كان من الضروري أن يتعرض مؤتمر الاندماج الاقتصادي العربي الذي عقد بالقاهرة خلال شهر أكتوبر الماضي، الى العوامل التي أدت الى تردي التعاون الاقتصادي العربي خلال الربع قرن الاخير، والتي جعلت الفكر يتجه الى شكل اخر يتفق مع المعطيات الدولية ومع السلبيات المحلية التي ظهرت امام تطبيق التعاون العربي والذي تبلور مؤخرا في المطالبة بانشاء السوق العربية المشتركة من أعلى السلطان والقيادات العربية باعتبارها الطريق الأوحد لبعث الأمة العربية. ولا شك أن هذه العوامل متعددة ولكني اكتفي بعرض بعضها: أولا: الخلافات السياسية العربية، فبعد فشل الوحدة المصرية السورية نتيجة عدم مراعاة المصالح الاقتصادية، واهمال الفوارق الطبقية للشعب السوري والتي كانت تحتاج الى سنوات طويلة للقضاء عليها أو تذويبها، وقف بعض الحكام العرب ضد دعوة الوحدة العربية، وقطعت العلاقات بين بعض الدول العربية واتجهت أجهزة الاعلام في بعضها الى تشبيه الوحدة العربية بالدكتاتورية التي يسعى اليها بعض الحكام العرب الذين يريدون تحقيقها بالقوة عن طريق الشعوب العربية التي كانوا يشجعونها على التمرد على نظام الحكم، ولقد تبع ذلك وفاة الرئيس جمال عبدالناصر الذي اشعل الدعوة القومية في الوقت الذي تحطمت فيه الامة العربية نتيجة الحرب مع اسرائيل في عام 1967 التي لم يخرج العرب من اشلائها حتى اليوم، وتغيرت الدعوة العربية واصبح كل اهتمام مصر والعرب هو ازالة اثار العدوان واعادة الحال الى ما كان عليه قبل 1967، وسط شماتة البعض وخوف البعض الآخر، ووسط القلق الذي شعرت به الدول العربية التي احتلت اراضيها بالرغم من نصر أكتوبر 1973، وتقدم الرئيس أنور السادات، في ضوء الامكانيات التي توافرت لديه والفكر الذي تورثه من العمل السياسي على مدار عشرات السنوات السابقة، تقدم بمبادرته للتسوية السلمية التي كان يمكن أن تجدي لولا عناد البعض وحماس البعض الآخر دون قاعدة يقفون عليها. في هذا المناخ السياسي التمردي ووسط الخلافات السياسية الحادة التي نشأت بين الحكام العرب حول المبادرة المصرية، توقف التعاون الاقتصادي العربي الشامل وبدأت مقاطعة مصر من الدول العربية، وهي التي كان لها اثرها الواضح في مسيرة التعاون الاقتصادي العربي، وتسبب ذلك في قلب الموازين حيث أتت الدول العربية بفئات ادارية للتعاون الاقتصادي العربي لم يكن همها هو العمل الجماعي والصالح القومي بقدر ما كان الصالح الشخصي والخاص، وبالتالي رأينا المسيرة تتغير جذريا، وتحولت من توقيع اتفاقيات جماعية شاملة وفعالة للتعاون الاقتصادي العربي، إلى انشاء منظمات عربية مشتركة يتولى أمورها طبقة ادارية كل اهتمامها كان يتمثل في تحصيل منافع مادية من مرتبات ومكافآت وحوافز وبدلات حضور جلسات في اجتماعات داخلية أو في مؤتمرات وسفريات خارجية. لقد نشأ في الثلاثين سنة الاخيرة من القرن الماضي عدد كبير من المنظمات العربية المشتركة التي تمنح قروضا غير فعالة أو تصدر توصيات دون تنفيذ، نشأ المركز العربي لدراسات المناطق الجافة 1971 والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي 1971 ومنظمة العمل العربية 1972 والمنظمة العربية للتنمية الزراعية 1972 والاتحاد البريدي العربي 1973 والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار 1975 والأكاديمية العربية للنقل البحري 1975 والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في افريقيا 1975 وصندوق النقد العربي 1977 والمؤسسة العربية للاتصالات القضائية 1978 والمنظمة العربية للثروة المعدنية 1979 والمنظمة العربية للتنمية الصناعية 1980 كما نشأت منظمات عربية أخرى شبه رسمية كالاتحادات العربية النوعية والبالغ عددها حتى الآن 32 اتحادا. إنني لا أضعف من أهمية هذه المنظمات، ولكن أقول انها لم تساهم بعمل جاد في مسيرة التعاون الاقتصادي العربي التي بدأت بجدية في أوائل النصف قرن الأخير وأعدت من أجلها عددا كبيرا من الاتفاقيات العربية الجماعية التي لم ينفذ منها شيئا باستثناء اتفاقية انشاء منظمة التجارة العربية الحرة التي لم يوقع عليها حتى الآن سوى حوالي 14 دولة ومازالت تواجه التعثر والصعب الذي نأمل أن يتلاشى في العهد الجديد لجامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي يبذل جهدا كبيرا في انشاء السوق العربية المشتركة التي لم تتم حتى الآن بالرغم من مرور أكثر من 35 عاما على اعداد اتفاقيتها. من هنا أقول أن مسيرة التعاون الاقتصادي العربي تكاد تتوقف ويواجهها صعوبات ستأكل الوقت لمعالجاتها وقد تصبح بعد ذلك دون جدوى وسط تغيرات عربية ودولية متلاحقة، وفي مقدمتها نظام العولمة الدولية وأداته التنفيذية التي تتمثل في منظمة التجارة العالمية الحرة وصندوق النقد الدولي وهما المنظمتان اللتان يواجهان في اجتماعاتهما مظاهرات صاخبة من المعتدلين في العالم ومن الفقراء الذين يشعرون أن الدفة لا تتجه اليهم بقدر ماتتجه الى الاغنياء. ثانيا: المتغيرات الدولية والتطورات التكنولوجية، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات نشطت الدعوة الى العولمة التي لم تصل حتى الآن الى اتفاقيات أو تنظيمات محددة، وانما مازالت مجرد بيانات وتصريحات ظاهرها الرغبة في تغيير النظام الدولي وتحويل العالم الى شبه قرية واحدة لا قيود فيها ولا حواجز اقتصادية، بينما لا يعلم باطنها الا الله خاصة وان هذه الدعوة جاءت من الدول الغنية التي امتصت ثروات الدول الفقيرة خلال القرون الأخيرة أي في زمن الاستعمار الذي كان مصيره الطرد امام كفاح مسلح من ابناء شعوب هذه الدول الفقيرة والتي وقفت على حقائق كانت تجهلها عن الاستعمار وبات الامر واضحا من وراء قدومه الى مناطقهم في افريقيا واسيا حيث لم يذهب كما كان يقول للتنوير والاستثمار وتهيئة هذه الشعوب لحكم انفسها، بل جاء لامتصاص ثروات هذه الشعوب واستغلال ثرواتها المعدنية ومنتجاتها الزراعية والبشرية. العولمة كما عبر عنها أحد الاقتصاديين العرب الكبار فذكر انها موضة هذا العصر لابد أن تنتهي واذا كانت الموضة تنتهي بحلول موضة جديدة فإن دعوة العولمة لابد أن تنتهي بعد تحقيق أغراضها من الدول التي تدعو اليها والتي لا تبتعد كثيرا عن الاغراض الاستعمارية القديمة ولكن دون استخدام وسائل مادية أو قوات عسكرية لاخضاع الشعوب ثم امتصاص ثرواتها، أي عن طريق ادخالها في اتفاقيات دولية تقوض التنظيمات الدولية التي انشئت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة، والتي أعطت الحق لقيام دولة مستقلة، تسكنها شعوب مسالمة، وبقيام منظمات اقليمية تجمع بين بعض هذه الشعوب وتنافس بعضها البعض سعيا للمزيد من المصالح الاقتصادية وذلك في ضوء احترام كل دولة لسيادة الدول الاخرى على اراضيها مع امكان فض المنازعات التي تقوم بين بعض الدول بالطرق السلمية ومن كافة الأطراف. ولا شك ان هذا كله يتلاشى اذا تحققت العولمة السليمة التي تمنع وتقضى على الفواصل بين الدول واعتبار العالم كله دولة واحدة يعيش فيها كافة سكان الكرة الأرضية بمختلف الوانهم واجناسهم وينتهي في ظلها الظلم والاستبداد والتطرف والارهاب والتعديات وبما يؤدي الى وقف نشاط الجينات العدائية في البشر واحلال جينات المحبة والتعاون بين الجميع، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق خلال هذا القرن. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية