من المتوقع ان تعاود دول مجلس التعاون الخليجي اظهار عجوزات في ميزانياتها المالية للعام المقبل وذلك بضوء التدهور الحالي في اسعار النفط وتوقع استمراره العام المقبل ينظرا لموجة الركود الاقتصادي العالمي ولا سيما اقتصاديات الدول الصناعية الرئيسية. لقد لجأت دول المجلس في السابق إلى اعتماد عدة وسائل لمواجهة تراجع الايرادات النفطية حيث تركزت هذه الوسائل على تخفيض حجم الانفاق الاستثماري حيث لا يمكن المس بحجم الانفاق وكذلك زيادة حجم الاقتراض من صناديق التنمية العربية و الاقتراض من السوق المحلي من خلال سندات الخزانة وسندات الدين. وعلى الرغم من ان هذه الوسائل تعتبر أفضل البدائل المتاحة امام هذه الدول في الوقت الحاضر. إلا انه لا تخفى تأثيراتها السلبية ايضا. اذ ان تقليص حجم الانفاق الاستثماري يعني ضخ اموال اقل في الاقتصاد الوطني مما يعني تراجع معدلات النمو الاقتصادي خصوصا ان الانفاق الحكومي يسهم بنحو 50 ـ 70% من الناتج المحلي الاجمالي. كما ان الاقتراض الداخلي والخارجي يمثل عبئاً مؤجلاً على ميزانية هذه الدول.اما بالنسبة لاولويات الانفاق الاستثماري فقد فرضت نفسها كما يقال حيث اعطت الاولوية لمشاريع البنية الاساسية كالاسكان والطرق والتعليم والصحة. ويتضح من التجربة التاريخية للاقتصاديات الخليجية اهمية دور الايرادات النفطية لايرادات القطاع العام. فمنذ عام 1987 وحتى عام 1999 بلغ متوسط مساهمة الايرادات النفطية 85.1% من اجمالي ايرادات القطاع العام. والحال بالنسبة للصادرات النفطية ليس ببعيد عن ذلك المتعلق بأهمية ايرادات النفط للموازنة العامة وتبين ذلك الاحصاءات حيث تؤكد على استحواذ نسبة مساهمة صادرات المنتجات النفطية على النسبة الاعلى. فقد تراوحت النسبة بين حد اقصى بلغ 93.2% بعام 1980 وحد ادنى بلغ 59.7% بعام 1999. وهي بذلك تعد المورد الرئيسي للعملات الصعبة لدول المجلس ونظرا لامتلاك الحكومات لهذا المورد فانها تعد الممول الرئيسي لعملية التنمية في دولها. لقد ادى الارتفاع الهائل في الايرادات النفطية الى اضطلاع الحكومة بدور اكبر ومسئوليات اوسع مما هو عليه الحال في البلدان النامية، وشكلت بالتالي السياسات الحكومية المختلفة والمالية منها على وجه الخصوص حجر الزاوية في توزيع واستخدام الموارد على مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. كما شهدت العقود الثلاثة الماضية انتقال جزء كبير من العوائد النفطية الى القطاع الخاص، وذلك من خلال الاساليب التي انتهجتها الحكومات لاعادة توزيع الثروة سواء اخذت هذه شكل توزيع الاراضي او التوسع في التسهلات المصرفية بفوائد منخفضة، او التوظيف الحكومي.. الخ وازدادت بالتالي مشاركة القطاع الخاص، وان كانت بصورة محدودة، في النشاطات الاقتصادية. وبسبب هذا الدور الكبير للدولة في الاقتصاد الوطني، والتي اصر البعض بتسميته بدولة الرفاهية التي تكونت خلال العقود القليلة الماضية، ادت الى انتهاج المجتمع الى نمط استهلاكي غير منتج. فعلى سبيل المثال كانت ولا تزال السلع الكمالية والترفيهية تمثل نسبة كبيرة من اجمالي الواردات. اضافة الى ذلك دور الدولة ساهم في تحفيز المجتمع لاستخدام الآخرين لاداء مختلف الاعمال والخدمات، الامر الذي ادى الى استقدام العمالة الوافدة وخاصة الخدم من الخارج، وقد ساعد ذلك في انخفاض الانتاجية العامة. اضافة الى ان الادخار كان شبه منعدم حيث كان من الامكان تحويل الفائض الى استثمارات ضخمة. وستدل على ذلك بأن مؤشر ربط الانفاق العام بالناتج القومي لا يتجاوز في المتوسط 2.-3.% من الحجم الكلي في الدول المتقدمة بينما في الخليج قد يصل الى معدل 5.-6.% خلال الفترة 74 الى 1999 وهذه نسبة خطيرة جدا، وستؤثر بمرور الزمن في اداء الانتاج المحلي للاقتصاد الوطني. وبسبب اعتماد المجتمع الخليجي على الدولة اصبحت الدولة عاجزة عن تقليص بند الرواتب والاجور من دون ان يتسبب ذلك في انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة. ونجد ان جميع الابواب الاخرى في الميزانية قابلة للتقليص ولكن هذا البند يتراكم وليس هناك قدرة على ايقاف تراكمه السنوي بشكل حاسم. وقد ادى هذا الى البطالة المقنعة التي تصل في بعض دول الخليج الى اكثر من 80 الف موظف. وكل هذا يمثل عبئا على الدولة. ان النفط لا يزال يمثل المورد الاساسي لجميع دول مجلس التعاون، وبالتالي فان التقلبات في الايرادات النفطية تنعكس بشكل مباشر وكبير على برامج التنمية. ومن هنا تتأكد الحاجة الى اتخاذ مزيد من الخطوات والاجراءات سواء في جانب اوجه الايرادات او اوجه الانفاق للمساعدة على التغلب على الاثار الناجمة عن تراجع الايرادات النفطية وتوفير ارضية مستقرة لتنفيذ برامج التنمية ومشروعاتها الحيوية وبالتالي تعزيز مسيرة التنمية الاقتصادية. ان امام دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الخطوات والوسائل التي يمكن اتخاذها بحيث تتزامن مع فترة تنفيذ مشروع الموازنات الجديدة في حين هناك بعض الخطوات والاجراءات ذات طابع متوسط وطويل الاجل. على سبيل المثال بالنسبة إلى النوع الأول من الخطوات أي القصيرة الاجل، العمل ـ وفي جانب الايرادات ـ على تنشيط برامج التخصيص، وبالذات من خلال بيع حصص الحكومة في بعض الشركات المقفلة او المساهمة من خلال البورصة، واعادة دراسة الخدمات المقدمة من قبل دوائر الدولة المختلفة واعادة تسعيرها بشكل معقول، وخاصة الخدمات التي تعتبر ثانويه او كماليه، البحث عن اسواق جديدة لصادرات الصناعات الاساسية لتجنب الاضطرابات في بعض الاسواق مثل آسيا. اما في جانب النفقات، فيتوجب دراسة مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي في تنفيذ مشروع البنية الاساسية واتخاذ مبادرات لادخال القطاع الخاص بشكل اكبر في تنفيذ وتملك المشروعات الاسكانية. اما بالنسبة للخطوات المتوسط والطويلة الأجل، فانه من الصعب تصور تنمية ايرادات دول المجلس بضوءالتوقعات الراهنة باستمرار تراجع اسعار النفط على المدى المتوسط . الا ان الجانب الاهم هو دراسة كيفية تجاوز تأثيرات تراجع ايرادات النفط على الاقتصادات الوطنية والتنمية الاقتصادية ككل . وهذا لا يتأتى الا بإيجاد البدائل الملائمة لآليات اقتصادية تدفع بمسيرة هذه الاقتصاديات والتنمية ككل. ونعنى بذلك قيام القطاع الخاص بضخ استثمارات اكبر بضمن عجلة الاقتصاد تؤهله لكي يلعب الدور الاساسي في الناتج المحلي الاجمالي. لذلك فان حكومات دول المجلس يجب ان تواصل سياساتها وخطواتها الهادفة الى توفير مناخ ملائم ومستقر لتنمية الاستثمارات المحلية والاجنبية. وهذه السياسات والخطوات يطول الحديث حولها. ان اعتماد استراتيجيات التنمية سوف يبقى على الموارد البشرية والطبيعية المتوفرة بدول المجلس وكذلك الموقع الجغرافي المتميز. ولكن في ظل المنافسة الشديدة من قبل الدول المختلفة اقليميا ودوليا، هل يمكن اعتبار هذه العوامل كميزة نسبية تتمتع بها دول المجلس مع الدول المنافسة؟ خاصة وان هذه الدول تتمتع بموارد طبيعية هائلة وبنفقات عالية على التعليم والتدريب. لذلك لابد من مواصلة تطوير مناهج التعليم والادارة، حيث ان نظام التعليم هو الذي يصنع ويخلق جهاز الادارة، وجهاز الادارة، في الوقت نفسه، هو الذي يطور جهاز التعليم. كذلك ضرورة الانفتاح على التقدم العلمي والتكنولوجي وتأهيل المؤسسات الانتاجية الوطنية تأهيلا كاملا من حيث الانتاج والترويج والتمويل والاستثمارات وتأهيل القطاع الخاص ليكون قادرا على تطوير الاداء الاقتصادي وتبني الاساليب الحديثة ومواصلة نهج التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية والعربية.