لم يكن مؤتمر دربان بجنوب افريقيا الذى اختتم أعماله فى التاسع من سبتمبر الماضى هو الاول فى اطار سعى المجتمع الدولى لمكافحة العنصرية بجميع أشكالها وواقع الحال يشير الى أنه لن يكون الاخير. فقد امتدت تداعيات اعتداءات الحادى عشر من سبتمبر الماضى على الولايات المتحدة لتمس سوق العمل الاوروبية بما يكشف استمرار تأصل مشاعر كراهية الاجانب والممارسات العنصرية تجاههم مما حدا بالمفوضية الاوروبية الى الموافقة على اقتراح بسن تشريع يقضى بتجريم الاعمال التى ترتكب على أساس العنصرية والعداء للاجانب فى كل دول الاتحاد الاوروبى وهو المشروع الذى سيناقشه وزراء داخلية وعدل أوروبا فى اجتماعهم خلال الشهر المقبل. والمفارقة أن اوروبا «التى سبق وأن خصصت عام 1998 لمكافحة العنصرية» تشهد تناميا للممارسات العنصرية ومشاعر كراهية الاجانب وتحميلهم مسئولية ارتفاع معدل البطالة وزيادة معدلات الجريمة. وكشف تقرير أصدره المركز الاوروبى لمتابعة التفرقة العنصرية والعداء للاجانب ومقره فيينا عن أن المسلمين والاقليات الاخرى المهاجرة الى دول الاتحاد الاوروبى تعانى من تفرقة وعداء وعزلة. كما أشارت دراسة أجرتها جامعة انسبروك فى النمسا الى أن حوالى 50% من النمساويين ممن استطلعت آراؤهم هم من العنصريين أو العنصريين المتطرفين ضد وجود الاجانب فى النمسا. وقد سبق أن أجرى استطلاع للرأى قبل ثلاث سنوات على مستوى دول الاتحاد الاوروبى كشف عن أن أوروبيا من بين كل ثلاثة أوروبيين يقر بأنه عنصرى. ويتوقع المراقبون زيادة هذه النسبة بعد اعتداءات الحادى عشر من سبتمبر الاخير على الولايات المتحدة حيث تعرض بالفعل العديد من المهاجرين الى أوروبا خاصة من البلدان الاسلامية لاعتداءات عنصرية. ففى انجلترا على سبيل المثال بلغ عدد من تعرضوا لاعتداءات ومضايقات بعد الاحداث الاخيرة أكثر من ثلاثمئة شخص. وعلى الرغم من أن استقدام المهاجرين الاجانب الى أوروبا كان فى بداياته قرارا تمليه الاعتبارات الاقتصادية، فقد ساهم هولاء فى نهضة اوروبا وعلى الرغم مما هو متوقع من تزايد الحاجة مستقبلا لاسهام المهاجرين فى النمو الاقتصادى لاوروبا نظرا لانخفاض معدل المواليد بها الى حد يثيرالقلق وارتفاع معدل السن بين المسنين الا أن أغلبية الدول الاوروبية ما زالت تنتهج سياسة تفرقة ازاء هولاء. ففى حين تصنف دول أوروبا نفسها على أنها من الدول العريقة ديمقراطيا الا أنها فى الغالب تحدد نظرتها الى المهاجرين اليها ومكانتهم فى مجتمعاتها حسب نظرتها الى الدول التى قدموا منها باستثناءات قليلة رغم وفود الآلاف من هولاء المهاجرين اليها بالطرق المشروعة وتمتع الكثيرين منهم بالكفاءات المطلوبة والمهارات والموهبة. وتشير التقارير الى أن الكثير من المهاجرين الى أوروبا الذين يطلق البعض عليهم اسم الدولة السادسة عشرة غير المعترف بها رسميا فى دول الاتحاد الاوروبى اذ يزيد مجموع عددهم بها على 17 مليون شخص يعانون ان لم يكن من البطالة فمن التفرقة فى سوق العمل. ولم تعد الصعوبات «التى يعانى منها هولاء فى مجال الحصول على وظيفة أو الاستمرار فى شغلها» خافيا، فقد كسرت بعض الدول حاجز الصمت حول هذه المسألة واعترفت بها وهو مؤشر على امكانية ايجاد حل لها مستقبلا. وأشارت التقارير الى أن معدل البطالة يزيد بين المهاجرين الاجانب المقيمين فى دول الاتحاد الاوروبى ثلاث مرات عن معدل البطالة بالنسبة لمواطنى الدول الاوروبية ممن هم فى سن العمل. وهناك دائما تفسير جاهز لتبرير ارتفاع معدل البطالة بين المهاجرين الاجانب الى اوروبا مقارنة بمواطنى تلك الدول وهو انعدام الكفاءة والتدريب اللازم لشغل الوظائف والمهارات المطلوبة وهو ما يتناقض على سبيل المثال وليس الحصر مع ما أشار اليه تقرير صادر عن المعهد الفرنسى لابحاث التنمية من انه فى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين هاجر الى اوروبا 30% من الايدى العاملة المدربة على أعلى مستوى من الدول الافريقية جنوبى الصحراء. غير أنه حتى فى حالة وجود مثل هذه المهارات والكفاءات فان الهوة تبقى كبيرة فى مجال شغل الوظائف خاصة وأن قانون مناهضة العنصرية فى مجال العمل غير مطبق. وفيما بين تشديد الدول الاوروبية لقوانين الهجرة اليها ودعوة منظمة الهجرة الدولية حكومات أوروبا بعد اعتداءات الحادى عشر من سبتمبر الماضى الى عدم اغلاق أبوابها امام المهاجرين وصدورالعديد من البيانات والقرارات التى تشجب وتحظرالممارسات العنصرية يبقى واقع الحال الذى يشهد بتنامى هذه الممارسات فى حاجة الى رؤية اكثر واقعية ومعالجة اكثر عملية. ووسط الصورة القاتمة للوضع الذى يعانى منه الكثير من المهاجرين من الممارسات العنصرية سواء فى الحياة اليومية أو فى مجال سوق العمل يلوح بصيص من الامل اذ أنه من الملاحظ أن بعض الدول الاوروبية والمنظمات الدولية تتجه حاليا الى معالجة هذه المسألة فى اطار الشراكة فى التنمية وان كانت المعالجة ستكون بما يخدم مصالح الدول الاوروبية فى المقام الاول قبل خدمة اهداف التنمية فى الدول المصدرة للمهاجرين. اذ طرحت بعض الدول الاوروبية خلال اجتماعات المكتب الدولى للهجرة برنامجا لحث المهاجرين على العودة الى بلادهم كى تستفيد بلادهم الاصلية من خبراتهم واستثماراتهم فى مجال التنمية والعمل. وطالب البعض بأن يتولى المكتب الدولى للهجرة بحث وتحليل احتياجات اسواق العمل فى أوروبا واعلام الدول المصدرة للمهاجرين بها مع حث هذه الاخيرة والدول الاوروبية التى يتجه اليها المهاجرون على الاتجاه الى الشراكة فى مجال التدريب والابحاث. ـ أ.ش.أ