يتواصل اختبار القوة بين منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وبين روسيا حيث بدأت الامور تتأرجح. ففي مؤتمر عقد في الجزائر العاصمة يوم السابع والعشرين من نوفمبر الماضي، أعلن رئيس مؤتمر اوبك شكيب خليل ان الاسعار يمكن ان تهبط الى ما دون العشرة دولارات للبرميل الواحد اذا لم تتوصل اوبك والدول المصدرة للفنط خارج اوبك الى اتفاق حول التخفيض الاجمالي في الانتاج. وقال خليل الذي يشغل ايضا منصب وزير الطاقة والمعادن والرئيس الحالي لمجلس ادارة شركة سوناتراك انه قلق بشكل خاص حيال الربع الثاني من عام 2002، وهي فترة يكون فيها انخفاض موسمي في الطلب على النفط. ووفقا للتوقعات الاخيرة للوكالة الدولية للطاقة، فان الطلب العالمي سيرتفع الى 76.6 مليون برميل في اليوم في الاشهر الثلاثة الأولى من عام 2002 مقارنة مع 76.2 مليون برميل في اليوم في الفترة من اكتوبر الى ديسمبر من عام 2001 قبل ان يهبط الى 75.1 مليون برميل في اليوم في الربع الثاني من العام المقبل. وأكد خليل على انه، وعلى الرغم من خطورة الوضع الا ان اوبك لن تخفض انتاجها بمعدل 1.5 مليون برميل في اليوم اذا لم تتحمل الدول المصدرة للنفط خارج اوبك حصتها من العبء، مؤكداً بذلك على تصميم المنظمة على تطبيق القرار الذي اتخذه اعضاؤها في آخر اجتماع وزاري لهم في فينا في الرابع عشر من نوفمبر الماضي. والحقيقة ان خليل لم يكن وحيدا في اعادة التأكيد على هذا الموقف المتشدد، فقد تم تكرار هذا الموقف من قبل الأمين العام لمنظمة اوبك علي رودريجز ومن قبل وزراء في العديد من الدول الاعضاء من بينهم وزير النفط السعودي علي النعيمي. ان الهدف الاساسي لموقف اوبك الهجومي هو روسيا، التي لم تقدم سوى تحسين طفيف على عرضها الأول بتخفيض انتاجها بمقدار 30000 برميل في اليوم، الأمر الذي اعتبرته اوبك اهانة لها. وهي تعرض الآن تخفيض انتاجها بمعدل 50000 برميل في اليوم في الربع الأخير من عام 2001، وتقدم املا بتخفيض اكبر عام 2002 (مع ان وضع ذلك حيز التنفيذ مشروط بنتيجة اجتماع مستقبلي بين السلطات الروسية والشركات النفطية في البلاد، التي تحتج بصخب كلما تثار هذه المسألة. وبصرف النظر عن هذا العرض، الذي لا تزال اوبك تعتبره عرضاً يبعث على السخرية، فان الاسباب الاخرى التي تجعل اوبك تركز اهتمامها على روسيا في الوقت الراهن هي مستوى انتاجها (7.2 ملايين برميل في اليوم في الوقت الحاضر، وفقا للوكالة الدولية للطاقة) والزيادة الحادة في انتاجها منذ عام 2000 (بمقدار 510000 برميل في اليوم بين سبتمبر 2000 وسبتمبر 2001) وحقيقة ان موسكو لم تحترم الالتزامات التي قدمتها حول كبح العرض. وتعتقد الوكالة الدولية للطاقة ان الانتاج الروسي قد يصل الى 7.44 ملايين برميل في اليوم خلال عام 2002 ككل. وفي وجه تصميم اوبك الواضح، فان المزاج في موسكو يتراوح بين المصالحة من اجل الحفاظ على العلاقات الطيبة التي تمتعت بها مع اوبك حتى الآن، والسخط في وجه الضغط الذي تعتبره الحكومة غير مبرر نظراً لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار القيود التي تخضع لها البلاد. وبهذا الخصوص، فان الجائزة تذهب الى احد مستشاري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ما يشعر به بالضبط حيال اوبك بعبارات تخلو من الدبلوماسية واصفا اياها بأنها منظمة لم تعد تحمل اي وزن ولا تفي بتعهداتها. الا انه وفي حين تعتبر استراتيجية اوبك استراتيجية محفوفة بالمخاطر بشكل كبير، فانها نجحت بالفعل في دفع بعض من البلدان خارج منظمة اوبك الى بذل جهد بهذا الخصوص. فقد تعهدت اربع دول حتى الآن بتخفيض انتاجها مجتمعة بحوالي 300000 برميل يومياً ـ المكسيك بمقدار 100000 برميل في اليوم والنرويج بمقدار يتراوح ما بين 100000 ـ و200000 برميل في اليوم وروسيا بمقدار 50000 برميل في اليوم وعمان بمقدار حوالي 40000 برميل في اليوم ـ مقارنة بتخفيض 500000 برميل في اليوم التي كانت تسعى اليها اوبك. وبالتالي، فقد تم تحقيق تقدم كبير نظرا لأن المكسيك، التي تتعاون عن طيب خاطر عادة مع اوبك، كانت مترددة جدا في تخفيض انتاجها هذه المرة، نظراً للوضع الاقتصادي والسياسي العالمي الراهن والعلاقات الوثيقة جداً التي تتمتع بها مع الولايات المتحدة. وفيما يتعلق بالنرويج، فانها سبق وان ذكرت انها لن تستجيب لمناشدات اوبك وقالت ان المنظمة ينبغي ان تتفاجأ بموقفها. لكن الحكومة النرويجية تقول الآن انها مستعدة للتدخل من أجل منع حدوث هبوط مفرط في الاسعار مضيفة ان الحجم الدقيق للتخفيض الذي ستطبقه اعتمد على الجهد الذي بذلته روسيا. وخلال الاسبوع الممتد من 19 ـ 23 نوفمبر، هبط سعر سلة خام اوبك بمعدل 8.5% مقارنة بالاسبوع الذي سبقه لينخفض بمقدار 1.56 دولار للبرميل ويصل الى 16.87 دولاراً للبرميل. وتحسن الوضع قليلا في الايام التي تلت ذلك، وفي السابع والعشرين من نوفمبر الماضي كان سعر العقود الآجلة لمزيج برنت (لعقود ديسمبر) في البورصة الدولية للبترول في لندن مرتفعاً بمقدار 0.66 دولار للبرميل ليغلق عند 19.02 دولاراً للبرميل، مع اسعار للعقود بين فبراير ومايو 2002 تراوحت بين 18.90 و19 دولاراً للبرميل. وفي اليوم نفسه، كسب سعر سلة اوبك 25 سنتاً ليصل الى 17.60 دولاراً للبرميل. غير ان السوق ضعف من جديد في اليوم التالي مع خسارة برنت ل33 سنتاً بناء على اخبار تحدثت عن حدوث ارتفاع حاد في المخزون النفطي في الولايات المتحدة ووفقا لمعهد البترول الأمريكي، فان المخزون المكرر زاد بمقدار 4.98 ملايين برميل ومخزون البنزين بمقدار 1.98 مليون برميل في الاسبوع الذي سبق تلك الاخبار. وبينما عمل الحديث عن تخفيض في العرض العالمي على احتكار فائدة المتعاملين عمليا منذ منتصف نوفمبر، الا ان اهتمامهم بدأ يتحول مؤخراً الى العراق مع انتهاء المرحلة العاشرة من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تديره الأمم المتحدة وبسبب التهديدات التي اطلقها الرئيس بوش بتوسيع حربه ضد الارهاب لتشمل العراق. ومن المعروف ان بوش يريد ان يتم السماح لمفتشي الامم المتحدة عن الاسلحة بالعودة الى العراق ليتحققوا من تطويره اسلحة للدمار الشامل ولدى سؤاله عما سيجري اذا لم يتعاون الرئيس صدام حسين قال بوش: «سيكتشف ذلك». وقد حثت الدول الأوروبية، وبخاصة فرنسا وألمانيا، الولايات المتحدة على اتخاذ جانب الحذر ففي نقاش دار في البوندستاج، قال المستشار الألماني جيرهارد شرويدر انه يتوجب على الحلفاء ان يكونوا حذرين بشكل خاص حيال مناقشة أهداف جديدة في الشرق الاوسط ـ فقد تنفجر الأمور في وجوهنا هناك اكثر مما يدرك اي منا. واضاف قائلا إن ألمانيا لا تعتزم «التدخل عسكريا في اي مكان آخر من العالم كالعراق او الصومال». وتتخوف الاسواق بشكل خاص من توقف الصادرات العراقية من النفط الخام. وعلاوة على ذلك، فان تصميم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على المحاولة مجدداً لفرض نظام جديد من العقوبات «الذكية» في اعقاب فشلها في الصيف يعتبر عاملا آخر للتوتر بين العراق والأمم المتحدة. واحد العناصر الاضافية الباعثة على الخوف هو التقارب الكبير بين واشنطن وموسكو في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب الدائرة في افغانستان في ظل تشجيع الرئيس بوتين. وبحسب بعض المراقبين، فان هذا الوضع يجعل من المرجح ان تقرر روسيا عدم استخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي وبالتالي زيادة احتمال حدوث مواجهة اخرى مع بغداد. ومن جهة اخرى فان الفائض الهائل في العرض النفطي على الطلب في السوق في الوقت الراهن لا يضع العراق في وضع قوي كوضعها لو كان السوق النفطي يعاني من ضغوط وهناك خطر بحدوث نقص في المعروض. وعلى اي حال، فان هناك قدراً معيناً من العصبية يسود السوق النفطية في هذه المرحلة المتقلبة.