وقفنا في الحلقات الثلاث الماضية على ثلاثة عناصر من عناصر نظرية التوزيع الاسلامية والفائدة والاجر والربح واليوم نختم النظرية بالعنصر الرابع والاخير. والذي يخص عنصر الارض والموارد الاقتصادية. فالارض تعتبر عنصرا من عناصر الانتاج الاربعة، وتستحق ثمنا لاستخدامها او عائدا.. ويطلق على هذا العائد (الريع) في الفكر الاقتصادي الحديث.. ويسمى هذا العنصر في الفقه الاسلامي الاجارة. وهي تمكين شخص للانتفاع بمنافع شيء او جهد معلوم لمدة معلومة وبعوض معلوم ومباح شرعا ولقد فرق الفقهاء بين اجارة الاشخاص واجارة الاموال فالاولى ما نسميه اليوم بعقود العمل اما الثانية تعني الانتفاع بملكية الاموال ثم اعادتها الى صاحبها الاصلي وهي بهذا الاطار تشمل الريع مضافا اليه استثمار رأس المال. ولكن الريع في الفكر الاقتصادي الحديث، يقتصر على ثمن استخدام او الافادة من قوى الطبيعة التي لا تنفد فالارض الخصبة التي تتميز بقدرة عالية على الانتاج تستحق ريعا اكثر من الارض او الاراضي التي تكون انتاجيتها اقل.. وهذا ما يعبر عنه بالخصوية. فالاراضي الخصبة تتفوق على الاراضي غير الخصبة بالانتاج لجودة التربة او لملاءمة المناخ أو لتوفر المياه.. الخ.. وبالتالي. فان الريع يعد ثمنا «للخصوبة» اما اجارة الاموال ومنها الاراضي فانها تشمل ذلك العنصر الطبيعي من الارض مضافا اليه قيمة الاستثمارات، التي انفقت على الارض الى ان وصلت الى شكلها الحالي والاستثمارات هنا تشمل نفقات الاستصلاح والتجهيز بالمكائن والالات، وما شابه. ولقد تطور مفهوم الريع لينسحب على كل عناصر الانتاج الاخرى.. فالعامل الماهر يستحق ريعا نظير عمله. ومقارنة مع قرينه العامل غير الماهر واصحاب الكفاءات العلمية يستحقون ريعا هم الاخرون مقارنة مع زملائهم واقرانهم الاقل كفاءة.. والفنان الماهر قد يصل ريعه الى ملايين الدراهم سنويا. لانه يتمتع بندرة فائقة شأنه شأن الارض ذات الخصوبة العالية، ولابد من التنويه الى ان الريع او احيانا الفائض الاقتصادي شكل عبر التاريخ سجلاً حافلا ومثيرا.. لانه كان ومازال العامل الحاسم في تفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية بجانب الحقائق الاقتصادية فحروب الطبقات الارستقراطية في العهود القديمة وحروب الافراد الاقطاعيين في العصور الوسطى وكثيرا من المنازعات والحروب الحديثة.. تقوم اصلا على من يستطيع حيازة وملكية الريع.. سواء كان للارض او للاشخاص. المهم ان هناك اختلافا بين الفقهاء المسلمين على شرعية الريع (للاراضي) وفي الحالات التي يؤجر فيها صاحب الارض ارضه لقاء ريع محدد القيمة.. فيرى البعض ان اخذ الريع (حرام) ولا يتفق ومباديء الشريعة الاسلامية، لأن الاجارة عقد بيع للمنافع ومن شروط هذا العقد الاساسية ان يكون معلوما مسبقا ما سيجرى عليه العقد. ولا يخفي الامر في حالة الزراعة اذ هي ليست كذلك، حيث لا يمكن التكهن مسبقا فيما اذا كان عائد الارض سيفي بالمقدار المحدد الذي جرى التعاقد عليه. ومن اشهر الفقهاء الذين اتخذوا موقف المعارضة ابن حزم الظاهري (443 ـ 1064م) واستند في ذلك الى احاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) منها قوله «من كانت له ارض فليزرعها أو ليزرعها اخاه». ولا يكرها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى. وروى عن ابي هريرة (رضي الله عنه) ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال «من كانت له ارض فليزرعها أو ليمنحها اخاه، فان ابى فليمسك ارضه». اما الاتجاه الاخر من الفقهاء ويمثل غالبيتهم فانهم يقرون بأن اجارة الاموال هي عقد بيع للمنافع في حقيقتها وقياسا على هذا لا تجوز، لكنهم اقروا لها وبشرعيتها بسبب حاجة الناس اليها وفي حالة الارض تصبح الحاجة ملحة وواجبة، اذ ان بعض الناس لا يستطيعون شراء مال معين وبخاصة الارض وهم باشد الحاجة الى الانتفاع به او لا يرغبون في شرائه رغم حاجتهم للانتفاع به مدة معلومة وبالمقابل هناك اشخاص يملكون مالا ولا يستطيعون استغلاله كما في حالة العجز والكبر والمرض والشيخوخة والسفر.. وهم بحاجة الى تأمين مورد يسد حاجتهم وحاجة عوائلهم. بالواقع ان اصحاب الرأي الأول يتجاوزون الى الجانب الاجتماعي والاخلاقي في حين يميل الاخرون الى الجانب الاقتصادي او بتعبير اخر وباصطلاحات العصر. فان الرأي الأول يتعامل مع الاقتصاد الوجوبي او المثالي اي ما يجب ان يكون عليه الاقتصاد whatoutto TOB في حين يركز الرأي الثاي على الاقتصاد القاعدي او الوضعي او ما هو كائن. whatis to Be في الواقع اذا نظرنا الى الفقه والفلسفة الاسلامية ككل فاننا نميل الى رأي الاقلية ونضيف ان الارض والمال كله هو مال الله وهو هبة من الله عز وجل الى بني آدم وما دامت الارض هبة فكيف تصبح سلعة تباع وتؤجر؟ اليس من العدل ان يكون ريعها لمن يزرعها ويستغلها ويستثمرها ونعتقد ان اخذ الريع جاء مع التطبيقات والتوسعات اللاحقة في استخدام الارض زمن الخلافتين الاموية والعباسية في حين ان ملكية الارض (رقبتها) يعد في صدر الاسلام في الاغلب الاهم ملكية استخلافية خاصة الاراضي المفتوحة تأخذ منها الدولة الخراج ويقوم الفلاحون بزراعتها ولا وجود لنظام اجارة الاراضي واذا كان تبريرا لفريق الاخر، بان الريع يدفع للاشخاص غير القادرين عن العمل.. فانه في مثل هذه الحالات تكون الدولة هي الكفيلة بذلك، ونظام التكافل الاجتماعي في الاسلام واضح وصريح لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) من لم يترك ورثة لعياله او من ترك ذرية ضعافا فليأتني فانا مولاه.. ويستنتج الدكتور مصطفى السباعي في كتاب (اشتراكية الاسلام) ان الدولة الاسلامية في اوائل قيامها، كانت تتخذ سياستها بالنسبة الى ملكية الارض المفتوحة احد الاسلوبين الأول: نقل ملكيتها الى الدولة على ان يكون عمالها الزراعيون اجراء عليها. الثاني: تقطيعها الى ملكيات صغيرة بين فلاحيها، حتى يصبحوا مالكين لها جميعا وتزول معالم الملكية الكبيرة. ويضيف الدكتور السباعي.. لو استمر الناس في تطبيق الاسلام لجوهره ولسيره الطبيعي، ولم ينحرف ولاة السوء عن هدفه الاشتراكي العظيم، لظلت اراضي الشام ومصر والعراق (وهي بالطبع اهم الاراضي الزراعية الاسلامية) ملكا للدولة كما كانت سابقا في عهد الخلفاء الراشدين، ويشتغل عليها الناس لخراج المقاسمة.. وبذلك تكون بلادنا اول بلاد في العالم ابقت مبدأ ملكية الدولة لرقبة الاراضي.. هذا المبدأ الذي نادى به الكثيرون من علماء الاجتماع والاقتصاد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وطبقه العديد من دول العالم في النصف الأول من القرن الماضي، وان فشل تطبيقه في الدول الاشتراكية سابقا لا يدل على فشل النظرية بقدر ما يدل على فشل التطبيق. نستنتج من نظرية التوزيع الاسلامية انها اولا تحتوي على كل عناصر النظرية الحديثة الاقتصادية واحيانا تزيد عليها من خلال اضافات هامة. وثانيا انها تنظر الى الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والدينية نظرة جادة وحازمة ولا تقف على عتبة الاعتبارات الاقتصادية وحسب انها باختصار تروم الى تحقيق مجتمع الكفاية والعدل ذلك المجتمع الذي يكشف افراده في وئام وانسجام تامين. دون احقاد طبقية اوصراعات دموية داخلية.