في سيرتنا الفكرية للاقتصاد الاسلامي، وقفنا في عدة محطات اساسية اولها التعريف بهذا الفكر ومصادره الاساسية والتبعية ومن ثم عرجنا على فلسفة الاسلام الاقتصادية وسياسته في هذا المجال وبعدها انتقلنا إلى موقف الاسلام من ملكية وسائل الثروة «ملكية وسائل الانتاج»، حيث ان الموقف من هذه الملكية يحدد طبيعة النظام الاقتصادي السائد، ووصلنا إلى المفهوم الاسلامي لاهم نظريتين من نظريات الاقتصاد الحديث وتعني بهما نظريتي الانتاج والتوزيع، واليوم نختم سيرتنا هذه ببضعة مقالات عن اشكال أو نظم التوزيع الاقتصادية الاسلامية السائدة. ويقصد بنظم التوزيع الاسلامية اشكال توزيع الثروة والدخل المتعددة وبالمنظور الاسلامي، ونظم التوزيع هنا غير نظرية التوزيع التي عولجت سابقا، فالنظرية اصلا تشرح العلاقة السببية بين ظاهرتين أو اكثر وهنا في حالة التوزيع نفسر ونحلل عوائد عوامل الانتاج التي يستلمها المشاركون في تكوين الدخل القومي ولذلك يسمى هنا التوزيع بالتوزيع الوظيفي في حين تتعامل نظم التوزيع بكل اشكال الدخل واكثر والتي يستلمها أو يمتلكها الفرد، وهنا يكون التوزيع توزيعا شخصيا، فالفرد قد يكون موظفا أو عاملا ويكون ثمن عمله هنا الاجر فقط وقد يمتلك رأسمال (أو أسهما شركة) ايضا فيضاف دخل الاخير له ويصبح مجموع الاثنين الدخل الشخصي. ان اهمية التوزيع الشخصي اصلا تأتي وبكونها الاداة المخولة بتحديد هوية المجتمع بدقة، ومن خلال معرفة مدى التفاوت في توزيع الدخل القومي وبيان اسبابه ونتائجه الاقتصادية والاجتماعية، فالاجراءات التي تتخذ أو يمكن اتخاذها لتقليص هذا التفاوت في حالة حدوثه، ولاشك ان تقارب نظرة افراد المجتمع للقضايا الاساسية فيه تشير بما لا يقبل الجدل على مقدار تماسك هذا المجتمع ووحدته وقوته، ان قضية التوزيع تعد من القضايا الكبرى الاساسية في هذا المجال، وقد لا تعادلها أية قضية اقتصادية اخرى على الاطلاق، ومن هنا سنرى ان نظم التوزيع الاسلامية واسعة وكبيرة جدا لا يجاريها أية نظم اقتصادية وضعية اخرى، وسنتطرق اليها، لان الوقوف على دقائقها وتفاصيلها قد يحتاج إلى مجلدات ضخمة. وبداية سنستعمل الدخل والثروة بمفهومهما الاقتصادي العام والسائد، وهذا المفهوم لا يبتعد في جوهره عن المفهوم الاسلامي لهاتين الظاهرتين، فالدخل القومي، هو عبارة عن تيار المنافع الحقيقية المتولدة من عناصر الانتاج خلال فترة معينة (عادة سنة) أما الثروة، فهي مجموع السلع النافعة والنادرة والقابلة للتملك سواء أكانت انتاجية كالارض والمعمل أو استهلاكية كالغذاء واللباس والسيارة والاثاث، وتشمل الثروة الخاصة وسائل الدفع أو النقود، والنقود إذا كانت ثروة شخصية فهي ليست ثروة اجتماعية فسواء أكان لدى المجتمع مليار من الدراهم (كنقود) أو عدة مليارات فان الامر بالنسبة له سيان، لا بل قد تكون زيادة النقود في ظرف معين نقيضية تؤدي إلى هبوط في الناتج القومي وبالتالي في الثروة للمجتمع، النقود بالتحليل النهائي ليست ثروة اجتماعية وانما تمثل حقوقا للتملك على المجتمع. والان أرى من المفيد ان ابدأ في رسم مخطط عام يوضح هيكل التوزيع الاسلامي وبالشكل التالي: يتضمن الهيكل أربع فقرات اساسية، وبضمن كل فقرة هناك عدة نظم توزيعية. أولا: نظم توزيع الثوابت الطبيعية، وهذه تشمل عدة قضايا، منها اشراك الناس كل الناس مسلمين وغيرهم في بعض الثروات الطبيعية وهنا يكون شكل الملكية، استخلافية عامة. ثم هنالك مبدأ منع الحمى الخاص، ومبدأ اباحة احياء الموات واقطاع الارض (واقطاع الارض غير النظام الاقطاعي) ثم احكام المعادن، واحكام وجوب بذل فضل الموارد الطبيعية المتجددة. ثانياً: نظم توزيع الدخل والثروة، وهذه بدورها تشمل عدة قضايا، منها: بذل فضل منافع رأس المال، نظام الارث، الاثر التوزيعي للزكاة وزكاة الفطر، الاوقاف الخيرية، المنحة (العطية لزمن محدود)، الفيء، الغنيمة، الركاز. ثالثا: نظم التكافل الاقتصادي الالزامية وان كان منها ما يشابه التأمين اليوم، إلا انه كما سنرى ان التسمية الاسلامية ادق وارقى. رابعا: نظم اسلامية اخرى.. منها على سبيل المثال لا الحصر: التسعير الالزامي، تدخل الدولة لاعادة التوزيع، تحريم الربا، والاحتكار.