كثيرة هي القضايا الاقتصادية المطروحة امام قمة قادة دول مجلس التعاون الخليجي في مسقط الاسبوع المقبل وهو يعكس تعاظم التحديات الناجمة عن بدء تدهور اسعار النفط مرة اخرى والتطورات الخاصة بعولمة الاقتصاد وتحرير التجارة العالمية، ان ابرز استجابة ممكنة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لهذه التحديات تكمن في اتخاذ مزيد من الخطوات لتعزيز تكتلها وتعاونها الاقتصادي، وهذا لن يتأتى الا من خلال مراجعة صيغ التعاون والتكامل الاقتصادي فيما بينها وكذلك صيغ واتفاقيات تعاونها مع التكتلات الاقتصادية الاخرى. وفيما يخص مراجعة صيغ التعاون والتكامل الاقتصادي فيما بين دول المجلس، فمما لا شك فيه ان تأسيس مجلس التعاون الخليجي - وعلاوة على ما استهدفه آنذاك من اهداف سياسية وامنية فرضتها التطورات الاقليمية والعالمية السائدة آنذاك - استهدف تحقيق آمال عريضة لدول ومواطني المجلس في التكامل الاقتصادي وإقامة كيان موحد على غرار العديد من التجارب في باقي اقاليم العالم المختلفة. ومن اجل تحقيق هذه الآمال العريضة أقر المجلس الأعلى لدول التعاون في دورته الثانية (نوفمبر 1981) الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لترسم خطة العمل الاقتصادي المشترك ومراحل التكامل والتعاون الاقتصادي بين دول المجلس. وقد تناولت هذه الاتفاقية قضايا التعاون الاقتصادي في المجالات التالية: التبادل التجاري والتعاون الجمركي و انتقال الاموال والافراد وممارسة النشاط الاقتصادي والتنسيق الانمائي بما في ذلك التنسيق البترولي والصناعي والزراعي ودعم المشروعات المشتركة والتعاون الفني في مجال توطين التقنية وتدريب وتأهيل القوى العاملة والنقل والمواصلات والتعاون المالي والنقدي. وقد اعتبرت هذه الاتفاقية بمثابة مرجعية العمل الاقتصادي المشترك بين دول المجلس. واليوم وبعد مرور أكثر من واحد وعشرين عاماً على بدء مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي المشترك ، يبدو ان الآمال التي رسمت في بداية المسيرة قد قطعت شوطاً كبيراً إلا انها لا تزال بحاجة إلى استكمال الاسس والقواعد المتينة التي تجسدها تجسيداً حقيقياً. وقد جاءت التطورات العالمية المتسارعة وخاصة فيما يتعلق بالجات والعولمة لتضيف تحديا آخر امام هذه المسيرة. وقد استشعر قادة دول المجلس هذا التحدي بالفعل وقد اوكلوا في اختتام قمتهم في الرياض للمجلس الاستشاري مهمة تقييم مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي والخروج بتوصيات محددة ترفع لاجتماعهم المقبل في المنامة. المجلس الاستشاري اجتمع بدوره واعاد تقييم المسيرة. ولم يكن مفاجئاً ان يتوصل هذا المجلس الى حقيقة اساسية بشأن معوقات العمل الاقتصادي المشترك وهي ان عمومية الأهداف وتعدد المواضيع التي تناولتها الاتفاقية الاقتصادية الموحدة دون ربطها ببرنامج زمني يحدد الأولويات وآليات تنفيذها ، ساهم في عدم الاتفاق على ما ينبغي تحقيقه وفق مراحل محددة. كما وانه وفي القضايا المحددة التي نص فيها على برنامج زمني لم يتم الالتزام بهذا البرنامج مما أدى الى تأجيل البت في مواضيع أساسية مثل توحيد التعرفة الجمركية وإقامة الاتحاد الجمركي لدول المجلس. ان خريطة العلاقات الاقتصادية الراهنة بين دول المجلس والاتحاد الاوروبي تعتبر نموذجا للاختلالات الموجودة في علاقات دول المجلس مع بقية التكتلات العالمية والتي تفرض عليها اتخاذ خطوات حثيثة نحو تكتيل وتوحيد جهودها0 فنحن لا ننكر اهمية الاسراع في اقرار مشروع التعرفة الجمركية الموحدة بين دول مجلس التعاون، الا ان ذلك لا يبرر استمرار فرض قيود جمركيه مجحفة على الصادرات النفطيه والبتروكيماوية الخليجية في الوقت الحاضر، بل أن دول اوروبا تقوم في الوقت الحاضر باعطاء العديد من الدول فرادا ومجموعات معاملات جمركية تفضيلية، وهذه الدول لا تمتلك نفس حجم المعاملات التجارية مع اوروبا. كما نلاحظ ايضا انه بالرغم من ان اجمالي عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي يبلغ 21 مليون نسمة، الا انها تعد خامس اكبر سوق لصادرات الاتحاد الاوروبي، متفوقة في ذلك على الصين ودول اتحاد الكومنولث المستقلة ومجلس التعاون الخليجي هو الوحيد الذي يوفر للاتحاد الاوروبي فائضا تجاريا ثابتا، حيث بلغ حجم التجارة بين الجانبين 35 مليار ايكو (العملة الاوروبية) في 99 وبلغت صادرات الاتحاد الاوروبي لدول مجلس التعاون 23 مليار ايكو فيما بلغ الميزان التجاري لصالح اوروبا 12 مليار ايكو، ويشكل البترول 70% من نسبة واردات الاتحاد الاوروبي من دول مجلس التعاون الخليجي، ومما يزيد من اهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لاوروبا هو ان النفط ما زال يمثل اهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الاوروبي من الطاقة وهي 45%. اما بالنسبة لضريبة الكربون، فقد سبق للمفوضية الاوروبية في بروكسل ان اعلنت عن الانتهاء من وضع اللمسات الاخيرة على مشروع الضرائب على المحروقات والذي وصف بأنه البديل عن مشروع ضريبة الكربون الذي وضع عام 92 ولم ينفذ لمعارضة بعض الدول الاوروبية له وكذلك دول الخليج، وتسبب في تعطيل مشروعات التعاون المشتركة الاوروبية الخليجية لفترة طويلة. ان دول الخليج ترى ان ضريبة الكربون هي بمثابة نظام ضريبي تمييزي قد يؤدي فرضها الى زعزعة سوق النفط الدولية وتراجع الاستثمارات فيها، ويتناقض فرضها مع الاتفاقية التي وقعت بين دول مجلس التعاون ودول الجماعة الاوروبية عام 1988 والتي تشتمل على نص يقضي بالا يخلق طرفا الاتفاقية عقبات امام التجارة بينهما. كما ان موضوع تنمية الاستثمارات المشتركة والمتبادلة يكتسب اهمية كبيرة، ويمكن هنا ان تسجل نقطة ايجابية وهي ان الدول اعضاء الاتحاد الاوروبي تعد ثاني اهم مستثمر اجنبي في دول مجلس التعاون قبل اليابان وفي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة وعلى النقيض من الاستثمارات الامريكية والتي تتركز في قطاع واحد فقط هو قطاع البتروكيماويات، فان استثمارات دول الاتحاد الاوروبي تتميز بتنوعها حيث تمتد الى القطاعات الصناعية. ومع ذلك فان حجم الاستثمارات الاوروبية في الخليج لا تمثل سوى واحد في المائة فقط من الاستثمارات الاوروبية الدولية المباشرة، بالتالي فان المطلوب اتخاذ خطوات هامة لاستقطاب وتنمية المزيد من الاستثمارات الاوروبية في المنطقة. ان مفهوم الشراكة الاقتصادية المتوازنة ينصرف الى اعطاء المصالح الاقتصادية للجانب الخليجي نفس الثقل والحجم المعطى حاليا للمصالح الاقتصادية للجانب الاوربي ، كما ينصرف الى ربط مصالح الجانبين معا، واللافت للنظر حقا انه على الرغم من حجم المشروعات الاوروبية في المنطقة، وكذلك المصالح الاوروبية الاقتصادية المشتركة فان برامج التعويض الجزئي Offset التي ينفذها الجانب الاوربي لا تضاهي برامج مماثلة تنفذها دول اوروبية اخرى في دول اخرى، كذلك فإن حصة السوق الاوروبي من الصادرات الصناعية الخليجية هي حصة محدودة اذا ما قورنت بحصة الاسواق الاوروبية والآسيوية. ان مواطني دول المجلس يتطلعون للقمة المقبلة لقادتها آملين ان تتخذ خطوات وقرارات جديدة لدعم التعاون الاقتصادي فيما بينها، فالتكتل الاقتصادي هو الاستجابة الابرز لتحديات المرحلة المقبلة.