تطرقنا في الحلقتين الماضيتين الى عنصرين من عناصر نظرية التوزيع الاسلامي وهما الفائدة والاجر. ففي الوقت الذي حرم فيه الاسلام عائد رأس المال النقدي (الفائدة) معتبراً اياه (ربا) وايا كان نوعه واستعماله، فانه بالمقابل رفع من قيمة الاجر وأهميته جاعلاً منه عنصراً اساسياً لأمن حياة الانسان الاقتصادية والمادية وحسب وانما عامل حاسم في كرامته، ولم يستخدم الاسلام المناشدات الاخلاقية أو المواعظ الدينية في تحديد قيمة الآجر. ولم يرض بالأجر القليل الذي لايؤمن مستوى معيشة لائق للعامل ولاسرته حتى وان رضي به صاحبه. كذلك لم يترك هذا الموضوع الحيوي لقوانين العرض والطلب، كما هو عليه الحال في الفكر الوضعي، الذي يقوم كل تحليله في الأصل على حد الكفاف، بل ارتفع الفكر الاسلامي الى درجة راقية بأن جعل مستوى الاجر يتحدد بحد الكفاية، وهدف الاسلام من ذلك تحقيق مجتمع العدل والكفاية، لا مجتمع الحيف والظلامة، وهذا الموقف السامي لم يصله الفكر الحديث بعد. اليوم نتطرق الى العنصر الثالث من عناصر نظرية التوزيع، عائد عنصر التنظيم وهو الربح ومن المعلوم في الفكر الاقتصادي ان عوامل الانتاج اربعة وهي الارض والموارد الاقتصادية وعائدها الريع والذي سنتكلم عليه في الحلقة التالية والأخيرة، ثم عنصر العمل والذي أهم عنصر من عناصر الانتاج في الفكر الاقتصادي الحديث والقديم، الوضعي والآلهي، وعائد هذا العنصر هو الاجر. ثم عنصر رأس المال وعائده «الفائدة»، ان المفهوم الحديث للربح كما نوهنا، هو عائد صاحب العمل أو بالأصح مدير المشروع، والمدير ليس بالضرورة فرداً أو حتى مجموعة أفراد، وانما المقصود به إدارة المشروع ككل، واذا اردنا ان نتعمق أكثر فان الربح هو ثمن الريادة والابتكار في المشروع وليس إدارة المشروع بالمعنى الحرفي للإدارة، والرائد والمبتكر هو الذي يقدم عناصر ديناميكية (حركية) جديدة في المشروع، كان يكثف طرق إنتاجية جديدة أقل كلفة وأكثر ربحا، أو انه يبتكر اساليب متطورة في العمليات الاقتصادية المختلفة أو انه يدخل لأسواق جديدة، أو ينتج مصادر وموارد اقتصادية جديدة. ان مفهوم الاسلام للربح أوسع من ذلك المفهوم السابق، اذ انه يشتمل بالاضافة الى عناصر الربح في النظرية الاقتصادية الحديثة عناصر أو مفهوم الربح التجاري الناجمة عن عمليات البيع والشراء، لاشك ان الاسلام يحث بني البشر على العلم والعمل وذلك لتحقيق مهمة الاستخلاف الاسلامية في الارض، وعمارتها، ولذلك فان المنظم الاسلامي يستحق عائداً، مثلما هو الحال في الفكر الاقتصادي الحديث، ولكن الى اية نسبة؟ والى أي مقدار؟ فان ذلك غير محدد في الفكر الاسلامي. ومثلما يوجد بعض الاختلاف في تحديد الأجر العادل ومستوى المعيشة المقرر بحد الكفاية، فقد اختلف في تحديد السعر العادل وبالتالي الربح العادل، والبعض من الفقهاء يحدده بمقدار «العرف» والعرف مصدر هام من مصادر التشريع الاسلامي «خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين»، واذا كان مفهوم الاجر العادل والسعر العادل في العصور الوسطى في أوروبا غامضاً، فان الاختلاف الفقهي الاسلامي لايعني غموض هذا الفكر وانما ليقدم هذا الاختلاف تسهيلات فقهية واسعة تتلاءم وتطورات الحاجة، والاختلاف الفقهي الاسلامي سواء كان في المعاملات أو العبادات، يعد ميزة من مزايا الفقة تسجل له وليس عليه كما يدعي معظم المستشرقين أو ناقصي المعرفة بالدين السالامي، أو الذين ينظرون بعين واحدة، وغالبا كنظرات غير بريئة. ان الاختلاف الشائن الذي لايقره الاسلام بل ويحاربه بشدة، هو ذلك الاختلاف العقيدي ـ في العقائد ـ والذي كان وراءه وعبر التاريخ ممن كان يحمل الحقد على هذا الدين قلباً وقالباً أو نفاقاً أو تآمراً. في الفكر الحديث.. تتحدد الأرباح الاعتيادية بمستوى معين تتساوى فيه الاكلاف الحدية مع العوائد الحدية، وهناك يضمن المنظم ليس اعلى سعر وانما اعظم الارباح أو ادنى الخسائر ـ في حالة تحقيق خسارة ـ وبالطبع ان الذي يهم المنظم ليس مستوى الربح أو نسبته العالية وانما مقداره الكلي ـ الاجمالي ـ اما الارباح الاحتكارية والتي يحققها المحتركون فهي بالطبع تقع في مستويات اعلى من مستوى الربح الاعتيادي بكثير، وهنا فان المحتكر لايهتم بمصلحة المجتمع أو الجماعة وانما يظهر أنانية مطلقة ضارباً عرض الحائط، بكل المصالح العامة والمنافع الهامة، لانه في الاسعار العالية سيحجم الكثير من المستهلكين عن شراء السلعة أو الخدمة، والمحتكر يفهم ذلك جيداً، لذلك فانه يقيد العرض مسبقاً وينقصه الى مستويات متدنية ليستطيع من خلالها فرض السعر الذي يرغبه والارباح التي يطلبها وبأقل الاكلاف وبأدنى كميات ممكنة من عناصر الانتاج، وهنا يرتكب المحتكر خطأ اقتصادياً جسيماً بالاضافة الى الخطأ الاجتماعي الخطير، الا وهو اضاعة فرص كثيرة من فرص التقدم الاقتصادي على الافراد والمجتمع على السواء. ومرة اخرى فان الاسلام يحارب الاحتكار ولا يقره. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «كل محتكر خاطيء» ولعمري ان كلمة خاطيء، هنا تفسير الأحجام عن زيادة الانتاج، تفسيراً علمياً واخلاقياً. واخيراً.. فان الاسلام يقوم على مبدأ الحرية الاقتصادية بشكل عام، وفي ظل هذا المبدأ، والذي هو على النقيض من أشكال الانتاج الاخرى ونعني به الاحتكار بأنواعه، أو تدخل الدولة غير المبرر وغير المرغوب ـ الا في حالات طارئة واستثنائية ـ نقول انه تحت ظل هذا المبدأ الاقتصادي ـ الحرية وعدم التدخل في الشئون الاقتصادية ـ فان الربح الاقتصادي يتحدد بالربح الاعتيادي، وهو الثمن المقبول اقتصادياً واجتماعيا لعنصر التنظيم والمبرر علمياً. والفقه الاسلامي اجاز لصاحب رأس المال الحصول على أرباح نتيجة مشاركته برأس ماله شخصا آخر يقدم العمل في العملية الاقتصادية وهو ما يطلق عليه (عقود العمل أو عقود المضاربة) في الاسلام، لكن الفقه الاسلامي يفوق نظيره الفكر الوضعي مرة اخرى حينما يشترط على صاحب رأس المال ان يتحمل كل الخسارة في حالة تحققها ولا يتحمل العامل شيئا منها وتبرير ذلك تبريراً اخلاقياً وعادلاً، الا وهو ان العامل في حالة خسارة المشروع قد خسر عمله، وليس من الانصاف ان نحمله خسارة اضافية اخرى، وفي هذا عدل واضح، واين هو من عدل الرأسمالية القائم على الاحتكارات والأرباح الخيالية والشركات عابرة القارات والتي تنتزع ليس أموال وثروات المجتمعات الاخرى وانما تستلب اليوم ايضا هويتها وسيادتها وحتى شخصيتها وكيانها.