يتوقع التقرير الاقتصادي الصادر عن بنك دبي الوطني ان يحدث انتعاش اقتصادي عالمي في الربع الثالث من العام 2002 إلا انه يربط الانتعاش بعدة عوامل قد تؤدي الى تأخير هذا الانتعاش منها عدم تطبيق الحكومات سياسات المالية الملائمة لاكمال المبادرات التي قدمتها السياسة النقدية، وامتداد الحملة العسكرية الأمريكية في المنطقة الى دول اخرى بعد نهاية الحرب في افغانستان. ونجاح منظمة أوبك في السيطرة على المعروض العالمي من النفط ومنع اسعاره من الانخفاض الى اقل من 20 دولاراً للبرميل الواحد فالملاحظ انه حتى الآن تتركز معظم التوقعات على سعر نفط يتراوح ما بين 12 ـ 16 دولاراً للبرميل. ويضيف التقرير ان فشل الارجنتين في الوفاء بالتزامات الدين العام البالغ 132 مليار دولار قد تؤخر ايضا في حدوث الانتعاش فمازالت هناك تخوفات من حدوث كساد داخلي في الارجنتين قد يؤدي الى حدوث مثل هذا الفشل. ويوضح التقرير ان احداث 11 سبتمبر اثرت على الاقتصاد العالمي وحولت مساره نحو الانتعاش الى احداث كساد ومظاهر ضعف في الاقتصاد العالمي خاصة في الاقتصادات الكبرى في أوروبا وامريكا واسيا ويواجه المحللون الاقتصاديون والماليون حاليا السؤال الصعب وهو متى سيستقر الاقتصاد العالمي في قاع الكساد ويبدأ بالصعود الى الانتعاش الذي طال انتظاره في ظل تداعيات هجمات سبتمبر فقد اثرت هذه الاحداث على مستويات الثقة بالاقتصاد العالمي لدى كل من المستهلكين والمستثمرين. وفي ضوء الاوضاع التي تخيم على اكبر الاقتصادات في اوروبا واسيا فإن الامال ـ كما يذكر التقرير ـ مازالت تتركز على الاقتصاد الأمريكي لقيام اقتصاد العالم نحو الانتعاش ويتوقف ذلك على مدى قوة الاقتصاد الأمريكي على القيام بذلك وهو مازال في مرحلة الرد على ما يسمى «بالهجمات الارهابية» التي اثرت بشكل كبير على كل قطاع فيه. ويعدد التقرير مظاهر الضعف في الاقتصاد الأمريكي والمتغيرات التي يمكن ان تؤخر انتعاشه الاقتصادي وهي التدهور في مستويات ثقة المستهلك وتقلص في الانشطة الانتاجية وتزايد معدل البطالة والانخفاض في نشاط التصنيع. ففي مستويات ثقة المستهلك يعتبر انفاق المستهلك احد اهم المتغيرات الاقتصادية الدافعة الى انتعاش اقتصادي قبل 11 سبتمبر. ولكن مؤشر ثقة المستهلك انخفض للشهر الخامس على التوالي في نوفمبر. والملاحظ بأن الانخفاض الأخير كان شديدا جدا على غير المتوقع، حيث تدهور المؤشر من 85.3 نقطة في اكتوبر الى 82.2 في نوفمبر. ومن المتوقع ان يؤدي ارتفاع معدل البطالة وارتفاع حجم العمالة المستغنى عن خدماتهم الى مزيد من الانخفاض في مستوى ثقة المستهلك. ولأن الانفاق المستهلك يحرك ثلثي الاقتصاد الأمريكي، فإن اي ارتفاع في ثقة المستهلك يمكن اعتباره اشارة مبكرة لانتعاش اقتصادي قادم. ذلك ان هشاشة ثقة المستهلك المتزامنة مع اسرع انخفاض في انفاق المستهلك على مدى اكثر من 14 عاما دفع الكثير من الاقتصاديين والمنظمات البحثية الى اعلان ان الكساد الذي سيصيب الاقتصاد الأمريكي لا يمكن تفاديه. وبالنسبة لتقلص الانشطة الانتاجية فقد تقلص الاقتصاد الامريكي بمعدل سنوي يصل الى 1.1% في الربع الثالث من 2001، وهو الاداء الأسوأ له في اكثر من 10 سنوات (وذلك عندما انكمش الاقتصاد ب2% في الربع الأول من 1991). وبما ان هذا الانكماش في النشاط الاقتصادي يعتبر اسوأ من التوقعات الأولية (0.4%) واعلى من توقعات الكثير من الاقتصاديين (التي تركزت على توقع 1%)، فإن ذلك يدل على حقيقة ان الوقوع في كساد قد تغيرت من احتمال الى شيء لا يمكن تفاديه. ورغم تأكيدات وزارة التجارة بأن المراجعات المستقبلية لارقام الناتج المحلي لن تنخفض بأكثر من 1% الا ان الاقتصاديين يتوقعون ان يكون الربع الأخير من 2001 اسوأ من الربع الثالث. إن انهيار ثقة المستهلك والانخفاض في الانفاق الاستثماري وتسريح العمالة بمستويات عالية تعتبر كلها دلائل على تفاقم سوء الاحوال الاقتصادية. ورغم ان الاقتصاد قد تحسن بكثير عما كان عليه بعد احداث 11 سبتمبر، وذلك عندما انهار النشاط الاقتصادي الى درجة التوقف التام لعدة ايام، الا ان البيانات الأولية عن الربع الاخير تشير الى ان الضعف الاقتصادي في اسس الاقتصاد سيستمر. ويعتبر الغاء آلاف الوظائف في ضوء التراجع الاقتصادي الحاد في اكبر اقتصادات العالم الاسوأ من نوعه منذ 21 عاما. فقد ادت احداث سبتمبر الى زيادة سوء الأحوال في سوق العمل. ذلك ان الشركات الغت 415000 وظيفة في اكتوبر (وهذا يقارب اعلى رقم للالغاء وهو 460000 وظيفة في مايو 1980) بالمقارنة مع الغاء 213000 وظيفة في سبتمبر. وقد ادى ذلك الى زيادة في معدل البطالة من 4.9% في سبتمبر الى 5.4% في اكتوبر. ورغم ان الكثير من الاقتصاديين يتوقع حدوث انتعاش اقتصادي في بداية2002 ، إلا ان البطالة (وهي متغير اقتصادي بطيء الاستجابة) يتوقع ان تستمر في الارتفاع على الرغم من حدوث هذا الانتعاش. ويعتبر قطاع التصنيع (الذي الغى 142000 وظيفة) وقطاع الخدمات (الذي انهى 111000 وظيفة) من القطاعات الاعلى في تسريح العمالة. وفي ظروف الاحساس بالضغوط الاعلى من التباطؤ الاقتصادي، انكمش الناتج الصناعي في الاقتصاد الامريكي للشهر الخامس عشر على التوالي في اكتوبر. ورغم ان قطاع التصنيع اظهر علامات من الانعاش قبل سبتمبر، إلا ان الهجمات دفعت به بشكل كبير الى هوة الكساد نتيجة لتدهور الطلب. وقد انخفض مؤشر مديري المشتريات من 47 في سبتمبر الى 39.8 في اكتوبر وهو الانخفاض الاشد منذ مايو 1980. ولكنه عاد ليرتفع الى 44.5 في نوفمبر وتدل قراءة المؤشر بأقل من 50 على انكماش النشاط اما القراءة الاقل من 42.7 لمدة من الزمن فتشير الى انكماش في النشاط الاقتصادي ككل. ويرى التقرير انه على الرغم من اثار المتغيرات الاقتصادية فإن صناع السياسة الاقتصادية الأمريكية قد أوجدوا ما يتوقع ان تنعش الاقتصاد وتقلص من فترة الانكماش الاقتصادي نحو الانتعاش من خلال خفض تكلفة الاقتراض لقطاعي الاعمال والمستهلكين. وبالقيام بذلك، فإن المصرف المركزي الامريكي يعطي اشارة واضحة بأنه سيفعل ما يمكن عمله لحماية اكبر اقتصادات العالم من التباطؤ. واليوم وصل كل من معدل اقراض المصارف اليومي ومعدل الخصم الى ادنى مستوياتهما خلال الاربعين سنة الماضية. ولأن معدلات التضخم مازالت منخفضة، فإن المصرف المركزي الأمريكي مازال المجال أمامه مفتوحا لتطبيق المزيد من الخفض في اسعار الفائدة اذا ما احتاج انفاق المستهلك، او العمالة او الانفاق الاستثماري الى دفعة اخرى من خلال التمويل المنخفض التكلفة. وقد انخفضت اسعار النفط بحوالي الثلث منذ هجمات سبتمبر. واذا ما استمر التراجع الاقتصادي العالمي لربعين اخرين من العام، فإن اسعار النفط ستنخفض اكثر من ذلك. بالاضافة الى ذلك، فإن الخلافات بين اعضاء الاوبك ومنافسيهم من غير الاعضاء في المنظمة يمكن ان يؤدي الى انخفاض اكبر في اسعار الطاقة والتي تشجع انخفاض اسعارها تاريخيا العديد من الانتعاشات الاقتصادية لاسيما خلال الثمانينيات والتسعينيات. كتب عادل السنهوري: