مع تسارع التطورات في مجال تحرير التجارة وتدفق الاستثمارات وثورة المعلوماتية ووسائل الاتصالات، أصبح الشيء الثابت الوحيد اليوم هو التغير. وشهدت العقود الاخيرة ظواهر لم تكن تخطر على بال في جميع المجالات، فالحاسوب الذي احتفل عام 1999 بمرور خمسين عاماً على ظهوره، انبثقت منه خمسة أجيال. واحتلت الشبكة العالمية للمعلومات «الانترنت» موقعاً متقدماً في حياة الانسان، وتعمق هذا الاتجاه في النصف الثاني من عقد التسعينيات، فضلاً عما تم في مجالات التقنية الحيوية وتقنية المواد وغيرها، وما ترتب على ذلك من تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما زالت هذه التغيرات سريعة، ومستمرة في وتيرة التسارع، مع عدم وجود وقت كاف يسمح باستكمال استيعاب مدلولاتها. أما في قطاع الاعمال فقد اختفت شركات وبرزت اخرى وبدأت ظاهرة التهام كبار السمك صغاره، ولم تقتصر على مجال التقنية الحديثة فحسب، كما هو الحال مع شركة أمريكا أون لاين التي تملكت شركة تايم ورنر، بل امتدت الى مجالات تقليدية كما في حالة سيطرة شركة رينو الفرنسية على عملاق السيارات الياباني داتسون. وقد حافظت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول العالم على استقرار نسبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الى آخر عقد السبعينيات وكانت التغيرات التي تحدث تدريجية ومتوقعة بما في ذلك دورة الأعمال. والتنبؤ بالمستقبل كان مجرد اسقاط للحاضر، والحاضر امتداد للماضي، انسجاماً مع المثل الفرنسي «كلما تغيرت الأشياء، ظلت كما هي». وفي مثل تلك البيئة كانت عملية التخطيط الاداري سهلة والشركات تواصل وجودها دون تهديدات، ومديروها يحتفظون بمناصبهم والعمال بوظائفهم والدول بمكانتها ومواقعها النسبية ضمن هذه المنظومة. ويستعرض تقرير حديث مجموعة من التوقعات الخاصة بالتغيرات الرئيسية في شركة القرن الواحد والعشرين ومنهج ادارتها، وتستند في ذلك الى مجموعة استنتاجات مستخلصة من دراسات متعمقة قام بها نفر من العلماء المرموقين في عالم التنظيم والادارة في الولايات المتحدة. ويصل التقرير الى الاستنتاج القائل ان الشركات الجديدة التي تتقدم وتثبت أقدامها، أو الشركات التقليدية التي ستبقى، هي الشركات التي تعي مسبقاً مدلول هذه التحولات وتدرك أثرها المحتمل وتوظف كل ذلك لمصلحتها. وهي الشركات التي يعرف القائمون عليها معنى الادارة في عالم متغير أو ادارة التغيير. دور الشركات والتغير لعبت الشركات كمؤسسات اجتماعية وقانونية دوراً أساسياً في الاقتصاد وفي أعظم زيادة في الثروة المادية عرفها الانسان على الاطلاق، وهي بالتالي تتغير مع تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتقنية. وتجد الشركات نفسها اليوم على مفترق طرق جديدة وفي حالة صراع شرس للبقاء، وستكون الشركات التي سيكتب لها النجاح في هذه البيئة الجديدة هي التي تمتلك مواصفات شركة القرن الواحد والعشرين. ومن العوامل التي ستؤثر في هذا الاتجاه تناقص اهمية عناصر الانتاج التقليدية: اصبح الاعتماد الأكبر على البشر كمصدر للأفكار وبالتالي الشركات التي ستنجح هي التي تقدر قيمة الافكار فوق كل شيء لأن الاقتصاد الجديد لم يعد يعتمد على عناصر الانتاج التقليدية كالأرض والعمل اليدوي وحتى رأس المال قلت أهميته. ونلاحظ ان مساهمة الصناعة والزراعة في الاقتصاد تنكمش ودور الخدمات والسلع التجريدية الفكرية (بيانات، أخبار، ترفيه، إعلان، الخ) يزداد. وبالوتيرة ذاتها قلت اعداد من يعملون في الزراعة والصناعة الى اقل من 25% من السكان. كذلك لم يعد توافر رأس المال مشكلة مع وجود رأس المال المخاطر وزيادة الوعي الاستثماري. مما يعني ان الفكرة الجيدة مع الادارة الحصيفة قادرة على اجتذاب التمويل حتى لو ظهرت في بلد فقير في رأس المال. فالتحول في الألفية الثالثة سيعمق هذا التغير من الأثاثات والهامبرجر الى البرامج الكمبيوترية، أي من الغابات والأبقار الى الافكار. ونلاحظ قوة شركات الافكار سلفاً عند مقارنة شركة ماكدونالدز (هامبرجر) بشركة (مايكروسوفت)، فالأخيرة تستخدم 31 ألف موظف بينما قيمتها السوقية 600 مليار دولار وفي المقابل تستخدم شركة ماكدونالدز عشرة أمثال مايكروسوفت بينما قيمتها عُشر الأخيرة. ومع ذلك لن تختفي شركات الصناعة والزراعة التقليدية، لكن القوة والنفوذ سيكونان للشركات الجديدة التي تتحكم في الافكار وبالتالي تتحكم في الشركات الأخرى. مثلا عام 1900 كانت شركة (يو.اس ستيل) أول شركة امريكية تصل قمة اصولها مليار دولار وتمتلك 150 مصنعاً، بينما نجد اصول شركة (ياهو!) عام 2000 تفوق قيمة اصول صناعة الصلب الأمريكية مجتمعة. مصدر التغير التغير في البيئة أتى أساساً من التحول نحو رأس المال الفكري والرغبة في التوسع دولياً مع ازدياد وتيرة تحرير الأسواق والانفتاح والعولمة في أساليب الانتاج. وقد وفرت تقنية الانترنت وانتشارها أهم قوة في بند التحول نحو رأس المال الفكري بحيث أصبح بإمكان الجميع من المدير الى الخفير ـ النفاذ الفوري الى قدر هائل من المعلومات، وأصبحت الأفكار تنتقل حول العالم في لحظات بدلاً من سنوات. معنى ذلك أن على شركة القرن الواحد والعشرين ان تقوم على اساس التغير الدائم لا الاستقرار وتعيد بناء نفسها لتدار من خلال الشبكة وليس حول هرم تنظيمي جامد، وتعتمد بشكل أكبر على التحالفات والشراكات المتغيرة لا على الاكتفاء الذاتي، وتنشأ على الميزات التقنية لا على الأبنية وستجد الشركات التقليدية التي تركز على الاصول الثابتة ورأس المال العامل واقتصاديات الحجم الكبير نفسها هدفاً للشركات رشيقة التنظيم التي تستخدم التقنيات الحديثة لتخفيض التكاليف وتحرير أموالها بدلاً من حجزها في شكل أصول ثابتة ومخزون سلعي، وإدارة شبكة مصادر خارجية مكونة من موردين وموزعين وخلافه. خصائص شركات القرن 21 ستكون للشركات الجديدة خصائص مميزة في ظل ثقافة ادارية جديدة تجعلها تعتمد بشكل أساسي على حسن التنظيم وفق المعطيات التالية: الإدارة بالشبكة: ان تنظيم شركة القرن الواحد والعشرين سيشبه الشبكة في شكله. مسطح (أو أفقي) مع نسيج حلقات دقيقة، تربط العاملين والمقاولين والمزودين والشركاء والعملاء مع بعضهم بعضاً وسيكون الاعتماد متبادلاً، أما الشكل الهرمي بطبقاته الادارية المتناقصة الى أعلى، وهو صفة الشركات التقليدية الضخمة فسيختفي تدريجياً، كما سيتناقص عدد الشركات التي ستحاول القيام بكافة العمليات بنفسها من الانتاج الى التسويق، وستعتمد الغالبية على شركات اخرى في كثير من المهام بحيث تتفرغ لتؤدي عملها الرئيسي بكفاءة أكبر. وبالتالي فإن ادارة هذه الشبكة المتداخلة ستكون في اهمية ادارة عمليات الشركة الداخلية وسيصبح من الصعب معرفة اين تبدأ الشركة وأين تنتهي لأنها ستتكون من وحدات مستقلة لا توجد في موقع واحد بالضرورة. البيانات لا البنايات: ستكون المهمة الرئيسية للشركة ادارة قواعد المعلومات لا المنشآت والأصول الملموسة، وسيمكّن حسن ادارة المعلومات شركات صغيرة من هزيمة شركات كبيرة عريقة، لأن الاستخدام الجيد والادارة الفعالة للمعلومات سيجعلانها قادرة على خدمة عملائها على نحو أكفأ وأسرع وسيجعلانها تعزز حصتها السوقية وتواجدها ومقياس النجاح سيصبح مدى القدرة على تعظيم العائد على حقوق المساهمين والبحث عن الفرص التي تحقق ذلك عوضاً عن استهداف معدلات نمو أو حصة سوقية أو زيادة المبيعات. خدمة العملاء: شهدت المئة سنة الماضية سيادة مفاهيم الانتاج الشامل والاستهلاك الجماهيري الذي تنتج فيه السلع بكميات هائلة ومواصفات ثابتة لتحقيق أكبر قدر من الوفورات ببيعها لأكبر عدد من المستهلكين. أما شركات المستقبل فستجعل الزبائن شركاء وتسمح لكل منهم بتصميم السلعة والخدمة حسب رغبته، في الوقت ذاته ستتمكن من أن تحقق وفورات ضخمة لأن ما يطلبه العملاء لن يصبح موضوع تخمين وبالتالي ستتحول المنافسة بين الشركات الى منافسة بين الاصناف والمنتجات والخدمات التي تقدمها هذه الشركات. إدارة رأس المال البشري: تغير طبيعة وسرعة وصول السلع الى السوق وتسارع تقادمها مع تغير التقنية وقدرة الآخرين على انزال البديل كل ذلك يتطلب تعزيز قدرة الشركات على استقطاب النوعية المتميزة من العنصر البشري والحفاظ عليهم، أي تنمية رأس المال البشري لديها وتوفير مخزون دائم من المواهب والعقول، وهذا يعني ان على الشركات ان تطور نظم حوافز ومكافآت مختلفة بعيدة عن الأنظمة التقليدية لتمكين العاملين وربط مكافآتهم بإنتاجيتهم وأدائهم وتحويلهم الى شركاء عبر المشاركة في الأرباح مع إعطائهم خيارات شراء الأسهم. عولمة التوجه: اتجهت الشركات سابقاً الى التخصص بين من متصدّر ومن تنتج في الخارج، أما اليوم فأصبح العالم مفتوحاً أمام هذه الشركات لتبحث عن الكفاءات وتنتج وتسوّق في أي مكان في العالم تراه مناسباً. وحتى ضرورة وجود مقر ورئاسة للشركة في البلد الأم أصبحت غير ذات أهمية والفضل في ذلك يعود الى التطورات التقنية التي جعلت كافة مراحل العمليات ترتبط ببعضها بعضاً عبر الشبكات الداخلية والخارجية التي تربط العاملين في أنحاء الأرض وتوفر لهم مجالاً للعمل مع بعضهم على نحو متزامن. التكيّف مع التسارع: يقول أندرو جروف مدير انتل: «الانترنت هي أداة وموضوعها السرعة» وهذا يعني ان سرعة العمل والمداولات والمعلومات ستزداد وتتواصل على هذه الوتيرة ولذا على الشركات أن تهيئ نفسها بالشكل الصحيح كي تتكيف مع هذا التسارع وتستوعبه في أدائها وتنظيمها للأعمال. دور التقنية الرقمية مكّنت التقنية الرقمية الشركات من التفاعل مع المستجدات المحلية والعالمية بسرعة وكفاءة. إن تأسيس البنية التحتية للمعلومات وشبكات الاتصال وخلق البيئة التقنية الرقمية قلّص دور العنصر البشري في العمليات الروتينية مع إحلال الحاسوب والشبكات مكانه مما أزال أسباب التأخير في انتقال المعلومات وخفض التكلفة على المستخدم النهائي. مثلاً انخفضت تكلفة عملية استخدام الصرف الآلي الى 24 سنتاً من 1.24 دولار عندما تتم يدوياً ويتوقع أن تنخفض الى (2 سنت) مع توسع استخدام الصيرفة عبر الانترنت. كما أن التقنية الرقمية عززت كفاءة ادارة الأصول. مثلاً يدير بنك أمريكا أصوله البالغة 700 مليار دولار بالكفاءة ذاتها التي كان يديرها بها عندما كانت 70 مليار دولار. إضافة الى ما سبق جعلت التقنية الرقمية خدمة العملاء أكثر تميزاً بالتوجه الى التخصيص الذي يُطابق رغبة المستهلك. مثلاً يمكن للمشتري من بروكتر وجامبل ان يشارك في تصميم مسحوق التجميل الذي يريده بالإجابة عن سلسلة أسئلة حول اللون المفضل للمستهلك ونوع بشرته من خلال الانترنت. كما تُمكّن التقنية الرقمية الشركة من تخفيض مخزونها من السلع الجاهزة والمواد الخام بدرجة كبيرة لأنها تعرف ما يريده العميل وفي الوقت المناسب. مثلاً شركة «هني ول» كانت تحتفظ بمخزون سلعي بقيمة 3.5 مليارات دولار مما يحتجز جزءاً كبيراً من رأسمالها في شكل مخزون، بينما تستطيع اليوم بفضل التقنية الرقمية ان تقلب مخزونها 60 مرة في السنة بدلاً من ست مرات. وشركة «سيمكس» المكسيكية لصناعة الاسمنت (كثيفة الأصول قليلة الكفاءة تقليدياً)، التي كانت تقوم بإعداد 800 خلطة اسمنت في ستة مصانع وكانت الطلبيات تضيع وتتأخر وتحبط الجميع ما بين اتصالات العملاء وشركات الشحن وتغييرهم للمواصفات والمواعيد، لكن عندما تحولت الى التقنية الرقمية عولجت مسألة انخفاض زمن التسليم من ثلاث ساعات الى 20 دقيقة وانخفضت التكاليف وقلت مشاكل تغيير الخلطات وقل عدد الشاحنات المستخدمة. وأصبح بإمكان الشركة إعادة توجيه الشاحنات بسرعة تتواءم مع سرعة تدفق المعلومات. العولمة وشركات القرن 21 مع اتساع نطاق العولمة وانفتاح الأسواق ستكون شركات القرن الواحد والعشرين السائدة هي التي تتمكن من كسر آخر الحواجز بين عملياتها الدولية والمحلية. إذ أن الفوارق المرتبطة بالموقع الجغرافي لم تعد تهم العملاء لأنهم أيضاً سيصبحون أكثر عولمة في بحثهم عمن يلبي رغباتهم مع توقعهم بأن يتلقوا الخدمة ذاتها ومن هنا ازدادت أهمية أن يكون المدير التنفيذي للشركة (مديراً مُعولماً). وفي هذا الشأن يلاحظ ان 35% من مبيعات شركة «ميشلين» الفرنسية تتم في الولايات المتحدة بينما 42% من مبيعات شركة «جونسون وجونسون» الأمريكية تتم في الخارج. ويبيّن الجدول أدناه الأهمية المتزايدة للأسواق العالمية كما يعكسها ارتفاع نسبة المبيعات الخارجية الى المبيعات الكلية. يفرض ذلك على المديرين المواكبين لهذه التوجهات تطوير مهاراتهم الإدارية والتنظيمية والتيقظ للتطورات في الداخل والخارج التي قد تؤثر في شركتهم لأن من يخسر في أسواق الخارج لابد سيخسر في الداخل. ومن هنا زاد توجه الشركات الى نقل عملياتها الى مكان الحدث وأصبح مكان رئاسة سلعة أو مجموعة سلع يقام في أسواقها الرئيسية بدلاً من تركيزها في الدولة الأم. وفي هذا الصدد حذرت شركة «أريكسون» مديريها في الخارج من التفكير الضيق والجهل بخصوصية السوق المحلية التي يعملون بها. كما عمدت شركة «كوكا كولا» الى الاهتمام بتطوير مشروبات تناسب الذوق المحلي بنكهات مختلفة غير نكهاتها التقليدية. أما شركة «فيلبس» فبعد أن جرّبت نظام المصفوفة في أوائل التسعينيات تحولت اليوم الى نظام أكثر مرونة يستند الى تقاسم المسئولية بين مديري الأعمال والمناطق. وينطبق ذلك على نقل نشاط البحوث والتطوير الى مكان غير الرئاسة في الدولة الأم إن استدعت عملية توليد الأفكار ذلك. التغير الثقافي ستشهد شركة القرن الواحد والعشرين تغييراً في ثقافة الشركة وتوجهها الذهني واستبعاد الأفكار القديمة في أداء الأعمال وتوسيع دائرة المشاركة في التفكير والتركيز بشكل أكبر على خدمة العميل وبذلك تخلق الشركة مجالات جديدة وتعزز قدرتها على الاحتفاظ بولاء العملاء. فمثلاً استخدمت شركة «اكسون» بطاقات مخصصة للدفع في محطات الوقود بحيث تجعل العملاء يدخلون محطة الوقود ويخرجون في دقائق معدودة. كما تفرض شركات اخرى على موظفيها تخصيص وقت محدد بشكل دوري لسماع شكوى وآراء العملاء. وقد انعكس ذلك فعلاً على بعض الشركات مثل شركة «جنرال الكتريك» التي وسعت نطاق تبادل الافكار بين اقسامها المتنوعة، وشركة «سيسكو» التي عممت استخدام الانترنت في أداء كافة الاعمال، وشركة «دل» التي وضعت نظاماً متميزاً لإدارة التعامل مع شبكة مورديها وموزعيها، كذلك شركة «انرون» التي تحولت الى تقديم «خدمات طاقة» باستخدام تقنيات الاتصالات عن بعد بحيث يتم تداول ما لا يقل عن 900 صفقة يومياً عبر شبكتها بما فيها صفقات النفط والغاز الطبيعي. نموذج المدير المستقبلي لاستكمال صورة شركات القرن الواحد والعشرين لابد من استعراض اهم معالم المدير المُعولم الجديد والنمط المتوقع في أداء أعماله اليومية، وينطبق هذا التصور بشكل مباشر على بيئة الأعمال الأمريكية في هذه المرحلة. ويستند التصور الى انه خلال العشرين سنة المقبلة سيتحول المديرين من رجال في منتصف العمر الى أعداد أكبر من النساء والأقليات أصغر عمراً. وبينما تنحصر حالياً مكافآت خيارات الأسهم بالمديرين لشراء أسهم الشركة بسعر منخفض كمكافأة لعملهم ولدعم سعر سهم الشركة، بعد عشرين عاماً ستزيد نسبة من يتلقون خيارات اسهم من غير المديرين التنفيذيين ورؤساء القطاعات بحيث تعكس التوجه نحو تعميق تطبيق نظام الشراكة مع العاملين لتعزيز قدرة الشركة على الاحتفاظ بهم، ومكافأتهم على انتاجيتهم المرتبطة بربحية الشركة كما سينخفض متوسط مدة بقاء المدير التنفيذي في عمله، والتي تقدر حالياً بحوالي تسعة أعوام، الى أقل من ذلك مع التوجه الى منحه فترة سنة لإظهار قدراته. وسيتحول اسلوب الادارة من التحكم والتسلط الى اتخاذ القرارات الجماعية والادارية كفريق واحد. كما ستختلف أولويات ادارة الشركة من مجرد متابعة العمليات والأداء الى التأكيد على رأس المال البشري وخاصة المبدع والدخول في شراكات ذكية. يوم نمطي ولتوسيع نطاق التصور نذكر الكيفية التي سيكون عليها يوم نمطي في حياة مدير المستقبل بحيث يتوقع ان يسير بوتيرة معينة تبدأ في الصباح الباكر مع الاتجاه الى ممارسة الرياضة البدنية (المشي بشكل خاص)، لتعزيز صفاء الذهن وبدء يوم العمل بنشاط، ثم مراجعة البريد الالكتروني في المنزل أو عبر جهاز الهاتف النقال، ومتابعة تطورات الاسواق المالية، ومن ثم التوجه الى العمل مع السائق والإفادة من مسافة الطريق لعقد لقاء عبر هاتف الفيديو المصحوب بالصورة مع مديري الشركة في مناطق جغرافية أخرى لمتابعة بعض الأولويات والقضايا الملحة. ثم عندما يصل المدير الى العمل يمضي الى متابعة الامور العالقة وحضور غداء عمل مع احد الشركاء أو المزودين المحتملين وحضور جلسة (عصف ذهني) وتفاكر بعد الظهر مع المديرين والعاملين مع السماح بإبداء رأيهم بحرية تامة. ومن ثم قد يتوجه لعقد مؤتمر فيديو مع كبار المستثمرين اذ انه سيكون مطلوباً من مدير المستقبل قضاء وقت أطول مع المساهمين والمحللين الماليين مع تزايد اهتمام حملة الاسهم بأداء الشركة ومطالبتهم بنتائج ايجابية سريعة وإلا فسيسحبون أموالهم أو دعمهم للمدير، وخاصة أن أغلب المستثمرين سيكونون من أنحاء مختلفة من العالم. وقد يختم المدير يوم عمله بإنهاء صفقة عبر الانترنت خاصة ان معظم مبيعات الشركة ستكون من خلال التجارة الالكترونية، مع استمرار احتفاظ الشركة بمواقع في المدن الرئيسية كنقطة التقاء وللتعريف بالشركة وخدماتها ومنتجاتها. وفي المساء قد يركب المدير طائرة الشركة الى دولة أخرى لعقد اجتماع مجلس ادارة في اليوم التالي، رغم أن أغلب الاجتماعات ستتم من خلال الفيديو لكن ما زال السفر ضرورياً للقاء الفعلي مع كبار المستثمرين وأعضاء مجلس الادارة لتحقيق نوع من التواصل المباشر المرغوب. التغيرات لن تكون كافية إن التغيرات التنظيمية والتقنية وحدها لن تكون كافية وسيظل رأس المال البشري الذي يستند الى ايجاد المواهب البشرية والحفاظ عليها هو عصب النجاح. ومع التحول الذي نشهده من «اقتصاد يدوي الى اقتصاد عقلي» كما يقول خبير الادارة جاري هامر، سيكون على الشركات ان تنقب عن الابداع والمواهب في كل بقاع الأرض، وستزداد اهمية رأس المال البشري مع التوجه الى خلق البيئة التي تحفز هؤلاء بالاستمرار في العمل في هذه الشركة وسيكون ذلك من أكبر التحديات التي تواجه الادارة بما في ذلك استنباط نظم حوافز ومكافآت جديدة وتعميق آليات الشراكة مع العاملين. كما ستتطلب شركات القرن الواحد والعشرين مهارات متنوعة على المديرين التمكن منها للنجاح. وستفتح العولمة أسواقاً جديدة وسيكسر رفع القيود الحكومية الحواجز بين الصناعات، ويهيئ رأس المال المُخاطر التمويل للأفكار التقنية الجيدة بينما تحقق الشبكات الداخلية والخارجية زيادات هائلة في الانتاجية وتخفيض متواصل في الأسعار. كل هذه القوى ستخلق (نموذج أعمال جديداً)، يتجاوز حدود ومواصفات نموذج الأعمال التقليدي، وينطلق بمرونة أكبر الى مقابلة تحديات القرن الواحد والعشرين. الشركات العربية أما بخصوص الدول العربية فقد خطت بجدية نحو إيلاء هذه التغيرات الاهتمام المطلوب وإن بدرجات متفاوتة، والعمل على ترجمة ذلك من خلال تطوير استراتيجيات التنمية الادارية في ظل العولمة ومراعاة ان الادارة الجديدة ونمط العمل في ظل الاقتصاد الجديد سيكون في بيئة التقنية الرقمية مما يستدعي ان تُحدث الشركات العربية تحولاً في اداراتها لتتماشى مع احتياجات الادارة الالكترونية وان تكون أكثر تخصصية بأن ترتكز في عملها على نشاطاتها الأساسية وتعهد للغير بالخدمات الأخرى وتوسع آفاق الأعمال والشراكات وهذا بدوره يتطلب محو أمية الحاسوب في ادارتها العليا وضرورة تعميق معرفة المديرين بتقنية المعلومات واستخدامات الحاسوب وتطبيقاته. وعلى صعيد آخر تعزيز العلاقات بين الدول العربية في مجال التنمية الادارية مع دراسة كفاءة وفعالية الأجهزة الادارية العربية وتحديث التشريعات الادارية في الوطن العربي حتى تتمكن هذه الأجهزة من تقديم الخدمة المطلوبة الى قطاع الاعمال في ظل التغيرات الدولية المتسارعة والتحديات الكبيرة التي تفرضها عليها. وكذلك العمل على تطوير منظومة قيم الادارة والمصطلحات الادارية وتوحيد المسميات الوظيفية والوحدات الادارية في الهياكل التنظيمية للدول العربية بما ينسجم مع مواصفات شركة القرن الواحد والعشرين، والاستمرار في تنمية وتشجيع القطاع الخاص للمشاركة في جهود التنمية الادارية، ولدعم دوره في الاقتصاد وفي المجتمع على نحو أوسع. ويأتي في هذا السياق اطلاق المؤتمر العربي لاستخدام تكنولوجيا المعلومات في التنافس على المستقبل لتعزيز ادخال التطبيقات العالمية ونقل الخبرات المتوافرة في المجالات التي تدعم قدرات الشركات والمؤسسات العربية في مجال ادارة التنافس وتعميق التوجه للمحافظة على العميل، واستيعاب ادارة التغيير والعمل في اطار البيئة الالكترونية في قطاع الاعمال. كتب مصطفى عبدالعظيم: