هل يعاني قطاع الصناعة في الامارات من متاعب حقيقية؟ القائمون على الشأن الصناعي لايترددون في الاجابة على السؤال المطروح بكلمة «بلى»، ولذلك فانهم يطالبون بدعم وتشجيع قوي للصناعة الوطنية لتتمكن من الصمود في مواجهة متغيرات التجارة الحرة. بالاضافة الى ذلك فقد دعا هؤلاء بصوت مسموع الى فتح الأسواق العربية لامتصاص فائض الانتاج الصناعي العربي، وناشدوا الجهات الرسمية اظهار نوع من الاهتمام بما يجري في الساحة الصناعية. وفي الندوة الاقتصادية، التي جرت مؤخراً برأس الخيمة شدد الاقتصاديون وغيرهم على أهمية الابتعاد عن الانشطة ذات الحاجة للكثافة العمالية، ونادوا بتوجه جاد للاستفادة من المواد الخام المتوفرة محلياً مثل النفط والغاز. مواجهة المنتج الاجنبي بالرغم من الخطوات المتقدمة التي قطعتها الصناعة القائمة على أرض الامارات إلا انها تعاني من وطأة بعض المتاعب، الأمر الذي يحتم البحث عن مخرج آمن لها من همومها المؤرقة. ويقول عبدالرحمن المحمودي، وهو من الباحثين في الشأن الصناعي: باعتقادي ان الخطر الذي يتهدد الصناعة الوطنية يكمن في الكم الهائل القادم من خارج الدولة، وهو متنوع ورخيص السعر. ويضيف المحمودي: اذا لم تجد هذه المواجهة غير المتكافئة حلاً جذرياً عاجلاً فإن الصناعة الوطنية ستسقط بالضربة القاضية في عقر دارها. ولكن المهندس عبدالرزاق يوسف، العضو المنتدب لشركة الخليج للصناعات الدوائية، الذي بدا غير متشائم لما يحدث في الصناعة الاماراتية، يؤكد على أهمية التفوق الصناعي لدرء الخطر المقبل من الخارج. وكمثال على ذلك النهج الانتاجي المتطور الذي تتبعه شركة «جلفار»، وأوجد لها محلياً وعربيا وعالمياً مواطيء قدم مريحة. ومع ذلك فإن المهندس عبدالرزاق يعترف بشيء من العقبات المزعجة على دروب هذه الصناعة الاستراتيجية وخاصة فيما يتعلق بالحماية الفكرية. مهلة ضرورية وينظر إلى الموافقة التي صدرت عن مؤتمر الدوحة بتمديد المهلة الممنوحة للدول النامية كي توفق اوضاعها قبل الدخول في نظام العولمة إلى عام 2016 بدلاً من 2006 على انها ضرورية لتحقيق التبادل بين المرافق الصناعية في الامور الحيوية. ونظراً لانه تم تصنيف دول العالم إلى متقدمة واخرى نامية، فإن الامارات وبحسب ما ذكره العضو المنتدب لشركة جلفار تتبع المجموعة المتقدمة. ويعتقد المهندس عبدالرزاق ان الدول الاوروبية قاست الامور بمعيار دخل الفرد في الامارات، بينما اغفلت الجانب الصناعي الذي لايزال يحبو. وقال من المؤكد ان هذا التصنيف غير الواقعي له تبعات غير مريحة لقطاع الصناعة، اذ ان وجود الامارات في خانة الدول المتقدمة يعني عدم شمولها بالمهلة التوفيقية الممنوحة للدول النامية وبالتالي الالتزام بها في عام 2005. واضاف: والاسوأ من ذلك كله هو الخلاف بين وزارتي الصناعة والصحة حول تطبيق الاجراءات المتعلقة بهذا النظام المتبع لتسجيل الدواء. بين الصناعة والصحة فالصحة بالرغم من رفضها المتشدد لتسجيل ادوية «جلفار» الا بعد حصولها على شهادة براءة اختراع من وزارة الصناعة، فإنها تتجاوز ذلك مع الشركات العالمية. ومن جهتها ترفض «الصناعة» منح «جلفار» البراءة، التي تمكنها من تسجيل ادويتها، بحجة ان «الصحة» غير ملتزمة مع الشركات العالمية. ولكن المتاعب بالنسبة لجلفار لا تنتهي عند هذا الحد، بل تتعداها إلى جانب آخر يتعلق هذه المرة باتفاقية التجارة الحرة، ففي حين ترى وزارة الاقتصاد والتجارة ان عملية تنفيذها تتم في 2016 طبقاً لقرار الدوحة فإن وزارة الصحة تسعى لتنفيذها قبل ذلك. وقال المهندس عبدالرزاق ان «جلفار» هي المتضرر من كل هذه الخلافات. الخطر القادم من الخارج في ضوء كل تلك التطورات تتهدد السياحة الاقتصادية برمتها بالسؤال المهم جداً، وهو كيف ننأى بالانتاج الصناعي المحلي عن الخطر القادم من الخارج؟ وتحدث عيسى ابوشريحة نائب مدير غرفة تجارة رأس الخيمة حول هذا الموضوع، مبيناً ان سوق دولة الامارات يتعامل بسياسة الانفتاح وبالتالي غير وارد اغلاقه او فرض ضوابط لتقييده لمصلحة الانتاج الوطني لأن من شأن ذلك ان يحدث خللاً في نظام التجارة الذي تنتهجه الدولة. ودعا ابوشريحة إلى الاهتمام بتطوير الصناعة المحلية، ووضع القوانين المشجعة لها، بما يجعلها مصارعاً شرساً في مواجهة الانتاج المستورد. وقال: باعتقادي ان هذا هو الحل الوحيد لجعل الساحة الصناعية بمأمن من هموم التجارة الحرة واذا كانت شركة جلفار التي حملت اسم الامارات على عبوات دوائية تشفي المرضى بإذن الله إلى 37 دولة، هي المعنية بالدرجة الاولى بمشكلة السوق الحرة، فإن مديرها المهندس عبدالرزاق لا يبدو منزعجاً من ذلك، وهو يقول بالنسبة لي كرجل مهتم بالقطاع الصناعي أؤمن بأهمية التجارة الحرة كأداة للتنافس، والبحث عن الجودة، والحد من ارتفاع الاسعار، وبالتأكيد فإن ذلك كله يصب في مصلحة المستهلك. تصدير 94% من المنتج واضاف نحن في شركة جلفار لم نفاجأ بمقتضيات الظروف المستجدة جراء تطبيق العولمة، اذ اعددنا العدة لها مبكراً، ويكفي ان 94% من انتاجنا الدوائي يتم تصديره إلى اسواق خارج الدولة، وهذا يعني اننا نواجه المستورد على ارض الامارات بما يساوي 6% فقط. والسؤال المنطقي هنا هو: لماذا نسمح بدخول البضائع القادمة من دول ترفض استقبال انتاج صنع في الامارات؟! ويرى المشاركون في المجلس الرمضاني ان عدم توفر السوق البديلة يجبر الدولة على الرضوخ لمثل هذا الوضع غير المقبول. ويقول احد المشاركين: اذا نظرنا إلى الاسواق العربية فهي تستورد 3% فقط من انتاج الامارات، وهذا يعني انه ليس ثمة مساحة للمناورة. ماذا يفضل الجمهور؟ وتختلف الآراء حول ايهما الافضل. بالنسبة للجمهور، المنتج المحلي ام الاجنبي. ويقول عبدالله بالحن مدير مستشفى سيف بن غباش عندما اكون خارج الامارات فإنني افضل كل شيء صنع في الامارات، وذلك بسبب واحد هو ان البضائع لا يمكن تصديرها إلى الاسواق الخارجية الا بموجب شروط مهمة في مقدمتها الجودة. ولكن نواف غباش المري مدير عام شركة غباش للتجارة والاستثمار يثق في المنتج المستورد، وهو يقول: من المؤكد ان ما تنتجه الشركات الكبرى في الدول الاوروبية، على سبيل المثال، هو نتاج خبرة مهنية واسعة وعمليات ابحاث متواصلة وجهود تقنية متطورة. واضاف نواف وهو من جيل المستثمرين الشباب: ولكن مع ذلك فإن ساحتنا الصناعية حبلى بشركات مرموقة يمكن الوثوق فيها، وكمثال على ذلك جلفار للصناعات الدوائية والمنيوم دبي. ويرى نواف ان الدعم للصناعة الوطنية عمل مهم لاعطائها الفرصة للمنافسة. وعزا الدكتور احمد عبدالعزيز الاقبال على الادوية المصنعة محلياً لانخفاض الاسعار مقارنة بالاجنبية. ويبدو ان بعض الجهات اخذت تولي الانتاج المحلي قسطاً من اهتماماتها، وكمثال على حض دائرة الخدمات في ابوظبي لشركات المقاولات على استخدام الاسمنت المنتج بمصنع العين. الاجود والارخص ويرى الكثيرون ان تلك خطوة مهمة لدعم الصناعة الوطنية. وقال المهندس عدنان يوسف: اعتقد انه من الاهمية ان نعلم بأن المواصفات الخليجية هي مرتبطة بالبريطانية، وبالتالي فهي جيدة، وخير دليل على ذلك هو انني اوصي دوماً في كل اعمالي الانشائية بالاعتماد على المواد المصنعة محلياً او خليجياً لانها قليلة التكاليف، فضلاً عن جودتها التي تضاهي المنتجات العالمية. وخلال مداخلة له، اوضح المهندس عبدالرزاق ان الحس والجودة هما عنصران مهمان لجعل الصناعة الوطنية تحتفظ بحظ وافر من التسويق والمنافسة في الاسواق. وقال: اذا نظرنا إلى المملكة العربية السعودية فإننا نجد ان الكل يشترون منتجات بلادهم وهم يشعرون بالفخر، خلافا لما هو عليه الحال عندنا، والأسوأ ذلك ان الوزراء لا يساندون الصناعة الوطنية، بل يقفون منها موقف المتفرج. ومضى قائلا: استطيع القول ان كل الذي حققناه في الساحة الصناعية الدوائية هو نتاج جهود ذاتية، وبفضل ذلك اصبحت «جلفار» معترفاً بها في كل الدول التي تستقبل انتاجنا. وانتقد المهندس عبدالرزاق البيروقراطية المتبعة في شراء الادوية للقطاع الحكومي، موضحا انه بسبب ذلك فإن مبيعات «جلفار» للقطاع الخاص اكثر منها للحكومة. ونبه يوسف اسماعيل، المسئول بالاتصالات، الى اهمية الاعلان كمروج لتنشيط الحركة التسويقية للمنتجات الصناعية المحلية. العمالة والمشكلة وينظر الى خلو الساحة الصناعية من العمالة الوطنية على انها تشكل عائقا لا يمكن تجاهله، ويرى المشاركون في المجلس الرمضاني ان تلك المشكلة يمكن تفاديها عن طريق عدم اللجوء الى الصناعة التي تعتمد على الكم الهائل من العمالة، واشاروا الى اهمية الاعتماد على المشاريع الاستثمارية القائمة على المواد الخام المتوفرة، محليا مثل البترول والغاز. وشددوا على ضرورة الوقوف الى جانب الصناعة الوطنية من خلال توفير الطاقة بكلفة اقل، وانشاء شبكة طرق جيدة عصرية، وتسهيل اجراءات التصدير. وقال المهندس عبدالرزاق: نطالب وزارة الصحة بأن تسرع في تسجيل ادوية «جلفار» حتى عام 2016. واضاف قائلا: باعتقادي عندما يفهم الجميع بأن انتاجنا يؤدي مهمة خارج الدولة، هي اشبه بما تفعله السفارات من دعاية وسمعة جيدين للوطن، فإنهم في هذه الحالة لا يبخلون بالوقوف معه.