قد يكون من المستحيل على الانسان ان يتخيل بأن الترانزيستور قوي جدا إلى درجة انه يستطيع الفتح والاغلاق اكثر من تريليون مرة في الثانية الواحدة، لان مثل هذا الرقم يعد ضخما جدا بحيث يعجز الدماغ البشري عن تصوره. اما الطريقة الوحيدة التي يمكن اللجوء اليها لتقدير هذا المدى الواسع من الارقام، فتتمثل في ايجاد نوع من المقارنة بينها وبين المفاهيم التي نستطيع فهمها. على سبيل المثال، فان عملية فتح واغلاق مفتاح كهربائي بنفس العدد من المرات، سوف تستغرق بالتأكيد اكثر من ثانية واحدة بكثير، فلو قدر لنا حسابه على ارض الواقع، سيحتاج الانسان إلى خمسة عشر الف سنة لاتمام هذه المهمة. ومع ذلك فان هذه هي السرعة التي سيعمل بها الجيل القادم من شرائح الكمبيوتر، وحتى قبل فترة قصيرة كان مثل هذا الهدف بعيد المنال، حيث كان يتوقع للمكونات ان تتدمر ذاتيا بسبب الحرارة الناجمة عن العدد الهائل لتلك العمليات وترددها. واصبح مثل هذا التطور ممكنا بفضل تطوير نوع جديد من الترانزيستورات، واستخدام مادة جديدة محل مكان ثاني أكسيد السيليكون المستخدم بصورة تقليدية من قبل الشركات المصنعة لشرائح الكمبيوتر. وتأتي مؤسسة إنتل في مقدمة هذه التكنولوجيا، وذلك منذ اختراع اول معالج في العام 1971 واصبحت الان اكبر الشركات المصنعة لشرائح الكمبيوتر العالم، وتعد ايضا اللاعب الوحيد المشرف على التغيرات الاساسية المتعلقة بكيفية عمل العالم في العصر الحديث. وفي الوقت الذي يكون فيه من الصعب علينا تصور مليار عملية فتح واغلاق في الثانية الواحدة، فانه سيكون من الصعب بنفس القدر ان نتخيل العالم من دون شريحة كمبيوترية قوية بشكل أو بآخر، فبدءا من اجهزة الكمبيوتر والسيارات ومرورا باشارات المرور والاجهزة المنزلية، ان شرائح الكمبيوتر لا يمكن الاستغناء عنها في كافة مناحي الحياة في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك فانه قبل ثلاثين عاما خلت، وعندما قامت انتل بانتاج اول شريحة لها، لم تكن اكبر مشكلة تواجهها متعلقة بالتكنولوجيا، بل كانت تتمثل في اقناع الشركات في مختلف انحاء العالم ان هناك مستقبلا هائلاً ينتظر هذا الاختراع الجديد. ومنذ ذلك الوقت فان تكنولوجيا انتل قد عملت على تغيير الطريقة التي يعمل بها العالم، واطلق على الشريحة الاصلية التي تم انتاجها في العام 1971 اسم «4004» وفي ذلك الحين كانت تلك الشريحة اقوى معالج للبيانات في التاريخ، ومع ذلك ينظر اليه الان على انه معالج قديم وغريب الطراز مثل جهاز الفونوغراف الذي يدار يوميا. وكان بمقدور تلك الشريحة تشغيل الآلة الحاسبة الصغيرة، ومع ذلك برزت بمثابة الاعجوبة في وقتها، ولكنها لا تحظى الآن بأي اعتبار فيما يتعلق بالقدرات الحسابية، وقد يكون امام الجيل الحالي ما يبرر تساؤلاته حول تلك الجلبة التي احدثها طرح الشريحة. وتتجسد السرعة التي قامت من خلالها انتل بتطور اجزاء اخرى قوية للغاية مع تكاليف منخفضة بصورة مناسبة في قانون مور، وهو ذلك المبدأ الذي وضعه جوردون مور المؤسس المشارك للشركة. ويعد قانون مور في الوقت الراهن معيارا في صناعة تكنولوجيا المعلومات، كما انه يمثل الفكرة القائلة بأن قوة المعالج سوف تتضاعف كل عام. وفي العام 1995، عمد مور إلى تعديل تلك الفترة إلى عامين، بيد ان صلاحية هذا الرأي كانت متوقفة على اوجه التقدم الهائلة التي صنعتها مؤسسة انتل، والمتمثلة في التوصل إلى معالجات اسرع، اقوى، اصغر حجما وذات جدوى اقتصادية اعلى. ويعود عام واحد من ظهور المعالج الاصلي «4004» طرح المعالج «8008» الذي فاقت قوته قوة المعالج الذي سبقه بمعدل الضعفين، ليصبح المحرك لكافة اجهزة الكمبيوتر المنزلية، مع ان مثل هذا الجهاز بمقاييس هذه الايام يصعب بناؤه وصيانته وتشغيله. وفي العام 1974 ظهر المعالج «8080» واصبح بمثابة الدماغ لأول جهاز كمبيوتر شخصي حقيقي الذي اطلق عليه «التير» واقبل عشرات الألوف من الهواة على اقتنائه على شكل مجموعة من الادوات. وفي العام 1978 احتل المعالج «8088 - 8086» مكانة القلب في جهاز الكمبيوتر الشخصي الجديد الذي انتجته شركة «آي بي إم» والذي يوصف على انه احد اكثر التطورات تأثيرا في القرن العشرين، واصبح على قدم المساواة مع السيارة والكهرباء والهاتف فيما يتعلق بالتأثير القوي على المجتمع العالمي. وبفضل المعالج «8088» تم ادراج انتل مع اكبر خمسمئة شركة عالمية حسب تصنيف مجلة «فورتشون»، ومع ذلك كانت الشركة تستعد لطرح المعالج «286» في العام 1982 الذي يعد بحق انطلاقة لجهاز الكمبيوتر الشخصي، وفي غضون ست سنوات بعد طرحه بلغ عدد مستخدمي اجهزة الكمبيوتر التي تستخدم معالج «286» حوالي 15 مليون شخص في مختلف انحاء العالم. وطرح هذا المعالج الذي اطلق عليه «انتل 386» في العام 1985، وكان يحتوي علي 275 الف ترانزيستور، اي ما يعادل مئة ضعف عدد الترانزيستورات التي استخدمت في معالة 4004 الاصلي قبل 14 عاما. وجاء المعالج «486» في العام 1989، واتاح ظهور العمليات الحسابية بالألوان الكاملة لأول مرة في التاريخ، وكان المعالج الأول الذي يقدم معالجاً ضمنياً مساعداً للرياضيات. وطرحت سلسلة بنتيوم في العام 1993، واصبحت بسرعة فائقة الكلمة الشائعة الدالة على اقصى درجات الاداء بالنسبة الى اجهزة الكمبيوتر، وامتازت النسخ اللاحقة من بنتيوم خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين بالقوة المتنامية. وفي العام 1997 احتوى معالج «بنتيوم ـ 2» على 7.5 ملايين ترانزيستور، وبعد عامين اثنين بلغ عدد الترانزيستورات في معالج «بنتيوم ـ 3» 9.5 ملايين وحدة بالاعتماد على تقنية 0.25 ميكرون. وفي العام 2000 احتوى معالج «بنتيوم ـ 4» على 42 مليون ترانزيستور، وبلغت سرعته 1.5 مليار هيرتز، فيما بلغت سرعة المعالج «4004» 108 آلاف هيرتز. ولو افترضنا حدوث سرعة موازية في عالم السيارات بنفس النسبة خلال نفس الفترة، لاصبحت الرحلة من اقصى الشرق في الولايات المتحدة الأمريكية الى اقصى الغرب تستغرق 13 ثانية فقط. وفي العام الجاري 2001 لوحده، قامت انتل بطرح شريحتين جديدتين، وكانت كل واحدة منها اقوى بكثير من الشريحة التي سبقتها، ودفعت الاداء الحسابي الى مستويات جديدة من السرعة والتعقيد. ويوفر المعالج «زيون» من انتل الى العملاء حرية اختيار انظمة التشغيل والتطبيقات باسعار مناسبة، ومن المتوقع ان تحقق محطات العمل التي تعتمد على معالجات «زيون» زيادة في الاداء تتراوح ما بين 30 الى 90% في الانظمة التي تستخدم معالج «بنتيوم ـ 3 زيون». اما المعالج «ايتانيوم» فهو الأول ضمن عائلة من منتجات 64 بت التي تقدم اداء عالميا راقيا لمعظم التطبيقات الملحة، بما في ذلك التجارة الالكترونية وعمليات الأمن والقواعد البيانية الكبيرة والهندسة القائمة على الكمبيوتر والاجراءات العلمية المعقدة. على الرغم من قوة ايتانيوم الهائلة، تقل اهميته عند مقارنته مع مليار عملية فتح واغلاق في الثانية الواحدة التي ستصبح النمط السائد في الجيل الجديد الذي يحمل اسم «تيرا هيرتز» TeraHerts، حيث يعتبر بحق انجازا تقنيا خارقا لانه سيتيح المجال امام انتاج ترانزيستورات اعلى سرعة واصغر حجما. وستؤدي هذه الترانزيستورات بدورها الى ظهور تطبيقات جديدة مثل الصوت الحقيقي والتعرف على الوجوه والقيام بمختلف العمليات السحابية من دنو استخدام لوحة المفاتيح، الى جانب ظهور الاجهزةالحاسوبية ذات الحجم الصغير مع تمتعها بالاداء العالي والعمر الطويل للبطارية. ويوجد في قلب المعالج مادة جديدة اطلق عليها اسم high k gate dilecric وامكن تطويرها بفضل تكنولوجيا ثورية تدعى «نزع طبقة الذرة» atom layer deposition في طبقة واحدة يبلغ سمكها ذرة واحدة. فهل هذه هي الجبهة الاخيرة التي يمكن لشريحة الكمبيوتر الوصول اليها؟ وهل يمكن المحافظة على قانون مور بصورة لانهائية على الرغم من هذه القفزات النوعية المتعاقبة في زيادة القوة وتقليل الحجم؟ ويقول معن احمدية، مدير الاعمال في انتل الشرق الادنى، مصر وشمال افريقيا، اذا تناولنا هذا الامر من جانب سطحي، سوف تكون الاجابة بالنفي، مع ان التاريخ يفيد عكس ذلك تماما. ففي العام 1971 على سبيل المثال كان ينظر الى المعالج «4004» على انه قد وصل الى اقصى حدود التطور التقني. وكان يعده الكثيرون انه ينتمي الى آفاق الخيال العلمي، بيد ان الرواد من انتل الذين تحلوا بالبصيرة الثاقبة امكنهم التنبؤ بحقيقته، وتعاملوا معه على انه مجرد خطوة نحو امور اعظم. ويتابع احمدية: منذ ذلك الوقت فتحت كل مرحلة من تطور معالجات انتل افاقا جديدة من الامكانات التقنية.. فمن يمكنه القول بعد انقضاء ثلاثين عاما من الآن ان المعالج «تيراهيرتز» سيبدو بدائيا تماما مثلما هي عليه حالة المعالج «4004» في الوقت الراهن؟