أكدت دراسة اقتصادية خليجية ان تحسن مناخ الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي يبرز جهود الاقتصادات العربية لتعبئة وتحريك الامكانات الاستثمارية المحلية والاجنبية والعمل الدؤوب على زيادة حصتها من التدفقات الاستثمارية الدولية، وذلك استناداً الى ما تقوم به من تعميق الاصلاحات الاقتصادية والمالية واستقرار معدلات التضخم وترقية اداء تشجيع الاستثمار والجهود المبذولة في مجال التطوير التشريعي والتحديث الاداري والتنظيمي وتنمية الموارد البشرية. ووفقاً للدراسة التي اعدتها منظمة الخليج للاستشارات الصناعية فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر نحو الدول النامية بصورة حادة في السنوات الأخيرة. وجذبت الاقتصادات العربية ـ بما فيها دول مجلس التعاون ـ حصة قليلة من تدفقات رأس المال الاجنبي المباشر نحو الدول النامية، وكان توزيع الاستثمار الاجنبي المباشر في المنطقة غير متساوٍ على المستويين القطري والقطاعي. وحسب الدراسة فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر في الدول النامية بصورة ملحوظة خلال المدة محل الدراسة، حيث ارتفعت بمعدل سنوي قدره 48 مليار دولار، بعد ان كان معدلها السنوي 12 مليار دولار في الفترة من 1980 الى 1988، وبحلول عام 1999 استقطبت الدول النامية صافي تدفقات بلغت 240 مليار دولار، من اجمالي تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر البالغة 865 مليار دولار في نفس العام. ولم تنجح اقتصادات الدول العربية في جذب نسبة كبيرة من الاستثمار الاجنبي المباشر المتدفق نحو الدول النامية، حيث بلغت حصتها منها خلال الفترة 1985 ـ 1999 حوالي 5% وهي نسبة أعلى قليلا من حصة افريقيا جنوب الصحراء، وأقل كثيراً من نصيب الدول الاسيوية أو نصيب دول أمريكا اللاتينية، ولكن من المقلق ان الانخفاض الذي حدث خلال الفترة من 1991 ـ 1996 نتيجة لانتهاء بعض المشاريع الكبرى (خاصة المتلعقة منها بالطاقة) لم يتم تعويضه عن طريق جذب المزيد من الاستثمار الاجنبي المباشر، كما كان تدفق الاستثمار الاجنبي المباشر نحو الدول العربية ضئيلاً قياساً بحجم اقتصاداتها، فقد بلغت نسبة التدفقات خلال الفترة محل الدراسة حوالي 0.3% من الناتج المحلي الاجمالي، وهي نسبة أقل من مثيلتها في الدول النامية والبالغة 0.8%. وبالنسبة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الى دول مجلس التعاون الخليجي فقد بلغ متوسط تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر نحو الامارات متوسطاً سنوياً قدره 130 مليون دولار خلال الفترة محل الدراسة، ووصلت الى أعلى مستوى لها عام 1993، حيث بلغت 180 مليون دولار، وانخفضت عام 1994 الى أدنى مستوى لها، وهو 155 مليون دولار. وبالنسبة للبحرين فقد بلغت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر اليها حوالي 77 مليون دولار، كمتوسط سنوي للفترة من 1983 ـ 1988، ووصلت أعلى مستوياتها عام 1989 حيث بلغت 181 مليون دولار، وأخذت في الانخفاض لتحقق ارقاما سالبة اقل من 15 مليون دولار في كل سنة، عدا سنة 1993، حيث سجلت تدفقا موجبا بلغ 6 ملايين دولار، انخفض بعده لتحقيق ارقام سالبة في 1994. وارتفع حجم الاستثمار الاجنبي المتاح للسعودية بنهاية العام 1999 الى ما يزيد على 220 مليار ريال سعودي، مشاركاً في 1880 مشروعاً برؤوس اموال اجنبية نسبتها حوالي 10%. وفي سلطنة عُمان بلغ المتوسط السنوي للاستثمار الاجنبي المباشر 90 مليون دولار، خلال الفترة من 1983 ـ 1988، ثم ارتفعت الى 115 مليون ريال عُماني في المتوسط في الفترة من 1989 ـ 1999. وفي قطر بلغ اجمالي رؤوس الاموال الاجنبية المستثمرة في التجارة والصناعة والنفط والغاز حوالي 15.986 مليار ريال قطري عام 1999، بزيادة قدرها 140 مليون ريال عن عام 1998 الذي بلغت استثماراته نحو 15.8461 مليار ريال، وتشكل هذه الزيادة نسبة قدرها 0.9%، وقد كانت الزيادة عام 1998 مقارنة بعام 1997 أعلى من ذلك، حيث وصلت الى 8.3%. وبلغ الاستثمار الاجنبي المباشر بالكويت متوسطاً مقداره 25 مليون دولار في الفترة محل الدراسة، وتعتبر الكويت من أهم دول المجلس فيما يتعلق بتدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر، المتجهة منها نحو الخارج، والتي بلغت في متوسطها 1000 مليون دولار في الفترة من 1997 الى 1999. وفي تحليلها للمؤشرات الاقتصادية الرئيسية والسياسات المالية والنقدية بدول المجلس بين 1989 و1999 تشير الدراسة الى ان تنمية الاستثمارات الصناعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعد ضرورة حتمية، نظراً لأهمية دور التصنيع في التنمية الاقتصادية، ولما يحققه من تنويع لمصادر الدخل، واستغلال أكفأ لمواردها الطبيعية، بالإضافة لما يتيحه من فرصة أفضل للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، سواء الانتاجي: من خلال جذب مزيد من الاستثمارات المباشرة الأجنبية، أم التبادلي: من خلال تغيير نمط التخصص التقليدي لدول المجلس، المتمثل في تصدير النفط والغاز، واستيراد السلع الصناعية، خصوصاً مع اتجاهات العولمة السائدة. وتجدر الاشارة هنا الى ان مساهمة القطاع الصناعي في تكوين الناتج المحلي الاجمالي لدول المجلس مجتمعة خلال الفترة محل الدراسة، لم تتعد 12%. ويرجع ذلك إلى: ـ انخفاض نسبة الاستثمار الصناعي الى جملة الاستثمارات، والتي بلغت 6.3% سنة 1999، وتتركز هذه الاستثمارات الصناعية بوجه عام في صناعة المنتجات الكيماوية والبلاستيكية، تليها صناعة المنتجات التعدينية غير المعدنية عدا البترول، فالصناعة المعدنية الأساسية، فصناعة المنتجات المعدنية المصنعة والآلات والمعدات، مع ثبات نسبي لهذا التوزيع النشاطي خلال الفترة محل الدراسة. ـ الاعتماد الكبير على القطاع الاستخراجي والخدمي في تكوين الناتج المحلي الاجمالي، حيث يمثل القطاع الاستخراجي 36% في المتوسط، بينما يمثل القطاع الخدمي 49% في المتوسط في دول المجلس سنة 1999. وتشير الدراسة الى ان دول مجلس التعاون تعاني في العادة من مشكلة القصور في تمويل الاستثمارات حيث يلاحظ ان نسبة اجمالي الودائع المصرفية الى الناتج المحلي الاجمالي تفوق دائما نسبة الائتمان المصرفي الى الناتج الاجمالي وبالتالي فان هناك موارد تمويلية غير موظفة بالكامل وتتباعد هذه النسب على وجه الخصوص في البحرين والكويت (منذ 1991) والسعودية. كما يلاحظ ضعف نسبة الائتمان الممنوحة للقطاع الصناعي الى اجمالي الائتمان الممنوح للقطاعات الاخرى، حيث ان هذه النسبة لاتتجاوز 10% إلا في حالة البحرين. ويدل ذلك على وجود مشكلة قصور في تمويل المشروعات الصناعية من قبل المصارف التجارية، ومن ثم الى ضعف دورها النسبي في تشجيع الاستثمار الصناعي.. وقد يرجع ذلك الى عدة اسباب منها: ـ يكاد يقتصر الاقراض الصناعي متوسط وطويل الأجل على المصارف المتخصصة (صناديق وبنوك التنمية) التي تقدم تسهيلات، تأتي اساسا من خلال الدعم الذي تتلقاه من حكومات دول المجلس. من المتوقع اذن ان الاقراض الصناعي، في المدى الطويل سوف يعتمد على قدرة حكومات دول المجلس على التمويل التي ترجع الى مستوى ايراداتها النفطية، حيث يرتفع التمويل مع ارتفاع الايرادات، وينخفض بانخفاضها. وفي الحالة الاخيرة يتبع انخفاض التمويل الحكومي تأثير سلبي على مقدرة صناديق وبنوك التنمية في تقديم القروض متوسطة وطويلة الاجل بشروط ميسرة للقطاع الصناعي، وتتمثل المحصلة النهائية في ارتفاع تكلفة الحصول على القروض الصناعية عند اللجوء الى البنوك التجارية. ـ عدم قبول البنوك للمخاطرة والتوجه اكثر الى اقراض المشروعات الخدمية والانشائية والتجارية، ذات العائد المضمون والربحية الاعلى. كما ان قصور معرفة البنوك وضعف القدرة الترتيبية للبنك تجاه العملاء، يعد انخفاضا في كفاءة توزيع الموارد التمويلية بين فرص الاستثمار، فكما اشار Bernake يجب ان تتوفر للبنك معرفة افضل عن المشروع، مما لدى المقترض، فإن هذا يزيد التوافق بين البنك والمقترض، لكي ينجح في ذلك لابد من القيام بدراسات جيدة، وتحمل ما يسمى بتكاليف المعرفة. وبالنسبة للسياسة المالية والضريبية ادى عدد من التطورات في السنتين الاخيرتين الى تفعيل دور السياسات المالية وايجاد البيئة والمناخ الملائم لترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وتوسيع دور القطاع الخاص في النمو الاقتصادي. وابرز هذه التطورات هي ارتفاع اسعار النفط العالمية في الربع الأول من عام 1999، وهو ما سمح بدعم النمو وتعزيز وضع مالية الحكومة في دول مجلس التعاون التي تشكل فيها الايرادات النفطية ـ بصفة عامة ـ قرابة ثلثي موارد الميزانية. ويلاحظ في هذا الصدد انه وعلى الرغم من الزيادات الحاصلة في الايرادات، الا ان السياسات المالية واصلت سعيها لضبط الميزانية وتنفيذ الاصلاحات اللازمة لذلك، مع بذل الجهود لتنويع مصادر الايرادات الحكومية غير النفطية، وان كانت على نطاق محدود.. نظرا لعدم توفر الانظمة الضريبية ذات العمق الكافي في دول المجلس. ويعد هذا التطور امراً مهما في التوجه نحو التخفيف من حدة الاعتماد على الموارد النفطية، وايجاد البيئة المستقرة، وخصوصا في ضوء حالة عدم اليقين التي تكتنف افاق اسعار النفط والتقلبات الدورية في اسواقه الدولية، ولذلك لم ترفع دول المجلس انفاقها بنفس معدل زيادة الايرادات النفطية. كذلك فإن من التطورات الايجابية تعميق الاصلاحات المالية الجاري تنفيذها، وخصوصا تلك الهادفة الى زيادة كفاءة تخصيص الموارد الحكومية، وقد تم ذلك من خلال ابطاء وتيرة نمو الطلب الحكومي في الاقتصاد، والعمل على ازالة ما تبقى من تشوهات في هيكل الانفاق العام، وسياسة دعم السلع والخدمات. وبالاضافة الى ما سبق فإن من التطورات الملحوظة التي حققتها بعض الدول، تلك المتعلقة بتحسين سياسات الافصاح والشفافية المالية، وتلك المتعلقة بالتحديث المتواصل لسياسات تمويل العجز. ويذكر في هذا الصدد ان تحسن الاداء المالي في آخر الفترة، وتأثيره على وتيرة نمو المديونية الحكومية قد منح السياسات المالية مرونة اكبر في التعامل مع احتياجات تمويل العجز. فقد شهد هيكل الدين العام في السنوات الاخيرة تحسنا لصالح ادوات المديونية الحقيقية في السوق المالي، وعلى حساب القروض المصرفية في السوق النقدي. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: