اكدت دراسة اقتصادية خليجية على اهمية الاستفادة من التجمع والتفاوض الجماعي مع الاطراف الخارجية، فيما يتعلق بجلب رأس المال الاجنبي المباشر، لانشاء المشروعات التكاملية المشتركة بدول مجلس التعاون الخليجي. وابدت الدراسة اهمية تنسيق وتطوير الكفاءات الجماعية المشتركة لدول المجلس، بتبادل المعلومات حول البحوث العلمية، وتنمية التقنية على المستوى الاقليمي، واقترضت انشاء اجهزة للتحكيم. الاستثمار الاجنبي والحاجة المحلية ووفقاً للدراسة التي اعدتها منظمة الخليج للاستشارات الصناعية حول اثر الاستثمار الاجنبي المباشر على قطاع الصناعات التحويلية بدول المجلس، فقد اصبح الاستثمار الاجنبي المباشر. نشاطاً مهماً وفعالاً ومؤثراً في الاقتصاد العالمي، وخاصة الانتاج العالمي الذي تديره وتسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات غير ان الهدف الاوحد لهذه الشركات هو تحقيق اكبر قدر من معدلات الربح دون الاخذ في الاعتبار: التنمية واحتياجات المجتمعات في البلدان المضيفة لرأس المال الاجنبي المباشر. ولم تعد الحدود الوطنية عاملاً مؤثراً في تحديد مواقع الانتاج الصناعي. وتوضح ان هذا التحول في جغرافية الانتاج الصناعي، اقتضى تحرير التجارة وازالة الحواجز الوطنية امام المنتجات الصناعية، واصبح من الاهمية بمكان بالنسبة لها، تمكين رأس المال الاجنبي المباشر من التدفق والاتجاه إلى اكثر البقاع ملاءمة في العالم للانتاج والتسويق، والحصول على اكثر الامتيازات المقارنة التي يمكن ان يمنحها البلد المضيف للاستثمار الاجنبي لاستغلال الموارد الطبيعية المتوفرة، والقوى البشرية ذات الكفاءات العالية. مع التأكد من توفر عوامل الضمانات اللازمة وعليه فإن مجموع هذه العوامل يؤخذ في الاعتبار. عندما تتخذ الشركات متعددة الجنسيات قراراتها للاستثمار في دولة ما، وهكذا فإن مجرد تعديل قوانين الاستثمار في دول مجلس التعاون وجعلها اكثر جاذبية للاستثمار الاجنبي لن يكون العامل الاساسي لتدفقه اليها، ولا للاستثمار في الصناعات التي ترغب تلك الدول في انشائها، وفقا لاستراتيجياتها وتوقعاتها، لأن رأس المال الاجنبي المباشر يسعى للبقاع التي يجد فيها ظروفاً انتاجية مقارنة افضل، مثل: القوى العاملة ذات المهارت العالية التي يمكنها استخدام التقنية الحديثة في يسر وكفاءة، مقابل اجور اقل نسبياً. بالمقارنة مع ما يدفعه في الدول الصناعية. إلى جانب الاخذ في الاعتبار حجم اسواق المواقع المجاورة وقربها من مواقع التوزيع والتسويق الاخرى في الاسواق المجاورة، بالاضافة إلى توفر بنية جيدة ووفرة وتميز الامتيازات الممنوحة للمستثمر الاجنبي. القوانين وحدها لا تكفي وتشير الدراسة التي وردت بالنشرة التفصيلية الاخيرة للمنظمة إلى انه قد تم تعديل قوانين الاستثمار في معظم دول العالم بما فيها دول المجلس. لافساح المجال للاستثمار الاجنبي المباشر، وجذبه للتدفق اليها، وبذلت جهوداً متصلة لخلق المناخ الملائم والمشجع لاغرائه، غير انه وكما هو مبين في الاحصاءات المذكورة في هذه الورقة، فإن نصيب الدول النامية بما فيها دول المجلس من الحجم الكلي للاستثمار الاجنبي المباشر في العالم البالغ 865 مليار دولار امريكي في عام 1999 بلغ 802 مليارات دولار امريكي، وقد حصلت عشر دول فقط من بين جميع الدول النامية في العالم على 80% من هذا المبلغ. وبلغ حجم تدفقات رأس المال الاجنبي المباشر لدول المجلس. في نفس العام 545.2 مليون دولار امريكي، وهو مبلغ ضئيل بالمقارنة مع مجمل دخولها. علماً بأن تدفق الاستثمارات الخارجية لدول مجلس التعاون بلغ 606 ملايين دولار في نفس العام، وهناك تقديرات لتدفق الاستثمارات الخارجية منها من القطاع الخاص تبلغ 400 مليار دولار امريكي. وحسب الدراسة فإن دول مجلس التعاون تصنف بين الدول ذات الدخل العالي، وتتميز بتملكها ثروات كبيرة نسبياً ولكنها ـ على الرغم من ذلك ـ تبذل جهوداً كبيرة لجذب رأس المال الاجنبي المباشر للاستثمار فيها، لحاجتها لتحقيق معدلات اعلى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفقاً لاستراتيجياتها المعتمدة وتعطي هذه الدول تنمية القطاع الصناعي اسبقية عالية. تقنية صناعية حديثة واوضحت الدراسة ان الصناعات التحويلية في دول المجلس جلها صناعات صغيرة ومتوسطة وتستخدم تقنية بسيطة. تقليدية، وتباشر الانتاج فيها عمالة ذات كثافة عالية ومهارات منخفضة وعليه تطمح وتتطلع دول المجلس لانشاء صناعات جديدة تدخل تقنية حديثة، وتستخدم قوى عاملة وطنية ذات مهارات عالية، وعليه فإن جهود دول المجلس في جذب الاستثمار الاجنبي يجب ان تركز على اختيار الاستثمار ذي النوعية العالية الذي يحقق اهداف التنمية الصناعية وينشيء الصناعات المطلوبة. لأن كبر حجم الاستثمار في حد ذاته ليس بالضرورة عاملاً اساسياً في احداث التنمية الصناعية المنشودة. ان الاستثمار الاجنبي المباشر الذي يوصف بالاستثمار «ذات النوعية العالية» هو الذي ينشيء صناعات جديدة، ويدخل التقنية الحديثة ويمكن من دعم الصناعات القائمة واستخدام المهارات الوطنية، ويساعد على ارتياد اسواق جديدة ولهذا يجب ان يعطي جل الاهتمام لجذب هذا النوع من الاستثمار الاجنبي المباشر. ان تحليل وضع الصناعات التحويلية في دول المجلس، الذي تضمنته الدراسة، يستوجب الاخذ في الاعتبار ومراعاة عدم التأثير سلبا على تلك الصناعات القائمة عند منح التراخيص بانشاء صناعات جديدة يمولها رأس المال الاجنبي المباشر، وخاصة تلك التي من شأنها القضاء على الصناعات القائمة، علماً بأن الصناعات القائمة تستخدم معظم القوى العاملة في القطاع الصناعي، وبالتالي، فإن توقفها عن الانتاج او مواجهتها لمنافسة لا تقوى عليها، من شأنه ان يفاقم البطالة ويضعف القوة الشرائية ويؤثر على الاقتصاد لأن الصناعات الجديدة التي ينشئها رأس المال الاجنبي المباشر على الرغم من ضخامة رأس المال النسبي المستثمر فيها، تستخدم ايد عاملة قليلة ذات مهارات عالية، ولهذا، فإن اتخاذ القرار بالتصدي بانشاء الصناعات الجديدة من قبل دول المجلس، يجب ان يولي اهمية، ويعطي اسبقية للصناعات التي تستخدم منتجات الصناعات القائمة، قدر المستطاع، وتساعد في تطويرها عن طريق التعاون من الباطن معها، للحصول على منتجاتها الوسيطة كمدخلات للانتاج، مما ييسر تسهيل حصولها على التقنية الحديثة المناسبة، ومدها بالتصاميم الحديثة التي تساعدها في رفع مستوى انتاجها، وتمكينها من المنافسة. وكل هذا مصحوبا بتدريب القوى العاملة، وتطوير التقنية. هذا النهج لا يدعو لحماية الصناعات القائمة التي يتبين انه لا مستقبل لها في الارتقاء بمنتجاتها، او تطوير مؤسساتها على الرغم مما يقدم لها من دعم مشروع. الاسبقيات والقدرة التفاوضية ويتبين من الدراسة الآثار الايجابية التي يمكن تحقيقها، نتيجة للاستثمار الاجنبي المباشر «ذي النوعية العالية» في دول المجلس، اذا تم اختيار افضله، واكثره ملاءمة لاحتياجات التنمية، ودعم الصناعات القائمة، وتنمية القوى البشرية، نتيجة لوضوح الرؤيا وتحديد الاسبقيات والمقدرات التفاوضية العالية. في حالة المفاوضات الجماعية بين دول المجلس مجتمعة مع الاطراف الاخرى، يمكن تحقيق المزيد من النتائج الايجابية والنجاح، وخاصة فيما يتعلق بمشروعات التكامل بين دول المجلس. وكذلك تبين الدراسة في الجانب الآخر المخاطر التي يمكن ان تنجم من تدفق رأس المال الاجنبي المباشر في دول المجلس. وتشير الى ان استخدام الصناعات الجديدة التي يقيمها رأس المال الاجنبي لتقنية متقدمة، يقتضي استخدام الايدي العاملة التي تملك مهارات عالية نتيجة لخبراتها وتميزها بالخبرات المكتسبة المناسبة، وبالتالي، سترتفع الأجور في القطاع الصناعي في البلد المضيف. ويترتب على ذلك مزيد من العبء المالي على الصناعات القائمة، وخاصة الصغيرة والمتوسطة التي ستواجه كذلك نقصا في الايدي العاملة المدربة، التي تترك العمل معها، وتسعى للعمل في المنشآت الجديدة. وترى انه لمواجهة هذه التطورات، لابد من اعادة النظر في النظم التعليمية، وتدريب المزيد من القوى البشرية الوطنية لتوفير الايدي العاملة المطلوبة، الى جانب مساعدة الصناعات القائمة في ارتياد الاسواق العالمية، وتقديم العون المسموح به لها، وتمكينها من التعاون مع بعضها ومع الصناعات الجديدة التي ينشئها رأس المال الاجنبي. كما ترى الدراسة ان حاجة دول المجلس الى الارتقاء بالتقنية المستخدمة في الصناعات التحويلية واضحة للعيان، ويسود اعتقاد خاطيء في كثير من الاوساط ان الاستثمار الاجنبي المباشر سيجلب تلقائيا عند تدفقه، التقنية المطلوبة، ولكن اوضحت التجارب، في معظم الحالات، انه ليست من اولويات المؤسسات الصناعية التي يقيمها رأس المال الاجنبي المباشر في البلدان النامية تطوير التقنية في البلد المضيف، لان جهدها ينحصر في اغلب الاحيان في استخدام التقنية المناسبة التي يحتاجها الانتاج في مؤسساتها فقط، وهذا النوع من التقنية، تملكه هذه المؤسسات، وتستخدمه في اجزاء اخرى من العالم، وفي مقدورها شراء ما تحتاج اليه من تقنية في يسر، وبالتالي، لا تجهد نفسها بتطوير التقنية في البلد المضيف مالم. تقتض متطلبات الانتاج في مؤسساتها الحصول على منتجات صناعية، تنتجها الصناعات القائمة في البلد المضيف، وبالتالي، تساعدها عندها في الحصول على التقنية المناسبة، اما من الخارج، او عن طريق التطوير داخليا. والملاحظ كذلك ان هذه المنشآت الجديدة، قلما تولي عناية كافية بمؤسسات البحث العلمي، وتطوير التقنية في البلد المضيف. وبما ان رأس المال الاجنبي المباشر يعمل وفقا لاستراتيجياته التي تخدم مصالحه ـ وبناء على تقديراته للمواقف، ودعم مجموع نشاطاته في العالم بهدف زيادة الربح ـ فإنه سينجم عنه نقل التقنية للبلد المضيف، بالمستوى والقدر اللذين لا يشكلان خطراً على مصالحه في المدى البعيد. وانطلاقا من هذا يتحتم على دول المجلس ان تركز على انشاء ودعم مؤسسات البحث العلمي وتطوير مراكز التقنية القائمة ومضاعفة معدلات الصرف عليها حتى تواصل جهودها في خدمة الصناعات القائمة، وتنمي التقنية المحلية، وتمكن من استيعاب وتطوير التقنية التي تحصل عليها من الخارج. كل هذا يقتضي اعادة النظر في النظم التعليمية وتحديثها، ودعم مراكز التدريب، وربط مناهج التعليم الجامعي ومؤسساته بالصناعات الوطنية القائمة، لتوفير احتياجاتها والنهوض بها، وربط الجامعات والمعاهد ومراكز البحث والتطوير بالقطاع الصناعي لخدمته، وخاصة الاستفادة من التجارب المشتركة لفائدة الطرفين. التنمية وتطورات العولمة وقد تناولت الدراسة آثار الاستثمار الاجنبي المباشر على الاستراتيجية الموحدة وسياسة التنمية الصناعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاقا من الاهداف الثمانية الرئيسية التي تضمتها الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية والتي اجازتها الدول، في ضوء المسارات المستجدة والتطورات العالمية المتسارعة في اطار العولمة وقوانين منظمة التجارة الدولية، كما تناولت التعديلات التي ادخلت في قوانين الاستثمار في دول المجلس، وحددت القواسم المشتركة في تلك القوانين المعدلة. ولتعظيم فوائد الاستثمار الاجنبي المباشر وتفادي اضراره، تدعو الدراسة لمزيد من التنسيق بين دول المجلس، ووضع السياسات المشتركة بقدر المستطاع، لكي يتم دعم المشاريع التكاملية القائمة، وتجنيبها المنافسة الضارة والتعجيل بقيام المشاريع التكاملية الجديدة. وتؤكد الدراسة على أهمية الاستفادة من التجمع، والتفاوض الجماعي مع الاطراف الخارجية، فيما يتعلق بجلب رأس المال الاجنبي المباشر لانشاء المشروعات التكاملية المشتركة. وتبرز الدراسة اهمية تنسيق وتطوير الكفاءات الجماعية والمشتركة لدول المجلس، وذلك بتبادل المعلومات حول البحوث العلمية وتنمية التقنية على المستوى الاقليمي، وتقترح الدراسة انشاء اجهزة للتحكيم على المستوى الاقليمي. أبوظبي ـ مكتب «البيان»:
5.5 مليارات دولار حجم تدفقات رأس المال الأجنبي إلى دول مجلس التعاون، التفاوض الخليجي الجماعي ضرورة لاختيار الاستثمار الأكثر ملاءمة لاحتياجات التنمية
