لابد له من القبول به من اجل نجاح عملية اطلاق جولة مباحثات جديدة (والتي ستشمل بوضوح تطلعات الدول النامية من هذه الجولة). وهذا لا يعني ان الدول المتقدمة كانت كريمة وغير انانية عند وضع جدول اعمال المباحثات القادمة. فهي تتوقع بوضوح بعض «الهدايا» في مقابل التنازلات الملموسة التي قدمتها للدول النامية. في بداية المؤتمر بدأ الاتحاد الأوروبي وكأنه خسر كل شيء ولكنه عاد وكسب الكثير فيما بعد. ذلك انه مع نهاية اليوم الخامس من المداولات، كان من الواضح ان الاتحاد الأوروبي قد انجز القليل في مقابل الالتزامات التي قدمها لالغاء اعانات الصادرات الزراعية بشكل تدريجي. ولكن مع صباح اليوم السادس للمؤتمر تمكن الاتحاد الأوروبي من اضعاف التزاماته بالالغاء التدريجي وحصل على التزام واضح بادخال قضايا البيئة والاستثمار والمنافسة في المباحثات القادمة. ورغم ان الالتزامات تجاه القضايا الاخيرة لم يتم التوصل اليها بالقدر الذي كان يتطلع اليه الاتحاد الأوروبي، الا ان هذه النتائج فاقت الى حد كبير توقعات الكثيرين من حيث تصوراتهم لما كان يمكن ان يحدث قبيل المؤتمر الوزاري بالدوحة. في الواقع اصبح الاتحاد الأوروبي ملتزما سياسيا وأدبيا بخفض اعانات الصادرات الزراعية بشكل ملموس، وربما بالغائها تدريجيا. ورغم اكتمال حدوث ذلك الى حد كبير، إلا ان الالتزام المهزوز الذي قدمه الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بخفض اعانات الصادرات الزراعية ربما يؤدي فيما بعد الى الغائها تدريجيا انما يمنحه وضعا افضل في المداولات والمباحثات. لذا فإنه من المؤكد ان يحدث تقدم ملموس في قضايا البيئة والاستثمار والمنافسة في القريب العاجل. كان الأمريكيون سعداء بالجولة ولكنهم لم يفوزوا في نقاط كثيرة. في الواقع، يبدو ان نتائج المؤتمر كانت في الاكثر مخيبة للولايات المتحدة. ذلك انه في بعض الجوانب، كانت حرية الولايات المتحدة وقدرتها في المباحثات محدودة بالوضع العالمي ورغبتها في المحافظة على متانة علاقاتها مع حلفائها في الحرب ضد الارهاب. ورغم ان الولايات المتحدة لديها الرغبة والمصالح الواضحة لاطلاق جولة جديدة من مباحثات التجارة الدولية، الا ان مصالحها المحددة لم يتم تحقيقها. وعلى وجه التحديد، لم تحقق هدفها في ابقاء الاغراق خارج اطار جدول اعمال المؤتمر. ومن المثير للدهشة ان قرار اطلاق المباحثات المتعلقة بالممارسات المضادة للاغراق لم يخضع للمناقشة بتاتا بل تمت الموافقة عليه قبل انتهاء المؤتمر بمدة طويلة. وبما ان هجمات سبتمبر كانت موجهة للمركز الاساسي للتجارة العالمية، فإن فشل المؤتمر في الدوحة كان يعني التنازل عن الالتزامات المشتركة لبناء نظام اكثر انفتاحا للتجارة الدولية، وسينظر اليه ايضا على انه انتصار لمدبري هذه الهجمات. وفي هذا الاطار، فإن المحافظة على سرعة الانطلاقة الى الامام في الدوحة انما هو دليل على التصميم المجمع عليه بين الحكومات على وضع المصالح الذاتية قصيرة المدى جانبا من اجل مصلحة الجميع لاسيما تلك التي تهم دول العالم الاكثر فقرا. ومن هنا فإن نجاح مؤتمر الدوحة قد حقن الاقتصاد العالمي بجرعة مهمة جدا من الثقة وساعد الانفتاح والتعاون العالمي على تفادي انهيار كبير من هذا المنطق، هنا الكثير لقطاع الاعمال في دولة الامارات ليتمكن من قطف ثمار نجاح مؤتمر الدوحة ونتائجه التي توصل اليها.