هناك مجموعة من الظروف الاقتصادية التي تحيط بعمل المجلس في الوقت الحاضر، لعل أبرزها على المستوى العالمي البدء في جولة جديدة من المفاوضات بعد المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة وتحديات هذه الجولة، وامكانية الاستعداد لها بشكل جماعي.تنامي دور الشركات العملاقة والمعولمة هذا الى جانب تراجع دور الدولة الاقتصادي، (موجودات شركة جنرال الكتريك الأمريكية تبلغ 355 مليار دولار، في حين ان الناتج المحلي الاجمالي لدول المجلس مجتمعة يبلغ 255 مليار دولار، وهو ما يشكل 72% فقط من اجمالي موجودات هذه الشركة العملاقة). ناهيك عن احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وموضوع الارهاب، افغانستان، العراق، قضية كشمير. وعلى المستوى العربي نجد امكانية احياء مشروع بيريز حول السوق الشرق أوسطية وطرحه بقوة وتبنيه من قبل قوى اقليمية وعالمية فاعلة. وعلى المستوى الاقليمي هناك التطورات المرتقبة في كل من العراق وايران واليمن وامكانية اشراكهما في الترتيبات الاقتصادية الاقليمية. المسيرة خلال العقدين الماضيين ـ لم ترتق مسيرة المجلس خلال العقدين الماضيين الى مستوى التحديات السياسية والاقتصادية والامنية التي واجهتها دول المنطقة. ـ الانجازات الاقتصادية محدودة جدا، ومازالت دول المجلس بعد عشرين عاما في المرحلة الأولى الخاصة بايجاد منطقة للتجارة الحرة، وذلك من ضمن اربع مراحل يمكن من خلالها استكمال الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس. ـ القدرات الاقتصادية لدول المجلس، دور هام ومؤثر باعتبارها مزودا رئيسيا واحتياطيا ضخما لأهم مصادر الطاقة في العالم، مما يؤهلها للمساهمة بصورة فعالة في قيام وتعزيز السوق الخليجية المشتركة. الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لقد بقيت معظم بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة معلقة خلال العقدين الماضيين، وبالاخص البنود الهامة منها، واقتصرت عملية التنفيذ على بعض البنود الخاصة بالتملك العقاري الجزئي وفتح الأسواق امام انشطة بعض المهن المتخصصة، وهي انجازات لاتتناسب والفترة الزمنية المنقضية منذ تأسيس المجلس. وبالتالي يمكن القول، بان التعاون الاقتصادي الخليجي كان مهمشا وغير فعال، كما انه خضع لتقلبات مصالح فئات اجتماعية نافذة في هذا البلد الخليجي أو ذاك، مما لايستقيم والعمل الاقتصادي المشترك والرامي الى حفظ مصالح دول المجلس ككل. ولاتوجد مؤشرات على ان جدول اعمال قمة مسقط المقبلة سيتضمن نقاطاً اقتصادية هامة، اللهم تلك المتعلقة بتقديم تطبيق الاتحاد الجمركي الى عام 2003 بدلا من 2005 علما بأن هذا التطبيق تأخر خمسة عشر عاما عن موعده المقرر في عام 1988. كيف تبدو آفاق التعاون الاقتصادي الخليجي في ظل التطورات العالمية والاقليمية المشار اليها آنفا؟ وبما انه لا يمكن فصل التعاون الاقتصادي عن باقي اشكال التعاون والتنسيق السياسي والامني، فانه يمكن وباختصار شديد تلمس هذه الافاق من خلال السيناريوهات الثلاثة التالية: السيناريو الأول: ان يبقى التعاون الاقتصادي الخليجي مترددا وان تبقى الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس منغلقة على ذاتها ومعبرة عن المصالح الآنية لبعض الفئات الاجتماعية المتنفذة، وبالاخص ممثلي الوكالات التجارية ذات الطابع الاحتكاري، بحيث تتحول دول المجلس مع مرور الزمن الى هيكل مصغر للسوق العربية المشتركة التي اتفق عليها في منتصف الستينات، وبقيت اسيرة ادراج جامعة الدول العربية على مدى الاربعين عاما الماضية، كما بقيت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة اسيرة ادراج الامانة العامة لدول المجلس على مدى العشرين عاما الماضية. السيناريو الثاني: ان تتعرقل مسيرة المجلس بشكل عام، ومسيرته الاقتصادية على وجه التحديد، وذلك بسبب عدم قدرته على التأقلم مع المستجدات الاقليمية والعالمية وان تتفاوت التغيرات الداخلية بصورة كبيرة بسبب ازدياد تفاوت مصالح الفئات الاجتماعية المتعددة، بحيث يتحول المجلس الى اطار شكلي وان يتم التراجع عن بعض المكاسب التي تحققت في العقدين الماضيين. السيناريو الثا لث: ان تتطور مسيرة المجلس، وبالاخص في المجال الاقتصادي في سنوات العقد الحالي باتجاه اقامة تكتل خليجي قوي ومتماسك ويعمل ضمن مجموعة من المنظومات التي تميز التكتلات الحديثة والناجحة، وبالاخص الاتحاد الأوروبي. ونظرا لاعتبارات عديدة، فاننا نميل الى ترجيح السيناريو الاخير، على اعتبار ان البديل سيكون مخيفا، وربما يؤدي الى جمود منظمومة مجلس التعاون، ويضر بمصالح كافة دوله دون استثناء. وفي نفس الوقت، فان هناك متطلبات ومستحقات لابد من توفرها للسير نحو بناء السيناريو الثالث وترجيحه مستقبلا، حيث تكمن هذه المتطلبات، وباختصار شديد في الاتي: اولا: على المستوى السياسي والهيكلي: تعميق التحولات الايجابية الداخلية واستكمال بناء مؤسسات المجلس بافساح المجال امام مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في البناء الخليجي، وبالاخص قيام المجلس التشريعي الخليجي المعبر عن الارادة الجماعية لدول المجلس، فعلى مدى العقدين الماضيين شكلنا، كشعوب خليجية الجانب المتلقي والسلبي للبيانات المكررة والمصاغة باسلوب فيه الكثير من الغموض والرتابة، فقد استمعنا طوال السنوات الماضية الى صخب اعلامي لا يتناسب وحجم الانجازات التي تحققت. اما الهيئة الاستشارية، فانها لا تخرج عن كونها مؤسسة من المؤسسات الرسمية التي لاتملك صلاحيات تشريعية، ومكتفية من الناحية الشكلية باجتماع او اثنين في العام، ترفع بعدها توصيات عامة وغير ملزمة، علما من ان تركيبة هذه الهيئة ضعيفة بشكل عام وتتكون في معظمها من وزراء ومسئولين سابقين. ثانيا: على المستوى الاقتصادي: صياغة العمل الاقتصادي الخليجي على اسس جديدة ومعبرة عن المصالح المستقبلية العليا لدول المجلس وعدم السماح بتغليب المصالح الآنية للتجزئة الاقتصادية والاسراع في تفعيل البنود المجمدة من الاتفاقية الاقتصادية، وبالاخص التعرفة الجمركية والعملة الموحدة وتحقيق المواطنة الاقتصادية وتوحيد السياسات المالية وقيام السوق الخليجية المشتركة والمستندة على مصادر الدخل المتنوعة، على اعتبار ان النفط ثروة آيلة للنضوب لا محالة. ثالثا: على المستوى الامني: لقد بينت التجربة السابقة، وبالاخص تجربة الغزو العراقي لدولة الكويت، من ان دول المجلس بوضعها الحالي غير قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر بشكل منفرد، وذلك على الرغم من الانفاق الخيالي على الدفاع والامن، مما يعني ان البدائل في هذا الجانب محدودة ولا تخرج عن بديلين رئيسيين، فاما التحالف مع قوى خارجية عظمى، مثلما حدث مع بعض دول المجلس في العقد الماضي، حيث يتضمن هذا التوجه الكثير من المحاذير والمخاوف، علما بانه لا يحمل صفة الاستمرارية ومرتبطة بديمومة مصالح القوى العظمى، وبالاخص النفطية منها في المنطقة. اما البديل الآخر والذي يشكل قوة حقيقية ويحمل صفة الاستمرارية، فانه يكمن في التحالف والتكامل الامني الخليجي المستند على دعم شعوب المنطقة الراضية والمتمسكة بانظمتها الشرعية الحالية والتي تحكمها دساتير ومواثيق اقرت في استفتاءات عامة. هذه هي اهم متطلبات نجاح السيناريو الثالث والذي اصبحت مكوناته الاساسية اهدافاً لابد لدول المجلس ان تسعى الى تحقيقها، وبما يضمن مصالح الانظمة وشعوب هذه الدول ويفتح الافاق امام بناء اتحاد خليجي قوي ومتماسك ومعتمدا على ارضية سياسية واقتصادية صلبة ودعم اجتماعي واسع، مما يتلاءم والمستجدات الاقليمية والعالمية المتسارعة والخطيرة على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والامنية. ورقة قدمت خلال أمسية «مجلس التعاون.. المسار والمصير بدبي 8 ـ 11 ديسمبر