تعول المملكة العربية السعودية على احتياطياتها الوفيرة من الغاز الطبيعي لتغذية حملة الاصلاح الاقتصادي اذ ان اسعار النفط المنخفضة تهدد بايقاف النمو الاقتصادي في أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. وقال محلل غربي «من حيث الاصلاح الاقتصادي فان المملكة تعتمد على ورقة قوية هي الطاقة... فباستثناء مبادرة الغاز لم يتحقق اي تقدم فعلي». وكانت صدمة انخفاض أسعار النفط عام 1998 هي التي شجعت ولي العهد الامير عبد الله على تطبيق اصلاحات تتسم بالحساسية من خلال توجيه الدعوة لشركات النفط العالمية للاستثمار في قطاع الغاز بالمملكة التي تملك رابع أكبر احتياطيات من الغاز في العالم. وكافحت ثماني شركات كبرى لاكثر من عامين من أجل الفوز بحصة من مشروعات الغاز السعودية ووقعت اتفاقيات تمهيدية مع المملكة في أوائل يونيو الماضي لثلاثة مشروعات تبلغ استثماراتها الاولية 25 مليار دولار. واعتبر الجانبان هذه المشروعات المتكاملة على جانب كبير من الاهمية. وبالنسبة لشركات النفط تمثل المشروعات فرصة للدخول الى مجال عمليات التنقيب والانتاج الذي كان محظورا عليها في الخمسة والعشرين عاما الماضية. أما بالنسبة للمملكة فان مبادرة الغاز تمثل عاملا اساسيا في تحفيز النمو الاقتصادي ومعالجة أكبر مشاكلها التي تتمثل في البطالة المزمنة وهي مشكلة ربما تؤدي الى ظهور استياء شعبي. وقال محلل اقليمي ان «التغيرات السكانية لا فكاك منها بالاضافة الى ان مناخ انخفاض أسعار النفط يزيد الامر تعقيدا»، ويقول بعض المطلعين على تفاصيل مبادرة الغاز السعودية انها تتحرك بايقاع مذهل. وقال مدير باحدى الشركات النفطية ان المبادرة تتطور بسرعة كبيرة «بسرعة البرق بالمقارنة بمشروعات أخرى في المنطقة». ورغم عدم الوفاء الموعد الذي كانت السعودية تستهدفه لتوقيع اتفاقات تنفيذية نهائية في 16 ديسمبر الجاري فسيتم توقيع وثائق تحدد التقدم الذي تم احرازه. وقال مصدر بصناعة النفط «تم الاتفاق على 90% من الامور»، لكن العشرة في المئة الباقية تشمل قضايا حيوية مثل التفاصيل التجارية التي يأمل الجانبان التوصل اليها بحلول الربع الاول من العام المقبل، ومن المسائل التي مازالت تمثل مصدرا للقلق لدى المستثمرين الاجانب ما يصفونه بكمية الغاز الضئيلة المعروضة عليهم. وقالت مصادر صناعة النفط ان شركة أرامكو السعودية ستورد احتياجات اثنين من المشروعات الثلاثة وهما مشروع جنوب الغوار ومشروع الشيبة. وقال مصدر ان من المسائل الغامضة ما ستورده ارامكو بالضبط «فالمشروعات لا تبدو قابلة للاستمرار اقتصاديا بناء على كميات الغاز المتاحة». وليست امدادات الغاز العنصر الوحيد المجهول. فلابد من وضع نموذج استثماري كما ان الشركات تفتقر الى معلومات عن كلفة انتاج الغاز. والعناصر غير المعروفة كثيرة لكن لا أحد يرى ان هذه العناصر ستفسد الصفقة على حد قول مديرين بشركات نفطية. وقال محلل اقليمي «شركات النفط ستواصل الالحاح على مطالبها فلا شيء نقش على الحجر» بحيث لا يمكن الرجوع عنه. وأضاف «نحن نتحدث عن مشروعات ضخمة تحتاج وقتا لوضع تفاصيلها». وتنتج المملكة الان نحو 3.5 مليارات قدم مكعب يوميا من الغاز وتهدف الى زيادة طاقتها الانتاجية الى سبعة مليارات بنهاية عام 2003. وكان تقرير رسمي اظهر ان استهلاك المملكة العربية السعودية من المنتجات النفطية المكررة والنفط الخام والغاز الطبيعي في عام 2000 بلغ مليوني برميل يوميا بارتفاع نسبته 3.7% بالمقارنة مع العام الذي سبقه وأن الارقام في صعود مستمر. واوضح التقرير السنوي لمؤسسة النقد السعودي «المصرف المركزي» ان السعودية التي حافظت على مكانتها كاكبر مصدر للنفط في العالم استهلكت العام الماضي نحو 1.95 مليون برميل من المشتقات النفطية والغاز الطبيعي المسال مقابل نحو 1.88 مليون برميل عام 1999. واشار التقرير الى ان السعودية التي بلغ معدل انتاجها من النفط الخام نحو 8.09 ملايين برميل يوميا صدرت لاسواق العالم السنة الماضية ما معدله 6.27 ملايين برميل يوميا مقابل نحو 5.73 ملايين برميل يوميا عام 1999. وارتفع انتاج المملكة من المنتجات النفطية المكررة في العام الماضي بنسبة 3.5% الى 1.64 مليون برميل يوميا من 1.6 مليون برميل يوميا عام 1999. وأفاد التقرير بان الاستهلاك المحلي الاجمالي من المشتقات النفطية وصل العام الماضي الى 711.70 مليون برميل مقابل الاستهلاك الاجمالي الذي سجل عام 1999 والذي بلغ 685.29 مليون برميل. وقال ان انتاج المملكة الاجمالي من المشتقات النفطية العام الماضي بلغ 602.15 مليون برميل مقابل الانتاج الاجمالي الذي تحقق عام 1999 والذي بلغ 581.53 مليون برميل. وأوضح التقرير ان معظم الزيادة في الاستهلاك العام جاءت من تنامي استهلاك الغاز الطبيعي الذي تسعى المملكة لاحلاله مكان زيت الوقود لتغذية محطات توليد الطاقة العملاقة والمشاريع الصناعية الكبرى. واشار الى ان نسبة الزيادة في الاستهلاك بلغت العام الماضي نحو سبعة بالمئة مقارنة بالعام الذي سبقه. واشار محافظ مؤسسة النقد السعودي «البنك المركزي» حمد السياري لدى تقديمه للتقرير السنوي للعام 2000/2001 الى ان مشاريع الغاز العملاقة التي تنوي المملكة تنفيذها بكلفة تقدر بنحو 25 مليار دولار ستساهم في تخفيف الاستهلاك المحلي من النفط وتوجيه الفائض للتصدير للاسواق العالمية. وقال ان هذه المشروعات ستساهم في توفير طاقة نظيفة لمرافق الكهرباء والتحلية والصناعة القائمة وانشاء مشروعات جديدة في مجالات انتاج الطاقة والتحلية والبتروكيماويات. وتقول مصادر صناعة النفط ان انتاج المملكة السعودية من الغاز سيتضاعف خلال السنوات التسع المقبلة ليصل الى اكثر من عشرة مليارات قدم مكعب من الغاز يوميا بحلول عام 2010. وتشير الى ان اجمالي الاحتياطيات السعودية الحالية من الغاز يصل الى نحو 220 تريليون قدم مكعب منها 135 تريليون من الغاز المرافق و 85 تريليون قدم من الغاز الطبيعي وهو ما يضع السعودية في المرتبة الرابعة بين اكبر احتياطيات دول العالم. من جانبهم قال اقتصاديون ان السعودية التي تواجه عجزا في الميزانية مرتفعا الى حد كبير في 2002، سيكون عليها الاختيار لتمويله بين التخلص من اصولها الهائلة في الخارج او الاستدانة في سوقها الداخلية. وكانت الحكومة السعودية اقرت السبت ميزانية يبلغ العجز فيها 12 مليار دولار للسنة المالية 2002، مشيرة الى انها تتوقع هذا العام عجزا يبلغ 7،6 مليارات دولار بعدما كانت تتوقع ميزانية متوازنة. ويمكن ان تغطي المملكة هذا العجز بسحب جزء من الودائع الحكومية في الخارج التي كانت تقدر بأكثر من ثمانين مليارا في نهاية يوليو الماضي. لكنها قد تفضل الاستدانة من مصارف سعودية او اصدار سندات خزينة في سوقها الداخلية. وقال الاقتصادي عبد الوهاب داهش من بنك الرياض ان الوقت ملائم للحصول على قرض في السوق المحلية بسبب الفوائد المنخفضة. واضاف ان «السيولة في السعودية مؤمنة وودائع المصارف هي الاكثر استقرارا في الشرق الاوسط». وقد استبعد وزير المال السعودي ابراهيم العساف الاحد ان تلجأ السعودية الى الاقتراض الخارجي لتغطية العجز في الميزانية. واكد ان «مؤسساتنا المالية واحتياطاتنا الوطنية قادرة على تغطية العجز، ولا يتوجب علينا اللجوء الى قروض خارجية'' لتحقيق ذلك. لكن كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الاميركي براند بورلاند رأى ان «الحكومة لا يفترض ان تواجه مشاكل في الاقتراض لتغطية العجز الميزاني المتوقع». ورأى انه «اذا تمت تغطية العجز الميزاني بالاقتراض فان الدين السعودي سيرتفع ليبلغ 107% من اجمالي الناتج الداخلي المتوقع'' للعام 2002. وتوقعت الرياض لميزانية 2002 ايرادات تبلغ 157 مليار ريال (9،41 مليار دولار) ونفقات تبلغ 202 مليار ريال (9،53 مليار دولار). وقد سجلت المملكة العام الماضي فائضا في الميزانية بلغ 1،6 مليار دولار وذلك للمرة الاولى منذ 1982. ورأى وزير المال السعودي ان الدين العام سيبلغ 168 مليار دولار في نهاية 2001، اي اكثربأربعة مليارات دولار من اجمالي الناتج الداخلي الاولي. ويتوقع ان يبلغ الدين العام السعودي 180 مليار دولار في نهاية 2002 اذا لجأت الحكومة الى الاقتراض في السوق المحلية لتغطية العجز. وتشكل العائدات النفطية اكثر من 80% من مجمل عائدات السعودية. وقد تراجعت اسعار النفط السعودي من 25 دولارا في نهاية اغسطس الماضي الى حوالي 16 دولارا بعد الاعتداءات التي استهدفت الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي. ويبلغ العجز المتراكم في الميزانيات من 1983 الى 1999 في مجمله 200 مليار دولار تمت تغطيته جزئيا بفضل قروض خارجية لم تعد الرياض تلجأ اليها منذ 1994. وبما ان الدين العام يرتفع بسرعة اكبر من اجمالي الناتج الداخلي، يرى اقتصاديون انه آن الاوان لتبدأ السعودية اصلاحات اقتصادية عميقة. وقال كبير اقتصاديي البنك التجاري الوطني سعيد الشيخ انه «من اجل وقف ازدياد الدين العام حان الوقت لاطلاق برنامج لتطوير الموارد غير النفطية». واضاف انه «امر مهم جدا لان تسديد الديون يمكن ان يستغرق اربعة عقود». ورأى ان «تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص وتسريع وتيرة الاصلاحات امور ضرورية». الوكالات