مضى على دولة الامارات العربية منذ قيامها في الثاني من ديسمبر 1971 وحتى الان ثلاثة عقود كاملة شهدت خلالها الكثير من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وانقلابا حقيقيا في التركيبة السكانية وفي ميزان القوى العاملة في سوق الانتاج والعمل، الامر الذي يجعلنا مطالبين بدراسة طبيعة تلك التحولات وتأثيراتها على مسيرة التنمية والمجتمع خلال تلك العقود وذلك لاهمية رصد تلك التأثيرات وانعكاساتها لتحديد واقع الاوضاع الاقتصادية واستشفاف المرحلة المقبلة التي ستشهد تطورات اقتصادية شديدة التأثير على الاقتصاديات الصغيرة والناشئة ومنها اقتصاد الامارات الذي سوف يدخل مرحلة منظمة التجارة العالمية اعتبارا من عام 2005 ثم انه قد دخل مرحلة العولمة الاقتصادية حيث بدأت تظهر على النسيج الاقتصادي والتجاري في الامارات اعراضها بشكل واضح، وهنا يتطلب العمل على الحد من التأثيرات السلبية على الاقتصاد والمجتمع مع تعزيز مصادر القوة ومقوماتها في الاقتصاد الوطني وتوظيفها مما يحقق للاقتصاد التنمية وللمجتمع استقراره وعافيته. ان دراستنا لاقتصاد الامارات وتحليلنا له من خلال مؤشرات اقتصادية معينة انما ينبع ذلك من خلال تأكيدنا ورؤيتنا التي تستند على ضرورة قيام الدولة بمؤسساتها المختلفة بالاهتمام بالقطاعات الاقتصادية من خلال استراتيجية تقوم على تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على الخارج في توفير متطلبات حياتنا، خاصة والعالم يشهد تكتلات اقتصادية واستراتيجية ضخمة لن يكون للضعيف فيها شأن على الساحة الاقتصادية ومن اجل تحقيق هذه الاستراتيجية لابد من اتخاذ خطوات واجراءات كفيلة بالسير نحو تنمية القطاعات الاقتصادية الاخرى لاسيما القطاعات الاقتصادية الحقيقية (الزراعة والصناعة) ليس من اجل توفير متطلبات واحتياجات المجتمع فحسب وانما من اجل التحول إلى التصدير مع مراعاة متطلبات البيئة التنافسية الدولية في الساحة العالمية، وحتى يتحقق ذلك لابد من مراجعة مصادر الدخل الاخرى وتنميتها بشكل افضل لتساهم في الناتج المحلي الاجمالي، ودراسة اسباب محدودية مساهمتها في الاقتصاد الوطني وكيفية تذليل المعوقات التي تحول دون تنميتها خاصة وان الامارات يفترض ان تسعى جاهدة إلى تنويع مصادر الدخل لديها وعدم الاعتماد على مصدر دخل وحيد ألا وهو النفط الذي شهدت اسعاره حالات من التذبذب خلال العقود الماضية لاسيما الهزة النفطية في عام 1986، وكذلك الهزة النفطية في عام 1998 الامر الذي انعكس وسوف ينعكس اكثر على العوائد النفطية للدولة، وبالتالي تفاقم العجز في ميزان المدفوعات وكذلك في الموازنة العامة التي شهدت خلال السنوات الماضية عجزا اثر وبشكل واضح على الاستمرار في تقديم الدولة للخدمات المختلفة ومنها الصحية والاجتماعية الاخرى. كما ان وجود استراتيجية اقتصادية يكون محورها التخطيط الاقتصادي طويل المدى هو غاية الاهمية لتتمكن الدولة من المحافظة على تقديم خدماتها المناسبة وتحافظ على سمعتها الدولية في الساحة الاقتصادية العالمية، وهذه الاستراتيجية تمكن الدولة من مواجهة الاثار ا لسلبية الناجمة عن التحولات الاقتصادية العالمية والتكتلات الدولية مثل السوق الاوروبية الموحدة، متطلبات اتفاقية منظمة التجارة العالمية WTO، ثم تداعيات عولمة الاقتصاد وبروز الشركات ذات الجنسيات المتعددة. ويمكن تقسيم العقود الثلاثة الماضية إلى ثلاث مراحل اتسمت كل مرحلة بجملة من المتغيرات الاقتصادية الداخلية والخارجية والتي اثرت على الاوضاع الاقتصادية في الامارات سواء فيما قبل أو بعد قيام الدولة، ولكن بدرجات متفاوتة، وفي ضوء تحليلنا للتطور الاقتصادي في الامارات خلال هذه المراحل الثلاث نستطيع تحديد البيئة الاقتصادية التي كان ولايزال تعمل فيها القطاعات الاقتصادية، وكيف استطاعت هذه القطاعات ان تتفاعل مع هذه البيئة الاقتصادية وكيف يمكن ان تسهم هذه البيئة في مستقبل الاقتصاد الوطني وتحديد الوضعية التي كان يتفاعل بها القطاع الخاص تحديدا في هذه البيئة وتحديد ماهية المعوقات والصعوبات التي واجهت الاقتصاد من خلال هذه البيئة والتي حالت دون المساهمة الفاعلة في التنمية الشاملة؟ وفي ضوء ذلك نستطيع ان نحدد معالم الاقتصاد الوطني في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية ومنطلقات وتداعيات المرحلة المقبلة التي تحدد معالمها مفاهيم ومصطلحات اقتصادية حديثة على الفكر الاقتصادي العربي كالخصخصة أو التخصيصية كما يعرفها البعض التي سوف تحدد الدور الذي يمكن ان يلعبه القطاع الخاص في اقتصادنا الوطني بعد ما يشهد الاقتصاد تحولا في ملكيته من القطاع العام «الحكومي» إلى القطاع الخاص الذي ينتظر منه ان يفعل من الاقتصاد ويقود مسيرة التنمية الاقتصادية في الامارات، ثم في ظل اتفاقية منظمة التجارة العالمية والتي اصبحت الامارات عضوا فيها، ثم شروط وتداعيات العولمة التي دون شك سوف تضع اقتصادنا وكافة اقتصاديات الدول النامية امام محك حقيقي في مدى القدرة على الاستمرارية في الساحة الاقتصادية الدولية في ظل متطلباتها خلال الالفية الثالثة. ان القراءة الدقيقة والصحيحة والامنية لواقع اقتصادنا الوطني ومراحل تطوره خلال السنوات الماضية ودراسة طبيعة التحولات الجذرية التي حدثت سواء في هيكله الانتاجي وفي تركيبته الاقتصادية أو في سياساته الاقتصادية الداخلية وطبيعة التشريعات الاقتصادية التي رسمت تلك السياسات، ثم تحديد طبيعة العلاقات الاقتصادية والبنيوية التي تربط مختلف القطاعات الانتاجية من ناحية والخدمية من ناحية اخرى، والعلاقات التي تربط القطاع الخاص بالقطاع الحكومي، ثم السياسات المالية وسياسة الانفاق العام والخاص وعلاقة تلك السياسات وتنسيقها بالسياسات الائتمانية والنقدية في الدولة، ثم وعلى صعيد اخر دراسة العلاقات التجارية والاقتصادية التي تربط الامارات واقتصادها الوطني بدول العالم والتكتلات الاقتصادية الاخرى وكذلك دراسة طبيعة المتغيرات والتحولات الاقتصادية وتحديد آثارها وتداعياتها انما كل تلك القراءات توصلنا إلى اتخاذ القرارات الاستراتيجية الهامة في مسيرة التنمية الاقتصادية لاسيما واننا نتطلع إلى بناء اقتصاد قوي يسجل حضوره بين اقتصاديات العالم، وخاصة نحن نتطلع إلى مواكبة العالم في التقدم والازدهار والتنمية. وسنتناول خلال الحلقات المقبلة اقتصاد الامارات خلال مراحله المختلفة محددين لاهم السمات التي اتصفت بها كل مرحلة ثم اهم المتغيرات والتحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي صاحبت كل مرحلة وكيف اثرت تلك المتغيرات في مسيرة الاقتصاد الوطني، لتنتهي بعد ذلك عند حصاد مراحل الاقتصاد تلك، نحدد اهم الايجابيات لنطالب بالتأكيد عليها، ثم السلبيات والتحديات والمعوقات لنحدد كيفية معالجتها وتجاوزها من اجل تعزيز مسيرة الاقتصاد الوطني ونحن امام مواجهة صريحة واكيدة مع متغيرات شديدة وقوية سوف تعصف بكل المنجزات التي تحققت فيما اذا لم نعمل على الاعداد لها والاستعداد لمواجهتها.