في عالم الاقتصاد يعد «الفصل» من السنة فترة طويلة جداً ففي الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين والتي انعقدت في براغ في سبتمبر من العام الماضي كان المزاج السائد مفعماً بالتفاؤل، وكان الاقتصاد العالمي قد تجاوز سلسلة من الصدمات المالية في الاسواق الناشئة وظل الاقتصاد الجديد يحرك اقتصاد الولايات المتحدة الذي واصل تقدمه، وبدأت اوروبا اخيراً تظهر علامات على حدوث انتعاش قوي بينما بدأت اليابان تخرج من فترة كساد مطولة، واخذت ارقام النمو تتجه نحو الارتفاع. ووفقاً لتقرير الأونكتاد حول التجارة والتنمية في العام 2001 فإن المزاج يعتبر مختلفاً اليوم، فثمة هواجس ازاء مدى وسرعة التباطؤ الذي سيشهده اقتصاد الولايات المتحدة وما اذا كانت الادوات الاقتصادية الكلية التقليدية تستطيع ان تتعامل مع انتعاش سريع، ومدى سرعة تأثر الدولار، وما اذا كان الانتعاش الذي بدأ في اليابان سيخنق في المهد مرةاخرى، وما اذا كان من الممكن للاقتصاد الاوروبي ان يشق طريقه مما يكفي من السرعة لابقاء الاقتصاد العالمي في مساره، واذا لم يكن الامر كذلك، فما الذي يمكن ان يعنيه حدوث هبوط في النشاط الاقتصادي العالمي بالنسبة للانتعاش الذي لا يزال هشاً في آسيا. إصلاح البنية المالية الدولية وقال التقرير انه بين قصر نظر الاسواق العالمية وخرافة الحكومة العالمية، يمكن للقواعد والمؤسسات المتعددة الاطراف ان تساعد في الحد من تقلبات الاسواق ومنع تنافر ردود افعال السياسات العامة ازاء الصدمات الاقتصادية. وبالنسبة لمهندسي النظام المتعدد الاطراف لفترة ما بعد الحرب الذين اجتمعوا في بريتون وودز، كان الدرس المستفاد من التاريخ هو ان الاسواق المالية تشكل مرتعا خصبا بصفة خاصة لعدم الاستقرار والصدمات وان التحكم بالتدفقات الرأسمالية هو شرط مسبق لتأمين استقرار العملات وانتعاش التجارة والنمو الاقتصادي. وذكر التقرير ان انهيار نظام بريتون وودز في اوائل السبعينيات افضى إلى بدء فترة من عدم التيقن وعدم الاستقرار على الصعيدين المالي والاقتصادي، وهي فترة كانت لها على الاقل بعض خصائص فترة ما بين الحربين. وقد اتخذت مبادرات مختلفة في محافل مختلفة عقد فيها الامل على ايجاد نظام ادارة يتوافق مع تطبيق اسعار صرف مرنة ومع حدوث تدفقات رأسمالية خاصة واسعة النطاق. وتاريخ هذه المبادرات يمكن ان يشير إلى تحقيق بعض النجاح ولكنه قد تبين بصورة عامة انه غير مرض. وهذا يرجع جزئيا إلى ان هذه المبادرات قد بنيت على اساس الفصل بين المشاكل التي تواجه البلدان المتقدمة والبلدان النامية في اطار الترتيبات المالية المتعددة الاطراف. وذكر التقرير انه وعندما اندلعت الازمة المالية الآسيوية، بد ان كل ذلك سيتغير. وقد بدا ان قرعة القوى الاقتصادية التي اطلق العنان لها بعد انهيار العملة التايلاندية في يوليو 1997، وفيما بين البلدان ذات السجل البارز في مجال الحكم السديد والانضباط الاقتصادي الكلي، تؤكد الطابع البنيوي والنطاق العالمي لازمات العملات والازمات المالية. الا انه بالرغم من ان بعض المسئولين عن رسم السياسات في الاقتصادات الصناعية الرائدة قد شددوا في البداية على ضرورة الاصلاح البنيوي، فإن التحركات في ذلك الاتجاه قد توقفت في وقت لاحق. وبدلا من انشاء مؤسسات وآليات على المستوى الدولي للحد من احتمال حدوث مثل هذه الازمات وتحسين ادارتها عندما تحدث بالفعل، كان هناك تشديد احادي الجانب إلى حد بعيد على اصلاح المؤسسات والسياسات المحلية في البلدان النامية. ولقد ركزت الجهود المبذولة في السنوات القليلة الماضية على التدابير الرامية إلى تأمين انضباط المدينين وتوفير آليات مكلفة للدفاع عن النفس. وتم حث البلدان على تحسين ادارة المخاطر من خلال اعتماد معايير مالية صارمة، وتحسين الشفافية، والاخذ بنظم مناسبة لاسعار الصرف، والاحتفاظ باحتياطيات ضخمة والدخول في ترتيبات طوعية مع الدائنين الخاصين لاشراكهم في حل الازمة. ولئن كان من المؤكد ان لبعض هذه الاصلاحات اسسا موضوعية سليمة، فإنها تفترض ان سبب الازمات يرجع في المقام الاول إلى جوانب الضعف التي تشوب السياسات والمؤسسات في البلدان المدينة وبالتالي فإنها تلقي بعبء مسئولية الاصلاح على كاهل هذه البلدان. وعلى النقيض من ذلك، لا يولي سوى القليل من الاهتمام للدور الذي تلعبه المؤسسات والسياسات في البلدان الدائنة في اندلاع الازمات المالية الدولية. المؤسسات الدولية وما برحت المقترحات الداعية إلى انشاء مؤسسات دولية جديدة تهدف على نحو صريح إلى تنظيم وتثبيت التدفقات الرأسمالية الدولية تواجه رفضا من قبل النقاد باعتبارها من انتاج خوارج يفتقرون إلى الحس السياسي والمعرفة الفنية. اما نهج الاصلاح المفضل فقد سعى إلى وضع مدونات ومعايير مختلفة للمساعدة في تقوية النظم المالية المحلية في البلدان المدينة، وتعزيز قدراتها في مجال صياغة السياسة الاقتصادية الكلية والسياسة المالية، وتحسين جمع المعلومات والكشف عنها. ولقد سبق لمؤسسات بريتون وودز والهيئات القائمة في بازل ومنتدى الاستقرار المالي ان قدمت سلسلة من المقترحات التي تنطلق من هذه الاسس. ويمكن لهذه التدابير ان تحقق فوائد واضحة بذاتها ولكنها لا يمكن تقييمها تقييماً صحيحا الا باعتبارها جزءا من عملية متطورة لتحقيق الاستقرار في الاسواق المالية العالمية. ولكن الامر الاهم الآن بالنسبة للبلدان النامية هو ان ما اقترح حتى الآن تحت عنوان المدونات والمعايير انما يجسد رأيا مفاده ان المشاكل الرئيسية تكمن في البلدان التي تتلقى التدفقات الرأسمالية، ولكن هذه المقترحات لا تنطوي لا على تغيير رئيسي في السياسات والممارسات في البلدان التي تصدر منها هذه التدفقات ولا على تحسين في شفافية وتنظيم العمليات المالية التي تتم عبر الحدود والتي لا تزال غيرمنظمة في الوقت الحالي. وبالرغم من التشديد على الاعتماد الطوعي لهذه المقترحات، فإن هناك خطرا يتمثل في ان الحوافز والعقوبات المرتبطة بوضع المعايير ستصبح من سمات الاشراف الذي يمارسه صندوق النقد الدولي وما يفرضه من شروط يترتب على الامتثال لها القاء المزيد من الاعباء الثقيلة على القدرات الادارية للعديد من البلدان حماية الدول النامية وقال التقرير انه وبالنظر إلى ان قدرا كبيرا من قوة الدفع في اتجاه تحسين المدونات والمعايير يفترض ان يتم تطبيقها ضمن نظام مالي عالمي مستقر ويمكن التنبؤ به، فإن الاخذ بهذه التدابير لا يسهم كثيرا في توفير الحماية الفورية للبلدان النامية من التقلبات التي تحدث في جانب العرض في التدفقات الرأسمالية الدولية التي تتأثر بقوة بالسياسات والاوضاع النقدية في البلدان الصناعية الرئيسية. والازمات الرئيسية الدولية التي تتأثر بقوة بالسياسات والاوضاع النقدية في البلدان الصناعية الرئيسية. والازمات الرئيسية التي حدثت في الاسواق الناشئة تكاد تكون جميعها مرتبطة بالتحولات في اسعار الصرف والسياسة النقدية المنتهجة في تلك البلدان. وتكمن الاسباب الجذرية لهذه المشكلة، إلى حد بعيد في الاخفاق في انشاء نظام مستقر لاسعار الصرف بعد انهيار ترتيبات بريتون وودز. وقد كان المتوقع السائد حينئذ هو ان التعويم فيما بين عملات الاحتياط الرئيسية سيفضي تلقائيا إلى تكييف منظم لموازين المدفوعات، وزيادة استقرار اسعار الصرف، وتعزيز استقلال السياسة الاقتصادية الكلية. ولكن هذا لم يحدث. بيد انه لئن كان الضرر المتكبد من جراء السلوك غير المنظم على صعيد اسعار الصرف قد اقتصر على اقتصادات مجموعة الثلاثة، فإن الحالة لم تكن كذلك بالنسبة للبلدان النامية المدينة التي تعتمد اعتمادا اشد على التجارة والتي تتعرض بسبب حجم اقتراضها لمخاطر اشد فيما يتصل بأسعار صرف العملات. وعلى الرغم من وجود توافق في الآراء مفاده انه ينبغى لمؤسسات بريتون وودز ان تعود إلى ما يمكنها ان تفعله على الوجه الافضل، فإن المناقشة المتعلقة باصلاح النظام المالي والنقدي الدولي قد تجنبت حتى الآن اية اشارة جدية إلى الكيفية التي يمكن بها لصندوق النقد الدولي ان يساعد في اعادة بناء نظام مستقر لاسعار الصرف فيما بين عملات مجموعة الثلاثة. وقد تنحيت جانبا المقترحات الخاصة بتأمين قدر اكبر من الاستقرار من خلال تنسيق التدخلات والاجراءات المتخذة على صعيد السياسة الاقتصادية الكلية، بما في ذلك تحديد مناطق مستهدفة يتم انشاؤها بصورة رسمية، وتركزت المناقشات حول مزايا ومساويء اعتماد البلدان النامية لنظم اسعار صرف ثابتة او معومة وسياسات اقتصادية كلية متوافقة مع واحد او اكثر من هذه الحلول الاساسية». وهذا يغفل الادلة المتزايدة على ان البلدان النامية لا تستطيع منفردة ان تكفل المواءمة والاستقلال المناسبين لاسعار صرف عملاتها مادامت عملات الاحباط الرئيسية تخضع لتحولات متكررة ولاختلالات في اسعار الصرف بينما تتعرض التدفقات الرأسمالية الدولية لتقلبات كبيرة خارجة عن سيطرة البلدان المتلقية. تحديد الكيفية وبالنظر إلى عدم احراز سوى القليل من التقدم فيما يتصل بالطريقة الافضل لمنع نشوء الازمات المالية، اخذ الاهتمام يتحول على نحو متزايد نحو تحديد الكيفية التي يمكن بها على افضل وجه الحد من الاضرار التي تترتب على هذه الازمات من خلال التصدي لها بسرعة وبمزيد من الفعالية عند حدوثها. ولقد كانت برامج الانقاذ الكبيرة الخيار المفضل حتى الآن في معظم البلدان الدائنة والمدينة على السواء ولكنها اصبحت تثير المشاكل على نحو متزايد. فهي لا تولد مخاطر معنوية بالنسبة للدائنين فحسب بل انها تؤدي إلى تحويل عبء الازمة بالقائه على كاهل دافعي الضرائب في البلدان المدينة. يضاف إلى ذلك ان هذا النهج يواجه معارضة سياسية في البلدان الدائنة مع تزايد وتيرة الازمات واتساع نطاقها ومع تعاظم حجم الاموال اللازمة. ولذلك فقد التمست سبل ووسائل تصحيح ميزان تقاسم الاعباء بين الدائنين الرسميين والخاصين، وكذلك بين المدينين والدائنين، عن طريق اشراك الدائنين الخاصين في ادارة الازمات وحلها. وهذه مسألة مثيرة للجدل. فبينما اخذ المجتمع الدولي يعترف بأن ضوابط السوق لن تكون ناجحة الا اذا تحمل الدائنون عواقب مخاطراتهم، فإنه لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق حول كيفية تحقيق ذلك. وما برحت امانة الاونكتاد تدعو منذ فترة من الوقت إلى تجميد مؤقت لمدفوعات سداد الديون خلال حالات الازمات دون قيام الدائنين بانتزاع الاصول، بالاضافة إلى استمرار الاقراض بعد التأخر في السداد من اجل ضمان ان تتوفر للمدينين امكانية الوصول إلى رأس المال المتداول. وبالرغم من ان هذه الاجراءات لا تستلزم ان تكون هناك اجراءات افلاس دولية مكتملة، فإنها تحتاج بالفعل إلى دعم الزامي فعال على المستوى الدولي. ولقد لقى مثل هذا الدعم معارضة قوية من قبل بعض القوى الاقتصادية الرئيسية والمشتركين الرئيسيين في الاسواق ممن يحبذون اعتماد ترتيبات طوعية بين المدينين والدائنين. كما ان الحكومات في بعض البلدان المدينة قد اعرضت ايضا من دعم هذا الاقتراح خشية ان يؤدي إلى اعاقة وصولها إلى اسواق رأس المال الدولية. بيد انه من المستبعد ان تؤدي الترتيبات الطوعية، مع انه من المحتمل ان تكون مفيدة في اعادة تنظيم الديون، إلى وقف التسابق نحو انتزاع الاصول. وهنا ايضاً تشير الادلة المستمدة من التسويات الحديثة إلى انه اذا لم تكن هناك حماية قانونية للمدينين فإن ميزان القوى سيظل محتلا اختلالا شديدا لصالح الدائنين. وينبغي لاية استراتيجية موثوقة لاشراك القطاع الخاص في ادارة الازمات وحلها ان تجمع بين التجميد المؤقت الالزامي لسداد الديون وفرض حدود صارمة على امكانية الوصول إلى موارد صندوق النقد الدولي. وتتمثل اول خطوة في هذا الاتجاه في تصميم مباديء توجيهية صريحة في اطار مواد الاتفاقية المؤسسة لصندوق النقد الدولي تسمح بوقف لجوء الدائنين إلى القضاء وذلك من اجل توفير حماية قانونية للمدينين الذين يطبقون التجميد المؤقت. ومن جهة ثانية، وبالنظر إلى ان الهدف الرئيسي لعمليات الاقراض الواسعة النطاق في حالات الازمات او الطواريء يتمثل في ابقاء المدينين القادرين على الوفاء بالتزاماتهم ازاء الدائنين، فسيكون من الصعب ضمان اشراك القطاع الخاص دون تقييد امكانية الوصول إلى التمويل الذي يقدمه صندوق النقد الدولي. والواقع ان هناك اتفاقاً متزايداً على ضرورة تقييد القراض في حالات الازمات. ويجب الاعتراف لدى وضع هذه القيود، بأن الحصص الحالية المطبقة في صندوق النقد الدولي قد تلكأت إلى حد بعيد عن مواكبة نمو الناتج العالمي والتجارة والتدفقات المالية العالمية ومن ثم فإنها قد لا توفر معايير مناسبة لتقييم الحدود المرجوة التي يتعين فرضها على امكانية الوصول الاعتيادي. بيد ان النهج الحالي لا يزال فيما يبدو يحبذ برامج الانقاذ الكبيرة بالنسبة لتلك البلدان التي يعتبر انها تواجه مخاطر بنيوية عن الدفع من اجل اشراك دائنيها الخاصين في حل صعوباتها المالية. صندوق النقد الدولي ان التغييرات السابقة الذكر ليست التغييرات الوحيدة اللازمة في ولايات وسياسات مؤسسات بريتون وودز. فعلى مدى العقدين الماضيين، كان في عدم استعداد البلدان المتقدمة للرجوع إلى صندوق النقد الدولي لمعالجة المسائل النقدية والمالية المثيرة للخلاف والتي تؤثر مباشرة على مصالح هذه البلدان ما يدل على ان اشراف الصندوق على سياسات اهم القوى الفاعلة في النظام العالمي قد فقد اي مغزى حقيقي. وما حدث بدلا من ذلك هو تزايد كثافة الاشراف على البلدان النامية الذي اتسع نطاقه الآن ليشمل قضايا القطاع المالي تماشياً مع التخشيص الذي يعتبر ان الشوائب الرئيسية انما توجد في البلدان المدينة. ومن نتائج ذلك ما يتمثل في توسيع الشروط المرتبطة بالقروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي للبلدان التي تواجه أزمات فعلية او محتملة. وقد اثار هذا هواجس جدية ازاء اضعاف مسئولية الدول ذات السيادة حتى وان كانت فعالية اشراف الصندوق قد اصبحت موضع شك متزايد. ولقد تزايدت هذه الهواجس في اعقاب الازمة التي حدثت في شرق اسيا عندما افضت الشروط المفرطة الى ردود فعل على صعيد السياسة العامة أدت الى تفاقم الازمة. ونتيجة لذلك، ظهرت دعوات، بما في ذلك ضمن اللجنة النقدية والمالية الدولية، تنادي بتبسيط واعادة تركيز الاشراف بما يتوافق مع الاختصاصات الاساسية لصندوق النقد الدولي في مجال اصلاح السياسة الاقتصادي الكلية وغيرها من الاصلاحات ذات الصلة. إلا ان الصعوبات المالية التي ظهرت مؤخراً في تركيا والارجنتين تدل على عزوف عن التخلي عن الممارسة السابقة المتمثلة في ربط اية صفقة قروض يتم التفاوض عليها مع الصندوق بتنفيذ توصيات واسعة النطاق على صعيد السياسة العامة. التقلبات في اسعار الصرف ومع التقلبات في اسعار الصرف والسياسات النقدية في الاقتصادات الصناعية الرئيسية التي كانت بمثابة محفز لاندلاع ازمات في اماكن اخرى من الاقتصاد العالمي، يجب ان يكون من أولويات عملية الاصلاح تعزيز آليات الاشراف من اجل بلوغ حد ادنى من التماسك والاتساق فيما بين السياسات الاقتصادية الكلية لتلك البلدان. وبالنظر الى جوانب التنافر في الممارسات القائمة، فإن من الخطوات التي يمكن اتخاذها ما يتمثل في ربط اجراءات الاشراف بآلية مماثلة لتلك المستخدمة لاغراض تسوية المنازعات في التجارة الدولية حيث يمكن تناول الاختلافات المتعلقة بتأثير السياسات الاقتصادية الكلية والمالية والسعي الى حلها. ولقد كان الهدف من مقترحات الاصلاح الاكثر جذرية والتي تم تقديمها حتى الآن هو تعزيز توافق الآراء حول ضرورة قيام الصندوق بتوفير السيولة الدولية لا للبلدان التي تواجه صعوبات في الحسابات الجارية فحسب وانما ايضا لتلك البلدان التي تواجه ازمات في الحساب الرأسمالي، ووفقاً للجنة ميلتزر، فقد آن الآوان لجعل صندوق النقد الدولي المقرض الدولي الاخير بالنسبة لاي اقتصاد قادر على تلبية سلسلة من شروط الملاءة المسبقة. وهذا الاقتراح يثير شاغلين رئيسيين. فهو من جهة يحتمل ان يسفر عن مخططات انقاذ اكبر بكثير من تلك القائمة في حالات الازمات مع ما يلازم ذلك من مشاكل المخاطر المعنوية بالنسبة للمقرضين دون وجود اية حوافز لاشراك القطاع الخاص. ومن جهة ثانية فإن أي تحول جذري في سياسة الاقراض التي ينتهجها صندوق النقد الدولي في اتجاه التمويل القصير الاجل للحساب الرأسمالي من شأنه ان يحرم من الوصول إلى التمويل المتعدد الاطراف جميع البلدان النامية التي تعتبر غير مهمة على مستوى النظام المالي الدولي. وهذه المقترحات تنطوي على ثقة غير متناسية بقوى السوق سواء فيما يتصل بحل الازمات المالية او بتوفير التمويل لاغراض التنمية. وقد كان احد الاهداف الاصلية لصندوق النقد الدولي ان يوفر تمويلا قصير الاجل للبلدان التي تواجه مشاكل في الحساب الجاري نتيجة لصدمات واضطرابات مؤقتة وذلك من اجل ضمان حدوث عملية تكيف منظمة. ولا تزال التجربة تدل على ان الاسواق المالية كثيرا ما تخفق في تلبية مثل هذه الاحتياجات لانها تترع لان تكون دورية المنحى. وبالنظر إلى تزايد عدم استقرار البيئة التجارية والمالية الخارجية للبلدان النامية، فإن أي اصلاح فعال لمؤسسات بريتون وودز ينبغي ان يسعى إلى تحسين، وليس ازالة، تمويل الصفقات التجارية وغيرها من الصفقات الجارية لمواجهة التقلبات الدورية وحالات الطواريء. الصعوبات المفاهيمية ومن المؤكد ان هناك عددا من الصعوبات المفاهيمية والتقنية في تصميم آليات عالمية ذات فعالية معقولة من اجل تحقيق استقرار العملات والاستقرار المالي. وهذه الصعوبات مألوفة في تصميم النظم الوطنية. ولكن هناك على المستوى الدولي مشاكل سياسية اضافية ترتبط باقامة التوازن الصحيح بين الضوابط المتعددة الاطراف والسيادة الوطنية. والواقع ان القيود والمنازعات السياسية تشكل فيما يبدو السبب الرئيسي لعدم تمكن المجتمع الدولي حتى الان من إحراز أي تقدم ذي شأن في وضع ترتيبات عالمية فعالة لمنع حدوث الأزمات المالية وإدارتها. فقد كان المحرك لهذه العملية بصفة خاصة مصالح البلدان الدائنة الرئيسية التي تستأثر بالقدر الأعظم من القوة في المؤسسات المالية المتعددة الأطراف وكذلك في الهيئات التي انشئت في عهد أقرب بقصد صريح هو إصلاح البنية المالية الدولية. ونتيجة لذلك، استبعد من جدول أعمال عملية الاصلاح الكثير من القضايا التي تتسم بأهمية حاسمة بالنسبة للبلدان النامية. واذا أريد لإصلاحات الهياكل المالية القائمة ان تكون جديرة بالثقة، فيجب ان تتيح ممارسة قدر أكبر بكثير من التأثير الجماعي للبلدان النامية وان تجسد روح تعاون حقيقية فيما بين جميع البلدان. وهذا يتطلب عملية إعادة صياغة رئيسية لجدول أعمال الاصلاح، كما انه يتطلب دراسة متأنية لمسألة التمثيل في المؤسسات المالية الحالية المتعددة الأطراف وممارساتها في مجال صنع القرار. ولكنه من المهم بالقدر نفسه ان تتوصل البلدان النامية نفسها الى توافق في الآراء حول الطريقة التي تريدها للمضي قدما في عملية الاصلاح. وفي حين ان هذا التوافق في الاراء غير متوفر فيما يتصل بعدة قضايا تندرج على جدول أعمال عملية الاصلاح، فإن هناك الكثير من الأهداف المشتركة، بما في ذلك: معاملة المدينين والدائنين معاملة أكثر توازنا وتماثلا فيما يتصل بالمعايير والشفافية والتنظيم، والتوصل الى أسعار صرف أكثر استقرارا، وضمان ان يكون الاشراف متجانسا، وان تكون الشروط أقل تدخلا، والأهم من ذلك ان تكون هناك مؤسسات وعمليات متعددة الأطراف أكثر ديمقراطية وتنطوي على قدر أكبر من المشاركة، ثم ان الاصلاح الفعال للنظام النقدي والمالي الدولي سيعتمد في نهاية المطاف على استعداد البلدان النامية لتنظيم جهودها من أجل تحقيق هذه الأهداف المشتركة، كما سيعتمد على قبول البلدان المتقدمة بأن مراعاة هذه الأهداف ستشكل جزءا أساسيا من عملية بناء نظام أكثر شمولا للإدارة الاقتصادية العالمية. وفي غياب أية ترتيبات جماعية لإقامة نظام مالي دولي مستقر، ينبغي للبلدان النامية ان تتجنب الالتزامات التي تقيد استقلال سياساتها فيما يتصل بالتعامل مع عدم الاستقرار المالي. وقد أصبح هناك اهتمام متزايد بالترتيبات الاقليمية لتوفير آليات للدفاع الجماعي في مواجهة الاختلالات في النظام وحالات عدم الاستقرار، وقد أصبح ينظر الى العملات الاقليمية، بما في ذلك في مجالات من قبيل نطاقات أسعار صرف العملات داخل المنطقة، وآليات التدخل، والنظم الخاصة بحركات رأس المال، وتسهيلات دعم المدفوعات وترتيبات المقرض الاقليمي الأخير. ولعل الأخذ بمثل هذه الترتيبات فيما بين البلدان النامية يتطلب ان يكون هناك بلد تتخذ عملته كعملة احتياط رئيسية ويكون مستعدا للاضطلاع بدور رئيسي لهذه الغاية وقادرا على ذلك. وفي هذا الصدد، يمكن للمبادرات التي اتخذت مؤخرا في آسيا واشتملت على بلدان نامية بالاضافة الى اليابان ان تشكل خطوة هامة الى الأمام في اتجاه تعزيز الاندماج النقدي الاقليمي. كتب مصطفى عبدالعظيم: