كل دول العالم، والمناطق الاقتصادية الاقليمية، تتسابق اليوم من أجل الحصول على منافع ومكاسب أكبر لصالح شعوبها، بينما تسوء أوضاع التعاون الاقتصادي العربي، وهي الأوضاع التي أدت الى ضعف الأمة العربية، وتجسيد الفرقة بين شعوبها، وجعلت بعض الدول الأجنبية تسخر منها وتهمشها، ويكفي أن السوق العربية المشتركة التي اقرت اتفاقيتها في عام 1964 ووصفها الرؤساء العرب بأنها مسألة حياة او موت لم يأت من يستطيع تنفيذها خلال مايزيد عن خمسة وثلاثين عاما، مع انها لا تضر الدول العربية بل تضيف اليها وتدعم مراكزها الاقتصادية كما تؤدي الى الاستفادة للجميع - رؤساء وحكومات وشعوب. لقد مضى قطار التعاون الاقتصادي العربي في طريق خاطئ ومعيب، واستمر عليه دون تعديل أو صيانة ولم يفكر أحد من الذين تقلدوا أمور هذا التعاون في تصحيح المسار جديا، وان كان بعضهم قد انتقد أوضاع هذا التعاون وفي مقدمتهم الأمين العام المساعد السابق للجامعة العربية الذي انتقده بشدة في اشارة منه بعجزه عن الاصلاح وارتضى أبسط الحلول وهو الاستقالة واعلان بيان عن ضعف هذا التعاون، وبالتالي فإن الأمر يتطلب اعادة الهيكلة والتركيز على طرق جديدة تقوض المسيرة السابقة للتعاون وتنشئ مسيرة جديدة تحقق الأهداف وتعيد الحياة وتحمي الأمة العربية. ومن هنا فإنني اعرض فيما يلي استراتيجية جديدة للعمل العربي المشترك في المجال الاقتصادي والتي تقوم على النقاط الرئيسية التي اقترحها منهجا جديدا للتعاون الاقتصادي العربي الذي يمكنه تحقيق السوق العربية المشتركة والوصول الى اتحاد عربي اقتصادي يحمي ثروة الأمة العربية ويعطيها القوة للوقوف ضد المعتدين والاعداء، كما يرفع مستوى المعيشة في كل الدول العربية، خاصة منها الدول العربية الفقيرة التي وصلت تقريبا الى الانتاج الحدي، وهي استراتيجية بديلة عن الاستراتيجية الحالية التي تطبق في مجال التعاون الاقتصادي العربي: أولا: قيام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بتغيير الاستراتيجية الاجرائية الحالية والتي تتمثل في اجتماعات دورية ومؤتمرات وملتقيات وندوات.. الخ واستبدالها بأساليب جديدة تتمثل في الدعوة المباشرة لادماج القطاعات الانتاجية، على المستوى العربي الشامل، والتي تتمثل في مؤسسات وشركات ومصانع ومحلات تجارية ومطاعم وفنادق يملكها القطاع الخاص في الدول العربية، وكذلك المصانع الكبرى، والبنوك الكبرى، والشركات الكبرى، وأية مؤسسات انتاجية كبرى أخرى يملكها القطاع العام والتي يتوافر لها امكانية الاندماج وهو مايتمشى مع الاتجاهات العالمية في الاندماجات والتكتلات الاقتصادية والانتاجية التي تمت مؤخرا في مجالات البترول والبنوك والاعلام والسياحة والمنتجات الطبية والطيران والسيارات والكمبيوتر الخ. ومن هنا فإنني اقترح خطة عمل لمجلس الوحدة الاقتصادية خلال الفترة المقبلة تقوم على التركيز على اعداد الخطوات اللازمة لمشروعات انتاجية وخدمية للقطاعين الخاص والعام والتوقف مؤقتا عن ابرام اتفاقيات حكومية، وضياع الوقت في المطالبة بتوقيعها واصدار توصيات في ضوء اجتماعات دورية تأخذ جهد المجلس ووقته، على ان تكون هذه المشروعات على المستوى العربي الشامل دون الاقتصار على الدول الاعضاء في المجلس، وان يتم تنظيم ذلك في ضوء مايلي: - قطاع من المجلس يتخصص في تنظيم اجتماعات لممثلي الجهات الانتاجية حسب القطاع ونوع النشاط مع الاستعانة بالاتحادات النوعية الممثلة للنشاط المطلوب، وطرح فكرة الدمج على مستوى المنطقة العربية وفتح المناقشة لكل الجوانب التي تتعلق بالدمج والتسهيلات الحكومية المطلوبة من الدول العربية لاتمام الدمج والفروع الانتاجية أو الخدمية التي تفتح في كل منها وكيفية انشائها واللوائح التي تطبق على العاملين بهذه الفروع، وقد يتقرر في هذه الاجتماعات عمليات دمج عملي أو التوصية بعمل اتصالات فورية بشركات ومؤسسات لاتمام الدمج. - وقطاع اخر من المجلس يتخصص في تنظيم اجتماعات رجال الاعمال العرب لمناقشة انشاء مشروعات عربية كبرى يتم قيامها داخل المنطقة العربية ومدى امكانية مساهمتهم فيها على ألا تقتصر جنسيتها على دولة واحدة وانما تأخذ الصبغة العربية العامة، وذلك في ضوء قائمة مشروعات يتم اعدادها عن طريق المجلس بالاتفاق مع اتحاد المستثمرين العرب ورجال الاعمال بالاشتراك مع اتحادات المستثمرين المحلية في كل الدول العربية، وعلى أن يسترشد في ذلك بخطط التنمية الاقتصادية المعدة في هذه الدول من قبل الحكومات العربية، وبعد ان يتم اعداد دراسات جدوى لكل مشروع على حده بالاشتراك مع كل هذه الجهات. ثانيا: الدعوة إلى تأسيس مؤسسة عربية خاصة كبرى يؤسسها القطاعان العام والخاص العربيان وبرأس مال يغطي انشاء المشروعات التي يتطلبه انشاؤها في الدول العربية والتي تساعد في رفع معدلات التنمية وتحسين مستويات المعيشة لسكانها وتغيير هيكلها الاقتصادي وتحويله الى قطاعات متقدمة تساعد هذه الدول على تأدية دورها في التنمية الشاملة للأمة العربية. ان انشاء مثل هذه المؤسسة العربية من قبل القطاع الخاص والقطاع العام وكافة رجال الأعمال العرب القادرين ماليا والمهتمين بتنمية بلادهم العربية، سيؤدي الى اعادة هيكلة المنطقة العربية من الناحية الاقتصادية والى قيام الأمة العربية بدورها الحضاري المطلوب، كما يؤدي الى معالجة كل المشاكل الاقتصادية التي تواجه هذه الأمة، والى رفع مستويات المعيشة لابناء الشعب العربي، خاصة في الدول الفقيرة، التي تعاني من انخفاض في مستوى الدخل والتي كادت تقع تحت براثن المجاعات، وبالتالي يساعد على خلق قوة شرائية تستوعب منتجات المؤسسة المقترحة بين سكان المنطقة العربية الذين يصل عددهم الى حوالي 250 مليون نسمة وبشكل يؤدي الى مكاسب كبيرة للمساهمين وللعاملين في هذه المؤسسة. وكنت أتوقع ان يقوم المؤتمر التاسع لرجال الاعمال والمستثمرين العرب الذي انعقد في دبي في الشهر الماضي وحضره عدد كبير من الخبراء والمستثمرين العرب وصل الى حوالي الف شخص، كنت أتوقع أن يقوم ببحث انشاء مشروعات جديدة ومشروعات للدمج العملي بين مؤسسات وشركات وبنوك عربية، كما كنت أتوقع منه اقتراح بانشاء مؤسسات عربية كبرى للتنمية من القطاع الخاص في الدول العربية تكون قابضة لشركات وفروع لها الصبغة العربية المشتركة، وتمتد فروعها الى عدد كبير من الدول العربية، وتقوم على اسس تكنولوجية حديثة، كما يتم تسويق منتجاتها في كل المنطقة العربية بحيث تكون قادرة على منافسة الانتاج الخارجي، خاصة مع تطبيق اتفاقية منظمة التجارة العالمية الحرة والغاء الحواجز التجارية. وأحدد فيما يلي بعض الملامح الرئيسية للمؤسسة المقترحة: أولا: في مجال الأنشطة التي تقوم بها: ـ في المجال الانتاجي: - انشاء المشروعات الصناعية الكبرى في المناطق العربية الأكثر مناسبة لها ومشروعات استصلاح الاراضي القابلة للزراعة في المنطقة العربية وزراعتها بالمنتجات الزراعية بهدف توفير احتياجات المنطقة. - انشاء مشروعات تنمية الثروة الحيوانية والمعدنية التي تملكها الدول العربية. - ومشروعات انتاج السلع الاستهلاكية لمواجهة احتياجات السوق المحلي في المنطقة العربية وذلك بالاضافة الى المشروعات السياحية والمرافق العامة والخدمات التي تساعد على قيام المشروعات الانتاجية. - وأية مشروعات انتاجية أخرى تساعد على الاستغناء عن السلع المستوردة والاعتماد على الانتاج المحلي العربي. ـ في المجال المالي: - انشاء بنوك تجارية بجنسية عربية تمتد فروعها في الدول العربية لتقديم الخدمات المصرفية للمتعاملين عن طريق المؤسسة. - وبنك عربي للتنمية يقوم بالمساهمة في تمويل مشروعات المؤسسة أو المشروعات التي تساهم المؤسسة في انشاء ويقوم البنك بقبول الودائع العربية، بالاضافة الى شركات الاستثمار العربية والتي تقوم بتملك الأوراق المالية والتجارية والودائع الصادرة أو المضمونة من قبل أية حكومة عربية أو مؤسسة عربية كبرى والحصول على الأوراق المالية والتجارية والودائع سواء عن طريق الاكتتاب أو التعاقد أو المناقصة أو الشراء أو المبادلة. ـ في المجال النقدي: حيث ان نشاط المؤسسة سيتسع ليشمل مجالات انتاجية ومالية وخدمات سياحية ومرافق عامة وسيمتد الى مناطق واسعة في انحاء الوطن العربي، فأنه يتعذر على المؤسسة وأجهزتها ان تتعامل بعملات مختلفة، لذلك فمن المقترح ان يكون للمؤسسة عملتها المستقلة الدينار العربي الذي يقوم على اساس حقوق سحب خاصة أو على اساس آخر يشترك في دراسته عدد من خبراء النقد العرب، وعلى أن يؤدي الى ثبات نسبي في قيمة الأموال التي ستستثمرها المؤسسة أو التي تودع لدى أجهزتها النقدية دون أن ترتبط بعملة معينة قد تنخفض بين لحظة وأخرى وتؤدي الى خسائر جسيمة للمؤسسة ويتم ذلك بالاتفاق مع الحكومات العربية. ثانيا في مجال رأس المال وتمويله: اقتراح ان يكون رأس مال المؤسسة مئة مليار دولار أمريكي على الأقل وهو مبلغ ضئيل بالمقارنة بالأموال العربية المستثمرة في الخارج والتي ذكرت بعض المصادر الايطالية انها بلغت حوالي ألف مليار دولار أمريكي مودعة في البنوك الخارجية ومملوكة لأفراد وحكومات وشركات عربية، والمفروض ان يتم سحب هذه الأموال ولو تدريجيا في أقرب فرصة ممكنة بعد أن بدأت بعض الحكومات الأجنبية في تجميدها بدعوى أن بعضها يستخدم في تمويل عمليات ارهابية. وتمويل رأس المال يمكن ان يتم بسهولة طالما هناك اصرار على قيام هذه المؤسسة على ان تكون المساهمة الفعلية من رجال الاعمال العرب ومن المستثمرين العرب، ومن القطاع الخاص العربي، ومن القطاع العام العربي، ومن بنوك ومؤسسات التمويل العربية، ومن بنوك التنمية الدولية والاقليمية، ومن البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية وبنك التنمية الافريقي، وبنك التنمية الأوروبي الذي تشترك بعض الدول العربية في رأسماله، وذلك بالاضافة الى أية شخصيات ومؤسسات دولية ترغب في المساهمة على ان يقتصر مجلس ادارتها على العرب وأصحاب أكبر حصص في رأسمال المؤسسة ويضم اليها خبراء ومستشارين دوليين. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية