تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي، وفق الصيغة المعدلة لدول المجلس، إلى العمل على رفع نسبة اسهام العمالة الوطنية في قطاع الصناعة إلى 75% كحد ادنى بحلول عام 2020 مع اعطاء الاولوية للعمالة الفنية والمهنية. وتشمل آليات تنفيذ الاستراتيجية المعدلة تقديم المساعدات الفنية والمالية لتدريب وتطوير مهارات الكوادر الوطنية العاملة في المشروعات الصناعية، بالاضافة إلى نشر الوعي الصناعي بدول المجلس وترغيب الكفاءات الوطنية للعمل في المشروعات الصناعية لاسيما في المواقع الفنية والادارية القيادية. التنمية البشرية الوطنية وتشير دراسة لمنظمة الخليج والاستشارات الصناعية حول آثار الاستثمار الاجنبي المباشر على تنمية القوى البشرية وشروط الخدمة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى ان الاستثمار الاجنبي المباشر والذي ينشيء مصانع جديدة يحتاج إلى قوى بشرية وطنية، ومما لا شك فيه سيؤثر هذا ايجاباً على العمالة وذلك استخدام أيدي عاملة ونفطية وطنية في المؤسسات الصناعية التي ينشئها، في المرحلة الاولى ويتوقف عدد العمال على حجم ونوع هذه المنشآت. وهذه العمالة الوطنية ستشمل العاملين في المؤسسات الجديدة، بالاضافة إلى خلق فرص عمل اضافية في ميادين اخرى غير مباشرة في المؤسسات ذات الارتباط بها، مثل : مؤسسات توريد المواد الخام التي تتطلبها المنشآت الجديدة. وتوزيع المنتجات ونشاطات الترحيل والتسويق والترويج.. الخ، طالما كانت هناك ارتباطات بين المشروع الجديد والمنشآت القائمة ذات العلاقة، اما كمنتجة للمواد الخام او مستخدمة لتوزيع او استخدام منتجاته، بالاضافة إلى زيادة القوى الشرائية وبالتالي استهلاك منتجات صناعية اخرى في حالة توجه المشروع للتصدير الخارجي، فإنه سيستخدم المزيد من الايدي العاملة، وستتسع نشاطاته في المراحل الوسيطة والبعيدة المدى. الكوادر المهنية المدربة ويتوقع ان تستخدم المنشآت الجديدة التي يقيمها الاستثمار الاجنبي المباشر، تقنية مناسبة. وبالرغم من ان نوع التقنية، تحدده عدة عوامل، الا انها ـ وان لم تتطلب كثافة في الايدي العاملة في اغلب الاحيان ـ ستحتاج إلى نوعية من القوى العاملة ذات مستوى اعلى من التي تستخدمها معظم الصناعات القائمة. ان حاجة المؤسسات الصناعية الجديدة إلى كوادر فنية ومهنية مدربة ـ وان قل حجمها نسبياً ـ سيساعد دول مجلس التعاون في تحقيق احد الاهداف الاساسية للاستراتيجية، حيث تهييء فرصاً جديدة لاسهام العمالة الوطنية ذات الكفاءات وترغب هذه الكفاءات في العمل في المشروعات الصناعية، ولاسيما ان المستوى المطلوب استخدامه في هذه المنشآت الجديدة، يتطلب توفر مستوى تعليمي عالٍ، وسيزداد الطلب عليها كلما اتسعت نشاطات هذه المؤسسات. وتلاحظ الدراسة ان قوانين الاستثمار المعدلة في معظم دول المجلس، تؤكد على جلب التقنية الحديثة والعالية واستخدام المهارات الوطنية، في المؤسسات التي ينشئها رأس المال الاجنبي المباشر. وعليه، فإن اختيار مشاريع الاستثمار الاجنبي والتصديق عليها ـ وفقاً للسياسات المعمول بها في دول المجلس، من قبل السلطات المعنية ـ من شأنه ان يراعي توجه المشروعات ومدى وامكانية استخدام العمالة الوطنية بالاضافة إلى الاهداف الاخرى. نشاط المستثمر الاجنبي وتلاحظ الدراسة ايضا ان نشاط رأس المال الاجنبي المباشر في الدول الصناعية، يركز على امتلاك المؤسسات الصناعية، إما بالدمج مثل: «كرايسلر، مرسيدس ديملرز» أو استحواذ بشراء المؤسسات أو معظم أسهمها.. الخ، واعادة هيكلتها لخدمة الأغراض الاستراتيجية للشركات متعددة الجنسية. غير ان الاستثمارات الاجنبية المباشرة، لاتباشر نشاط الدمج والاستحواذ والشراء للمؤسسات في الدول النامية، إلا في حالات قليلة ولأهداف معينة، مثل: الهيمنة على السوق لتصريف منتجاتها الصناعية من مصادر إنتاجية اخرى وعن طريق السيطرة على المصانع الوطنية التي تنتج منتجات مثيلة. ومن ثم التوسع في أسواق الدول المجاورة ذات العلاقات التجارية المتينة مع الدول المضيفة للاستثمار الاجنبي المباشر. وتوضح ان الاستثمار الاجنبي المباشر ـ حيثما يستولي على الصناعات القائمة بالشراء أو الاستحواذ أو حتى بالدمج ـ عادة ما يعيد هيكلتها، وبالتالي، يستغني عن جزء من الأيدي العاملة الوطنية، يختلف حجمها من مؤسسة لاخرى، ومن قطاع لآخر، وقد يكبر حجم الأيدي العاملة التي يتم توفيرها في حالة توقف الانتاج، الأمر الذي يحدث عادة في المرحلة الأولى بعد التملك، حتى تدخل تقنية جديدة، أو تتم إعادة النظر ووضع خطط جديدة تستغرق الكثير من الوقت. وفي حالة الابقاء على هذه المنشآت، والاستمرار في تشغيلها، وعلى الرغم من ان يفضي حجم القوى العاملة فيها أمر متوقع الحدوث، إلا انها في المدى المتوسط، تستخدم أيدي عاملة تتمتع بدرجة أعلى من المهارات، وعندما يشتري المستثمرون الاجانب المؤسسات القائمة ـ وخاصة تلك التي تواجه صعوبات مالية أو تسويقية تهدد بإغلاقها ـ فإن الاستثمار الاجنبي المباشر، سيكفل استمرارية الأيدي العاملة المستخدمة فيها: كلياً أو جزئياً، وعندما تعرض الدول النامية، مؤسساتها العامة للبيع، تتجه للخصخصة، ولعجز رأس المال الوطني عن شرائها، فإن استحواذ رأس المال الاجنبي المباشر عليها من شأنه كفالة استمرارية العمليات الانتاجية فيها، وبالتالي، الحفاظ على الايدي العاملة الوطنية المستخدمة فيها، غير ان هذا النوع من الاستثمار الاجنبي، قد يتخذ قراراً في مرحلة لاحقة ولاعتبارات استراتيجية بإغلاق المنشآت التي يشتريها في البلد المضيف، وعندها، يساهم في زيادة البطالة، ويضعف القوى الشرائية عند العاملين مما يؤثر على مصانع اخرى في البلد المضيف. التجارب الاخرى ومن خلال المعلومات المتوفرة من دول المجلس، ان هذه الدول، لم تشهد بعد عمليات دمج أو شراء أو استحواذ من قبل الاستثمار الاجنبي فيها على المؤسسات الصناعية القائمة، وعليه، لابد من دراسة تجارب الدول الاخرى في هذا المجال، إعداداً لما قد يحدث مستقبلاً في هذا الجانب. وترى ايضا انه من تجارب الدول النامية التي حققت درجة متقدمة من التنمية الصناعية، مثل كوريا، انها تشجع وتفضل الاستثمار الاجنبي المباشر، في حالة إقدامه على انشاء صناعات جديدة، تمكنها من الحصول على تقنية جديدة، يصعب الحصول عليها بالشراء من الخارج أو تطويرها محلياً، بجهودها الذاتية، ومن الأهداف الهامة الاخرى التي ترمي اليها في جذب هذا النوع من الاستثمار الاجنبي، الى جانب التمكن من اقتحام أسواق خارجية جديدة، إتاحة الفرصة لكوادرها الوطنية، لتطور ملكاتها بالتدريب، وبرفع مستواها التقني والفني والاداري، باكتسابها هذه النواحي الايجابية من خلال التصاقها وتفاعلها مع رأس المال الاجنبي المباشر، في هذه المنشآت الجديدة والتي تستخدم فيها الكوادر الوطنية. وتشير الى ان استراتيجية دول المجلس وقوانين الاستثمار فيها، تهدف ـ أساسا ـ الى جذب الاستثمار الاجنبي المباشر لانشاء صناعات جديدة، وفقاً لمعطياتها المحددة في سياساتها، ومن بينها دعم الصناعات الوطنية القائمة في تلك الدول، أغلبها صغيرة ومتوسطة، وتستخدم تقنية بسيطة وغير حديثة، فانها لن تقع في المدى القريب في دائرة اهتمام الشركات متعددة الجنسيات، مالم تبذل الجهود المطلوبة ـ عند التصديق بقيامها ـ لربطها بعجلة الانتاج الصناعي في تلك الصناعات الجديدة التي يتم انشاؤها، ولكن مما لاشك فيه، ان بعض الصناعات الجديدة التي ينشئها رأس المال الاجنبي المباشر فيها، قد تؤثر سلباً على هذه الصناعات الصغيرة في بعض الحالات، وبالتالي، يتم اغلاقها أو عدم مقدرتها على استغلال طاقاتها الانتاجية استغلالاً أمثل، مما يقود الى الاستغناء عن قطاعات وأعداد من الايدي العاملة، ومما يزيد من معدلات البطالة. وتوضح الدراسة ان انشاء المؤسسات الصناعية الجديدة التي يملكها المستثمر الاجنبي، في دول المجلس، سيساهم في زيادة الطلب على الايدي العاملة الوطنية، خاصة ذات المهارات العالية (نسبياً)، وهذا بدوره سيحفز هذه الدول بإعادة النظر في نظمها التعليمية ومناهجها في مختلف مراحل التعليم، حتى تتمكن من إعداد خريجين أكثر تأهيلاً، وأكبر استعداداً للانتاج الصناعي الذي يستخدم تقنية مناسبة، وأكثر تقدماً وحداثة بالمقارنة مع التقنية البسيطة، أو التقليدية المستخدمة حالياً في معظم الحالات. وتقول ان من العوامل الجاذبة للاستثمار الاجنبي المباشر، التعليم ذي النوعية العالية، فالملاحظ ان الدول النامية بشكل عام ودول المجلس بشكل خاص، لم تول اهتماماً كبيراً لاعادة النظر في النظم التعليمية والمناهج المقررة في مدارسها، اذ ظلت معظمها تقليدية ونظرية لاتواكب التطورات الحديثة، لافتقارها الكامل أو ضعف الاساس العلمي الذي ينمي مدارك التلاميذ والطلاب في مختلف المراحل، ولكي يحقق طلاب الجامعات نجاحات فائقة بعد تخرجهم في ميدان التقنية والاختراع لابد من اعتماد تعليمهم الجامعي على أسس علمية، تبدأ بمرحلة الأساس حتى تنمو مهاراتهم العلمية، ويصبح النهج العلمي جزءاً منهم، ان تقارير منظمة )UNISCO( توضح ضآلة نسبة مجموع حصص تدريس العلوم والرياضيات في مدارس الدول النامية، وارتفاع نسبها في مناهج المدارس في الدول الصناعية، فلابد إذن لدول المجلس من إعادة النظر في كل النظم التعليمية وتحديثها وإدخال المزيد من العلوم والرياضيات والحاسوب الآلي، وانشاء معامل الاختبار بدءاً بمرحلة الاساس في المدارس، وربط التعليم الجامعي باحتياجات التنمية الصناعية، هذا التغيير المطلوب، من شأنه ان يوجد الكوادر المقتدرة التي تنمي الصناعة وتدعمها، وبالتالي، تجذب الاستثمار الاجنبي المباشر «ذا النوعية العالية» وتوفر أعداداً كبيرة من مواطني البلد المضيف، ممن يتميزون بالتعليم العالي، والتدريب المناسب الذي يتطلبه الانتاج الصناعي العالمي الجديد، خاصة في الصناعات التي تركز عليها الشركات متعددة الجنسيات، مثل: صناعة العربات والكيماويات والأدوية، والمنتجات المعدنية.. الخ، وهي عين الصناعات التي ترغب دول المجلس في انشائها والتوسع فيها. ومن هنا، ولتحقيق أهداف الاستراتيجية، ولايجاد المزيد من العوامل الجاذبة للاستثمار، ودعمها ـ لابد من تطوير وتقوية، مؤسسات التعليم، ومعاهد التدريب، وربط الجامعات والمعاهد العليا بالقطاع الصناعي والمؤسسات الصناعية بطريق مباشر، للتفاعل والتعاون المطلوب، وإعادة النظر في النظم التعليمية وتحديثها لخدمة أهداف التنمية. وترى ان ازدياد الحاجة للعمالة الفنية والمهنية ـ يتطلب استغلال كل طاقات الكوادر الوطنية واستخدامها في القطاع الصناعي، وفي هذا المضمار تجدر الاشارة الى ان عدد الخريجات، اللاتي حصلن على الشهادات الجامعية وفوق الجامعية، في دول المجلس، عدد معتبر وقد تم استخدام جزء منه في قطاعات التعليم والنشاطات الاجتماعية والادارية. ومما لاشك فيه ان ازدياد عدد الخريجات وتأهيلهن لارتياد العمل في المؤسسات الصناعية، ومراكز تطوير التقنية والبحث العلمي، وتملك الصناعات وادارتها، جدير بمزيد من الاهتمام، في نطاق المنطلقات الوطنية التي تختلف من بلد لآخر. وحول اثر الاستثمار الاجنبي المباشر على شروط العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ترى الدراسة ان احتياجات الصناعات القائمة في دول المجلس ـ خاصة الصناعات الصغيرة والمتوسطة، كما جاء في الابواب السابقة من هذه الورقة ـ ينصب جلها، في استخدام العمالة غير المدربة، اذ ان التقنية المستخدمة فيها، تقنية اولية بسيطة تقليدية، يحتاج استخدامها الى عمالة مكثفة، غير مدربة، وبالتالي، تتقاضى اجورا قليلة، تعتبر متدنية بالمقارنة مع الاجور في البلدان الصناعية، او البلدان النامية الاكثر تقدما في الصناعة. ويعتبر مستوى الاجور في دول مجلس التعاون اكثر ارتفاعا بالمقارنة مع اغلب الدول النامية. وتوضح ان جذب الاستثمار الاجنبي المباشر، لانشاء صناعات جديدة، من شأنه ان يتطلب كما اسلفنا استخدام كوادر وطنية قد حصلت على تعليم عال، وتم تدريب وتطوير مقدراتها، ولكي يتم جذبها، لابد له من دفع اجور عالية بالمقارنة مع الاجور المحلية. ان معدلات ارتفاع هذه الاجور، تزداد كلما زادت الحاجة والطلب لاستخدام هذا النوع من الكوادر في الصناعات الجديدة. على الرغم من ان هذا التطور الحتمي، في ميدان رفع الأجور وتحسين شروط العمل في الجوانب والمكونات الاخرى، قد يضيف اعباء جديدة على الصناعات الصغيرة والمتوسطة القائمة في دول المجلس، لاضطرارها لرفع اجور العاملين فيها، حتى تحافظ على الكوادر المدربة، التي تستقطبها الصناعات الجديدة التي تملكها الدوائر الاجنبية في دول المجلس، وبالتالي، تزيد تكلفة انتاجها، مما يترتب عليه ضعف قدرتها التنافسية في المدى القريب، او اعاقتها من مواصلة الانتاج. أبوظبي ـ «البيان»: