مع أفول عام 2001 ووصول العام الجديد، لابد من وقفة فاحصة لاوضاع مختلف القطاعات الاقتصادية بالدولة نرصد من خلالها اهم انجازات الانشطة المختلفة خلال العام الماضي، ومدى التطور والنمو الذي حققته فعليا بلغة الارقام، وفي المقابل نقف عند اسباب جمود بعض القطاعات عند مستوى نمو معين وبحث السبل والوسائل والحلول الممكنة لتطويرها. نرصد خلال سلسلة من التحقيقات الميدانية اقتصاديات قطاعات وانشطة الانتاج أو حركة تطورها في ظل التداعيات الاقتصادية العالمية وكيفية مواجهة مختلف التحديات، في الوقت الذي نستشرف فيه المستقبل والحركة الاقتصادية المتوقعة لمختلف قطاعات الانتاج خلال العام الجديد 2002. مع نهاية كل عام وبداية آخر تتعدد المراجعات وتتم الاحصاءات بهدف اجراء التقييم للقطاعات المختلفة لتتناول الانجاز والاداء في محاولة لاستشراف المستقبل ووضع تصور للاداء في العام الجديد، والتعرف على الظروف المستجدة وكيفية التعامل معها من خلال خطط ايجابية تحاول التغلب على السلبيات التي ظهرت من الممارسات بالعام السابق، وتكريث الايجابيات ودعمها للوصول بالعمل في القطاع الى افضل حالاته. ومن القطاعات الاكثر اهمية في دولة الامارات قطاع الذهب والمجوهرات حيث تعتبر سوق الذهب في دبي اهم سوق لتجارة التجزئة في العالم وشهرة هذه السوق وقوتها جعلت «دبي» مدينة الذهب وذلك بفضل جهود اكثر من 350 تاجراً يعملون في المدينة ويبذلون الجهد للمحافظة على قوة سوقهم والتي اكتسبت شهرة عالمية. الاوضاع العالمية وقد شهد العام 2001 بعض المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي اثرت على الطلب العالمي على الذهب وتمثلت هذه الاحداث في التباطؤ الاقتصادي العالمي ثم احداث 11 سبتمبر وما أعقبها من ارتفاع اسعار الذهب وان كان ذلك لمدة محدودة الى تراجع هذا الطلب وان تباين الاداء من بلد الى آخر حسبما يقول معاذ بركات المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي في دبي وان كان اجمالي الطلب عالميا بالتسعة أشهر الأولى قد بلغ 2356 طنا فان الترجيحات تشير الى انه سيصل الى حوالي 2945 طناً مع نهاية العام وبانخفاض يتراوح ما بين 1 ـ 2% عن العام 2000. وادت احداث 11 سبتمبر الى تفاعلات في سوق الذهب العالمية وقد اثر ذلك بطبيعة الحال على سوق الذهب المحلية وكانت أولى هذه التفاعلات كما يقول سعيد دميان رئيس لجنة مصنعي الذهب والمجوهرات بالشارقة هو ارتفاع اسعار المعدن ليتجاوز حاجز 300 دولار للاونصة وهو الحاجز الذي لم يتخطاه منذ فترة طويلة كما ان ذلك ادى إلى لجوء العديد من الدول للاستثمار في السبائك والعملات الذهبية وقد ظهر ذلك ـ وحسب تقرير لمجلس الذهب العالمي ـ في كل من اليابان وكوريا، وفيتنام، وتايلاند والولايات المتحدة الامريكية. وفي منطقة الشرق الاوسط بشكل عام ارتبكت ثقة المستهلك بسبب احداث وتداعيات 11 سبتمبر الماضي وادى ذلك الى انخفاض اجمالي الطلب في الربع الثالث بنسبة 7% عن العام الماضي ليصل الى 108.7 أطنان، ولكن بفضل قوة الطلب في النصف الأول من العام فقد بقى الطلب مرتفعا عن العام الماضي للاشهر التسعة الأولى من هذا العام وبلغ 391.4 طناً مقابل 382.5 طناً لعام 2000 وكان تأثير عامل السياحة في الربع الثالث كبيراً في المنطقة. اما منطقة الخليج فقد تزعمت دولة الامارات منطقة الخليج في زيادة الطلب على الذهب حيث لم تتأثر حركة الاداء كثيرا باحداث 11 سبتمبر حيث زاد الطلب الخليجي على الذهب بنسبة 6% وبلغ اجمالي المبيعات حتى الشهور التسعة الأولى من العام 2001 حوالي 126.3 طناً مقابل 119.1 طناً بالعام 2000 «بدون السعودية» مع توقعات أولية بزيارة اجمالي المبيعات سيرتفع الى 160 طناً وبنسبة زيادة تتراوح ما بين 5 ـ 6% عن العام 2000. دبي تعزز مكانتها ورغم هذه التطورات التي تشهدها سوق الذهب العالمية إلا ان دبي استطاعت وبفضل جهود تجارها ان تتفادى بعض الاثار السلبية لهذه التطورات خاصة الناجمة عن السياحة باعتبار ان السياح يعدون من الزبائن الرئيسيين لسوقها.. وتمكنت بفضل السياسات الترويجية الخاصة بها ـ وايضا بفضل صناعة المؤتمرات والمعارض من اجتذاب العديد من هؤلاء الزوار الى سوق الذهب كما يقول تمجيد عبدالله من داماس للذهب والمجوهرات. وحسب التوقعات فان مبيعات المشغولات الذهبية والمجوهرات في سوق دبي يمكن ان تتجاوز المليار دولار او قرابة 4 مليارت درهم وهذا ما يعزز مكانة الامارة كمركز عالمي لتجارة التجزئة واعادة تصدير السبائك الذهبية وذلك بفضل الاسعار التنافسية مقارنة بالاسواق الاوروبية والخليجية المجاورة. ويقول التجار ان التحسن باسعار النفط والذي ظل ساريا حتى احداث 11 سبتمبر الماضي ساهمت في تعزيز القوة الشرائية بسوق الذهب، بل ان الطلب على المشغولات والمجوهرات الذهبية لم يتأثر كثيرا بعد هذه الاحداث وذلك بفضل سياسات تجار الذهب في الامارات بشكل عام ودبي خاصة والقائمة على زيادة المبيعات بالسوق المحلية وهي سياسة اتبعتها مجموعة الذهب والمجوهرات في دبي منذ فك الارتباط بين السوق الهندية وسوق دبي والتي كانت تستورد 80% من حاجتها من الذهب من دبي. ويؤكد توفيق عبدالله رئيس مجموعة الذهب والمجوهرات ان سوق الذهب والمجوهرات في دبي قوية وتجارها لديهم خبرات متراكمة عبر سنوات ولديهم علاقات جيدة بالاسواق الخارجية ولذلك قد اتجهنا الى دعم قطاع تجارة وصناعة المشغولات الذهبية ذات النوعية الفائقة وهو من التوجهات الجديدة لسوق دبي بعد التغييرات التي شهدتها سوق السبائك الذهبية خلال الفترة الماضية ومنها التحرير التدريجي لسوق الذهب الهندية التي تعد اكبر سوق استهلاكية للمعدن في العالم والتي كانت تعتمد على دبي في معظم وارداتها من المعدن، بالاضافة الى التقلبات السعرية العالمية للمعدن. وحسب تجار من دبي والشارقة فان الجميع يعملون وفق مفهوم تحقيق اكبر قدر من المبيعات باقل قدر من الارباح، واصبح السائح يعرف والكلام لتمجيد عبدالله ان الاسعار في الامارات تقل بنسبة تتراوح ما بين 73% عن الاسعار في اوروبا، كما ان السائح الخليجي يعرف ان اسعار دبي تقل بنسبة تتراوح ما بين 15 ـ 25% عن الاسعار في بلاده، وليس الامر يقتصر على السعر فقط بل توجد في دبي والامارات مشغولات من افضل النوعيات وقد ارتقى التصنيع المحلي الى المستوى العالمي وتفوق عليه واصبحت هناك صناعة ذهبية تحمل اسماء اماراتية تغزو الاسواق الأوروبية والولايات المتحدة وتطلب بالاسم هناك. مركز الذهب الجديد وفي اطار التحولات التي تشهدها دبي لتعزيز مكانتها كمدينة للذهب فقد افتتح في شهر مايو الماضي المركز التجاري للذهب والمجوهرات «مجمع اعمار» والذي اقامته شركة اعمار العقارية والذي يضم 30 محلا بالاضافة الى 118 ورشة تصنيع مزودة بأحدث التقنيات والآلات وهناك خطط لمزيد من التوسعات بهذا المجمع خلال السنوات المقبلة. وقد اقيم هذا المركز لتخفيف الضغط على سوق الذهب القديم وتوفير اسعار ايجارية مناسبة للتجار، كما ان المجمع الجديد والذي روعي في تصميمه ان يكون مستمدا من التراث المحلي ومزوداً بالتكييف وتتوافر فيه مواقف للسيارات، ويخدم نوعية معينة من عملاء الذهب الذين يفضلون الهدوء، كما انه يتوقع ان يجذب اليه المقيمين في التجمعات السكنية الجديدة التي تقام حاليا بالمنطقة المحيطة حوله. مكانة دبي ويقول محمد ناجي المطري المدير الاقليمي لمجموعة لازوردي في منطقة الخليج ان سوق دبي تعد من الاسواق العالمية، ومعظم الشركات والمجموعات العالمية المتخصصة في تجارة وصناعة الذهب والمجوهرات لابد لها ان تفتح مكاتب او فروعاً لها في الامارة اذا كانت تريد النفاذ الى الاسواق المجاورة بدول الخليج او الشرق الأوسط ككل بل الى الاسواق الاوروبية، حيث ان دبي اصبحت لها مكانتها العالمية في تجارة اعادة التصدير كما ان لتجارها علاقات جيدة مع الاسواق العالمية وهذا يمكن المصنعين ومن خلال تواجدهم في دبي من اعادة تصدير منتجاتهم الى كافة دول العالم. وقال ان منتجات لازوردي وهي مجموعة سعودية عالمية تغزو حاليا الاسواق العالمية والعربية حيث تصدر الى دول شرق اوسطية بالاضافة الى ايطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ودول في امريكا الجنوبية. واضاف ان سوق دبي هي واجهة حضارية لاسواق المنطقة يدعمها الموقع والخبرة المتوارثة مشيرا الى انه رغم الاحداث العالمية فان السوق المحلية في دولة الامارات كان اداؤها جيدا خلال العام الماضي وذلك بفضل الحملات الترويجية التي تشهدها دولة الامارات على مدار العام مثل مهرجان دبي للتسوق ومهرجان رمضان بالشارقة وحملة شهر العطاء ومهرجان العيد في ابوظبي، وغيرها من الاحداث الترويجية. وذكر انه بالاضافة الى الحملات الترويجية فان المعارض والمؤتمرات المكثفة التي تشهدها دبي على مدار العام تسهم في انعاش السوق حيث ان معظم المشاركين بهذه الاحداث يتجهون الى سوق الذهب والمجوهرات وذلك نظرا للسمعة العالمية لسوق الذهب المحلية وتوقع ان يشهد العام المقبل وضعا افضل مع التحسن المتوقع بالاقتصاد العالمي وانتهاء الاحداث التي شهدتها الساحة العالمية السياسية والتي اثرت على الحركة السياحية في انحاء العالم. الوضع بالسوق ويشير سالم الشعيبي ان الاداء كان جيدا مع بداية العام واستمر كذلك ولكن بعد الاحداث العالمية الاخيرة فقد تأثرت السوق نسبيا لفترة محدودة وقد يكون ذلك بسبب الارتفاع المفاجيء الذي اصاب الاسعار عقب احداث 11 سبتمبر، ولكن بعد ان عادت الاسعار الى وضعها عاد النشاط الى وضعه الطبيعي، او مستوياته العادية. وقال ان الفترة الاخيرة شهدت محاولات ترويجية كبيرة وزيادة نسبة المبيعات المحلية وذلك لتعويض المتغيرات التي حدثت بالسوق المحلية، واصبح استهلاك الفرد في الامارات من اعلى النسب العالمية حيث يتراوح ما بين 31 الى 33 جراما للفرد سنويا. وذكر الشعيبي انه لوحظ في السنوات الاخيرة زيادة كبيرة في عدد المحلات التي تتعامل بتجارة الذهب ونأمل ان يتم الحد من التراخيص الممنوحة في هذا المجال لان نسبة الزيادة بالطلب لا تنمو بالقدر نفسه الذي تتزايد به عدد محلات الذهب والمجوهرات. كما اكد الشعيبي على ضرورة ضبط البيع في المعارض التي تقام في الدولة للذهب والمجوهرات حيث انه من المفترض ان تكون هذه المعارض للعرض فقط، وان يكون بيع العارضين الاجانب من خلال وكلاء لهم بالدولة.. لان التجار المحليين يدفعون ايجارات، واجور عمالة والتزامات اخرى وعندما يأتي العارض الاجنبي ليزاحمهم بالاضافة لظروف السوق فهذا يعد اجحافاً بالتاجر المحلي خاصة وان هذه المعارض تصل الى ما يقارب عشرة معارض سنوياً ونأمل ان تختفي هذه الظاهرة بالعام الجديد. المجوهرات لا تتأثر وعن التذبذب السعري يقول أمير محلاتي ان المجوهرات لا علاقة لها بارتفاع اسعار الذهب او انخفاضه وهذا لا يؤثر على الاسعار عندنا في تجارة الماس، مشيرا الى ان تجارة الماس قد زادت في السنوات الاخيرة بعد تراجع اسعار الذهب، وحيث ان عالم المجوهرات عالم كبير وعشاق المجوهرات والمعادن الثمينة وجودا مع انخفاض اسعار الذهب ضرورة للبحث عن بدائل، للتميز بعد ان اصبح الذهب يمكن شراؤه من قبل اي شخص، ومن هنا وجد مصنعو المجوهرات الماسية الفرصة لايجاد تشكيلات من الماس وغيره من الاحجار الكريمة تناسب جميع الاذواق والدخول متوقعا ان تكون هناك منافسة بين الماس والذهب بالفترة المقبلة. تحقيق: مصطفى عويضة