بدأت أوروبا فصلا جديدا في تاريخها امس عندما بدأ اكثر من 300 مليون أوروبي تداول أوراق النقد والعملات المعدنية من العملة الموحدة اليورو لتكتمل بذلك وحدة نقدية غير مسبوقة تهدف الى ترسيخ السلام وزيادة الرخاء. وطوى التاريخ صفحة من صفحات أوروبا عندما بدأت عملية ابدال اليورو بعملات 12 دولة في منطقة اليورو لتصبح العملة الجديدة أوسع العملات الاوروبية انتشارا منذ عهد الامبراطورية الرومانية. وبدأ الناس في مختلف أنحاء أوروبا يصطفون طوابير عند الات الصرف الالي للحصول على أول اوراق نقدية من العملة الموحدة بينما انطلقت الالعاب النارية في سماء دول اليورو التي تمتد من الدائرة القطبية في الشمال الى الجزر اليونانية في الجنوب فيما وصفه زعماء أوروبيون بانه فجر عصر جديد. وكانت أول عملية شراء تسجل بالعملة الجديدة في جزيرة ريونيون الفرنسية بالمحيط الهادي التي جعلها موقعها الجغرافي أول أرض أوروبية يبدأ فيها العام الجديد ويبدأ فيها ايضا تداول اليورو. وفي لفتة تعبر عن التزامها بالوحدة الاوروبية احتفلت المانيا ببدء تداول اليورو بعرض من الالعاب النارية واحتفال عام في الشوارع المحيطة ببوابة براندنبورج في برلين التي كان الزعيم النازي هتلر يستعرض عندها قواته ايام حملته لغزو القارة الاوروبية. وكان المواطنون الالمان من أكثر الاوروبيين ترددا في تبني العملة الموحدة لانهم كانوا متعلقين بشدة بالمارك الالماني كرمز وطني. واستغل المستشار جيرهارد شرودر كلمته بمناسبة العام الجديد في محاولة اقناع مواطنيه بالاقبال بثقة على العملة الجديدة. وقال شرودر سينتاب الحزن عدد كبير من الناس. فالمارك الالماني كان يعني الكثير بالنسبة لنا. ونحن نربط المارك بذكريات اوقات سعيدة في ألمانيا. لكن ليكن كل منكم على ثقة ان أوقاتا افضل في انتظارنا. وفي فرانكفورت مقر البنك المركزي الاوروبي الذي يدير اليورو احتفل الالماني فرانك روتشينسكي بالعام الجديد وفي يده زجاجة باحدي الحانات. وقال روتشينسكي سأفتقد المارك. فالمارك هو المارك. وأصبح علي الان ان أعيد الحسابات ألف مرة عندما اشتري زجاجة. وطرح اليورو رسميا اول مرة في يناير عام 1999 في المعاملات بين البنوك وعندها تم تحديد أسعار عملات الدول المشاركة في الوحدة النقدية للمرة الاخيرة. لكن طرح اليورو للتداول أمس يمثل بداية تحول هذا الامر الى حقيقة واقعة بالنسبة للاوروبيين بما يسهل من عملية مقارنة الاسعار في مختلف أنحاء منطقة اليورو ويلغي تماما حاجة المسافرين بين هذه الدول لاستبدال العملات. وستسمح أغلب دول منطقة اليورو باستخدام عملاتها الوطنية الى جانب اليورو حتى نهاية فبراير المقبل. وفي العاصمة الفنلندية هلسنكي وقف اندريا برجمان وانتي كيلستروم وكلاهما في الواحدة والعشرين في احد الطوابير أمام الة للصرف الالي وقالا انهما يريدان الحصول على مبلغ باليورو لتغطية نفقات رحلة يبدانها اليوم الثلاثاء الى اسبانيا. وقال كيلستروم نحن ذاهبان الى تناناريف وهم يستخدمون نفس هذه العملة هناك. لكن الواقفين امام الات اخرى للصرف الالي في فنلندا اصيبوا بخيبة أمل اذ كانت الالات تعمل بالعملة الفنلندية. ومن بين اعضاء الاتحاد الاوروبي اختارت بريطانيا والدنمرك والسويد عدم الانضمام الى العملة الموحدة لكن اليورو قد يظهر فيها كعملة موازية لانه من المتوقع ان تقبل المتاجر التعامل به. واشتملت عملية ابدال العملة غير المسبوقة على طرح مليارات من اوراق النقد والقطع المعدنية من خلال البنوك والشركات. وجاء ميلاد العملة الجديدة تتويجا للمساعي الرامية الى تحقيق التكامل الاوروبي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد ظل المستشار الالماني السابق هيلموت كول أحد أقوى المروجين لفكرة العملة الموحدة في اواخر القرن الماضي يجادل بان العملة الموحدة ستساعد في الحيلولة دون نشوب حروب بين دول اليورو. لكن هذه الرؤى العظيمة ستغيب عن أذهان الناس العاديين في عمليات الشراء والبيع وهم يستخدمون عملة غير مالوفة وسط مخاوف من ان ينفد ما لدى البنوك من نقد بالعملة الجديدة أو ان تعمل المتاجر على رفع الاسعار عند التحويل من عملة لاخرى. ومن المتوقع تظهر طوابير في محطات القطارات ومتاجر السوبر ماركت في الايام الاولى بينما يضرب الناس اخماسا في اسداس وهم يحسبون الاسعار بالعملة الجديدة. ومن حسن حظ الالمان ان سعر صرف اليورو يعادل ماركين اثنين تقريبا مما سيسهل عليهم التعود على العملة الجديدة أكثر من الفرنسيين الذين يتعين عليهم ان يضربوا سعر اي سلعة في 6.56 للحصول على السعر بالفرنك الفرنسي. أما النمساويون فعليهم ان يضربوا السعر في 13.76 للحصول على السعر بالشلن. وفي فرنسا سيتعقد طرح اليورو بعض الشيء بسبب اضرابات عن العمل ينظمها العاملون في قطاعي المصارف والبريد اليوم. وفي أول خطأ من نوعه بدأت بعض الات الصرف في فرنسا تخرج أوراق اليورو لطالبي النقود قبل ساعات من الموعد الرسمي بسبب مشاكل تتعلق ببرامج الكمبيوتر التي تتحكم في العملية. ـ رويترز
أوسع العملات انتشاراً منذ الامبراطورية الرومانية، أوروبا تحتفل بميلاد عملتها الموحدة مع مقدم العام الجديد
