اعتبر تقرير دولي ان الفرص المرتقبة للاستثمار بالنسبة للبلدان النامية في آسيا اجمالا مشرقة، نظراً لنوعية المحددات الاقتصادية الاساسية للاستثمار الاجنبي المباشر، واستعادة المنطقة عافيتها اثر الازمة المالية، والجهود التي تبذل في سبيل تحرير التجارة، واعادة تشكيل البنى الهيكلية، والتي اصبحت الآن واسعة الانتشار، حسبما جاء في تقرير الاستثمار العالمي حول عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود والتنمية، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد». واوضح التقرير ان مجموع تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوافدة عن طريق الشركات العابرة للقارات الى البلدان النامية في آسيا (بما في ذلك آسيا الوسطى وغرب آسيا وبلدان المحيط الهادي) قد زاد زيادة كبيرة هي حيث بلغ 106 مليارات دولار تقريبا مقابل 97 مليار دولار في العام الاسبق له، وكان ذلك متناقضا مع الهبوط الذي كان متوقعا على نطاق واسع في اعقاب الازمة المالية التي حدثت خلال عامي 1997 ـ 1998. وكشف التقرير ان فرص الصين مستقبلا في اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشرة تعتبر فرصا طيبة، بالرغم من حدوث هبوط في السنة الماضية بنسبة 8% تقريبا، حيث بلغ هذا الاستثمار 40.4 مليار دولار. ويتوقع ان تظل الصين موقعا جذابا للاستثمار الاجنبي المباشر، خاصة على الأجل الطويل، على ضوء انضمامها الى منظمة التجارة العالمية، على نحو ما ورد في تقرير الاستثمار العالمي لعام 2000. ان الهبوط الذي حدث عام 1999 قد تجلى في تباطؤ النمو الاقتصادي في هذ البلدان، وفي حدوث فائض في الطاقة الانتاجية في بعض الصناعات التحويلية نظرا للافراط في الاستثمار اثناء العقد الماضي. كما ازداد التنافس من البلدان المجاورة. والهبوط في الاستثمار الاجنبي المباشر الوافد الى الصين تم تعويضه، بل واكثر من ذلك، في السنة الماضية عن طريق ازدهار الاستثمار الاجنبي المباشر الوافد الى جمهورية كوريا وانتعاش التدفقات الوافدة في سنغافورة ومقاطعة تايوان الصينية. ولدى البلدان الخمسة الاشد تأثرا بالازمة المالية التي حدثت في الفترة 1997 ـ 1998، هبطت التدفقات في تايلاند والفلبين، بينما في زادت في ماليزيا وتضاعفت في جمهورية كوريا. وسجلت اندونيسيا تصفية اخرى للاستثمار قدرها 3.3 مليارات دولار، بعد ان كانت قد سجلت تصفية للاستثمار في عام 1998 قدرها 350 مليون دولار. وفي المحصلة النهائية، كسبت البلدان الخمسة مجتمعة 4%، حيث بلغت التدفقات اليها 17 مليار دولار. وعقب الازمة المالية الآسيوية، اخذت جمهورية كوريا بسياسات لتشجيع التدفقات الوافدة من الاستثمار الاجنبية المباشرة، مما ادى الى حدوث زيادة في عمليات الاندماج والشراء بدافع نمو الاستثمار الاجنبي المباشر. والاصلاحات التي قامت بها الحكومة في القطاع العام وحاجتها الملحة الى توفير التمويل وقت حدوث الازمة قد افضيا الى عملية خصخصة واسعة النطاق، اصبحت عنصرا مهما اخر من عناصر اجتذاب المستثمرين الاجانب. وبلغ مجموع الاستثمار الاجنبي المباشر في السنة الماضية 10.3 مليارات دولار (تقريبا ضعف مجموعة عام 1998، البالغ 5.2 مليارات دولار، واكثر من ثلاثة اضعاف المستوى الاعلى السابق الذي تجاوز قليلا 3 مليارات دولار في عام 1997). وزادت التدفقات الوافدة من الاستثمار الاجنبي المباشر الى هونج كونج (الصين) بحيث تجازت 23 مليار دولار في عام 1999 من 15 مليار دولار، بينما زادت التدفقات الى سنغافورة ومقاطعة تايوان الصينية لتبلغ 7 مليارات دولار (5.5 مليارات دولار في عام 1998) و2.9 مليار دولار (222 مليون دولار عام 1998)، على التوالي. عمليات اندماج الشركات اصبحت عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود اسلوبا متزايد الاهمية لدخول اسواق جنوب آسيا وشرقها وجنوب شرقها وبلغت متوسطها سنويا 20 مليار دولار اثناء الفترة 1997 ـ 1999 (بالمقارنة بمتوسط قدره 7 مليارات دولار اثناء سنوات ما قبل الازمة، اي الفترة 1994 ـ 1996). وقد حدثت اهم الزيادات في البلدان الخمسة التي اصابتها الازمة. فقد قفز نصيبها من مجمع عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود في بلدان اسيا النامية الى 68% في عام 1998، بالمقارنة ب19% في عام 1996. وقد بلغت عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود في البلدان الخمسة مجتمع مستوى قياسيا قدره 15 مليار دولار في عام 1999، واستأثرت جمهورية كوريا وحدها بما قدره 9 مليارات دولار. وشهد توزيع عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود حسب بلد المنشأ تحولا كبيرا. وكانت الولايات المتحدة وهولندا وسنغافورة والمملكة المتحدة، بهذا الترتيب، اكبر البلدان الشارية اثناء الازمة المالية، واستأثرت سويا بما يقرب من نصف القيمة الاجمالية لصفقات عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود في البلدان الخمسة التي اصابتها الازمة اثناء الفترة 1998 ـ 1999. وهذه البلدان تخطت ماليزيا والمانيا، وهما البلدان اللذان كانا في الطليعة قبل الازمة، خلال الفترة 1995 ـ 1996. كما ان الشركات عبر الوطنية من سويسرا وفرنسا قد عجلت خطى عمليات شرائها. وهبط الاستثمار الاجنبي المباشر في جنوب آسيا بنسبة 13% ليبلغ 3.2 مليارات دولار. وبلغت التدفقات الوافدة الى الهند، أكبر البلدان المتلقية، 2.2 مليار دولار (2.6 مليار دولار في عام 1998) وهبط الاستثمار الاجنبي المباشر الوافد الى بنجلاديش الى 150 مليون دولار (308 ملايين دولار) بعد حدوث زيادات في السنتين السابقتين. وظلت التدفقات الوافدة الى باكستان ثابتة عند 0.5 مليار دولار. ويفيد تقرير الاستثمار العالمي لعام 2000 ان «لهذا الاقليم الفرعي، على الاجل الطويل، إمكانات كبيرة في مجال الاستثمار الاجنبي المباشر، وسيتوقف تحقيقها الى حد كبير على سرعة خطى تحرير التجارة والاصلاح الاقتصادي، وعلى الاستقرار المحلي والاقليمي». وواصلت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوافدة الى عرب آسيا اتجاهها الصعودي، فبلغت 9 مليارات دولار في السنة الماضية (8 مليارات دولار في عام 1998)، واستأثرت المملكة العربية السعودية وحدها بـ 4.8 مليارات دولار في 1999 (4.3 مليارات دولار)، وكانت السياحة والمنشآت الكهربائية والالكترونية ومختلف الصناعات التي تقوم على سياسة التكنولوجيا الرفيعة جذابة بشكل خاص. ويفيد تقرير الاونكتاد ان التحسينات التي حدثت مؤخرا في البيئة الاقتصادية الكلية وفي المناخ السياسي في المنطقة، مقترنة بانفتاح صناعة النفط على المستثمرين الاجانب (خاصة في الكويت والمملكة العربية السعودية)، من المحتمل ان تفضي الى زيادة التدفقات الوافدة الى المنطقة. ويرد في تقرير الاستثمار العالمي ان آسيا الوسطى فقدت زخم الاستثمار الاجنبي المباشر الذي كانت تحظى به في المرحلة الأولى من تحرير التجارة والاصلاحات لديها. كما ان التدفقات الوافدة الى ذلك والاقليم الفرعي، التي تجاوزت قليلا 3 مليارات دولار في كل من 1997 و1998، قد هبطت الى 2.8 مليار دولار في السنة الماضية، وقد هيمنت الاستثمارات في مجال النفط على تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوافدة الى البلدين المتلقيين الرئيسيين. واستأثرت كازاخستان بـ 1.6 مليار دولار في 1999 (مقابل 1.15 مليار دولار في 1998)، وهبط مجموع الاستثمار الاجنبي المباشر الوافد الى اذربيجان في السنة الماضية الى 690 مليون دولار (مليار دولار في 1998)، وكانت قطاعات اخرى في هذه البلدان، والاقتصادات الاخرى (غير النفطية) في المنطقة، قد اجتذبت قدرا أقل من الاستثمارات الاجنبية المباشرة، بسبب مشاكل التحول (في اوزبكستان وتركمانستان) والآفاق الاقتصادية القاتمة. وبعد تراجع تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوافدة الى اقتصادات بلدان جزر المحيط الهاديء في 1996 و1997، شهدت السنتان الاخيرتان تدفقات أكبر نوعا ما (248 مليون دولار في 1999 و231 مليون دولار في 1998)، واستأثرت بابوا غينيا الجديدة بالجزء الأعظم من التدفقات الوافدة الى هذا الاقليم الفرعي (أكثر من 70% في 1999)، نظرا لتنميته لقطاعي التعدين والنفط على نطاق كبير. ان فتح سوق للأوراق المالية في ابريل 1999 من اجل التعامل التجاري للشركات الكبيرة قد يجتذب بعض المستثمرين الاجانب. التدفقات الى الخارج انتعش الاستثمار الاجنبي المباشر من البلدان النامية في آسيا الى الخارج انتعاشا كبيرا في 1999، حيث بلغ 37 مليار دولار، بالمقارنة بـ 22.8 مليار دولار في السنة السابقة، ومع ذلك فحتى الحجم الأخير هو ادنى كثيرا من المبالغ القياسية المسجلة في 1997 و1996 (47.4 مليار دولار و51.9 مليار دولار على التوالي)، وظلت هونج كونج (الصين) المستثمر الرئيسي في الخارج، بالرغم من ان تدفقات استثماراته الى الصين، حيث انه مازال المستثمرون الأكبر فيها، قد هبطت على مدى السنوات القليلة الماضية، وتواصلت عمليات تصفية استثمارات الشركات عبر الوطنية الآسيوية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. ولا تعني تصفية هذه الاستثمارات بالضرورة ان حالة الشركات الاجنبية الفرعية غير صحيحة، فمن المرجح ان تكون هذه الحالة ناجمة عن عملية اعادة هيكلة الشركات وصعوبة مالية قصيرة الاجل، حسب تقرير الاستثمار العالمي لعام 2000. وحتى داخل الاقليم، كانت معظم الشركات غير الوطنية الاسيوية غير قادرة على الاستفادة من الاصول المتاحة. والاستثناءات الوحيدة هي الشركات عبر الوطنية التي تتخذ سنغافورة مقراً لها، اذ بلغت فيها عمليات اندماج الشركات وشرائها عبر الحدود 4 مليارات دولار في 1999. ومرة اخرى، فإن العدد الأكبر من الشركات الرئيسية المدرجة في آخر قائمة صادرة عن الاونكتاد بأكبر 50 شركة عبر وطنية من البلدان النامية (مقاصة من حيث الاصول المملوكة في الخارج) كانت شركات آسيوية. وسبع من الشركات العشر الرئيسية تتخذ آسيا مقرا لها. وشركة دايوو، التي تعد الثانية من حيث الترتيب بين الشركات عبر الوطنية في جميع الاقتصادات النامية، كانت هي أكبر الشركات عبر الوطنية الاسيوية، ووفقا لبيانات 1998. ومن بين الشركات الاسيوية الرئيسية، حققت شركة بتروناس الماليزية أكبر المكاسب بين الشركات الخمسين الأولى المدرجة في قائمة الاونكتاد. وقد صعدت هذه الشركة في السنة الماضية من الترتيب الثامن عشر الى الخامس. والشركات عبر الوطنية الاسيوية الأولى مازالت الى حد كبير شركات تتخذ جمهويرة كوريا وهونج كونج (الصين) وسنغافورة مقار لها. وقائمة الاونكتاد بالشركات الخمسين الأولى تحوي ثلاثين شركة من آسيا. كما ان سبعا من الشركات العشر الرئيسية هي من هذا الاقليم ايضا. كلما ازدادت أهمية الاستثمار الاجنبي المباشر في الاقتصاد العالمي الآخذ بالعولمة كلما تزايد اهتمام البلدان بجني اقصى قدر ممكن من المنافع الناجمة عنه. وبالنسبة للبلدان النامية، فإن احد أكثر السبل في تحقيق ذلك هو تشجيع الروابط بين الشركات المنتسبة الاجنبية والشركات المحلية، التي تشكل أفضل قناة لتوزيع المهارات والمعارف والتكنولوجيا. وهذا هو موضوع تقرير الاستثمار العالمي لهذا العام حيث يدرس التقرير الآثر الايجابي للروابط على التنمية. والتحدي المتمثل بكيفية تشجيع الروابط من خلال السياسات العامة. وتوفر الروابط المنافع للشركات المنتسبة الاجنبية والشركات المحلية، علاوة على الاقتصاد الذي تقام فيه هذه الروابط، حيث يتخذ تكوين الروابط الخلفية مع الشركات المنتسبة الاجنبية أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية، فمن ناحية الشركات المنتسبة الاجنبية يمكن ان تخفض عمليات الشراء محليا تكاليف الانتاج في الاقتصادات المضيفة وتتيح الفرصة للمزيد من التخصص والمرونة، علاوة على تكييف التكنولوجيا والمنتجات مع الظروف المحلية على وجه أفضل. فوجود الموردين المتقدمين تكنولوجيا يمكن ان يفتح امام الشركات المنتسبة الاجنبية سبل الوصول الى موارد التكنولوجيات والمهارات الخارجية، مما يعزز جهودها الابتكارية هي. اما من ناحية الموردين المحليين فعموما ما يكون الاثر المباشر للروابط ارتفاع معدلات الانتاج والعمالة. ويمكن ان تنقل الروابط المعارف والمهارات بين الشركات المرتبطة مع بعضها. ويمكن ان يعزز قيام شبكة كثيفة من الروابط كفاءة الانتاج، ونمو الانتاجية، والقدرات التكنولوجية والادارية وتنويع الأسواق بالنسبة للشركات ذات الصلة. اما بالنسبة للاقتصاد المضيف ككل، فإن الروابط يمكن ان تحفز النشاط الاقتصادي، وان تعود بالفائدة على ميزان المدفوعات حيثما تحل المدخلات المحلية محل المستوردة منها. ويمكن ان تؤدي تقوية وضع الموردين بدورها الى آثار غير مباشرة على الاقتصاد المضيف، مما يساهم في ايجاد قطاع مؤسسات تجارية يعج بالنشاط وفي جعل الشركات المنتسبة الاجنبية أقل «ميلا الى التنقل». وتمثل الاتجاهات الحالية للشركات عبر الوطنية نحو التركيز بصورة اشد على انشطتها التجارية الاساسية، وتزايد اعتمادها على الخدمات من الخارج، فرصا جديدة للشركات كي ترتبط بنظم الانتاج العالمية للشركات عبر الوطنية، حيث تنفق اي شركة تصنيع اعتيادية اكثر من 50% من ايراداتها على المدخلات المشتراة، لكن التحول إلى جهة موردة للشركات عبر الوطنية الرئيسة ليس بالمهمة اليسيرة، اذ ان تزايد الضغوط التنافسية يجبر الشركات الواقعة في كافة نقاط سلسلة التوريد على اختيار موردين قادرين على تلبية شروط صارمة من حيث التكلفة والجودة والتسليم في الوقت المناسب، وغالبا ما يؤدي ذلك بالشركات المنتسبة الاجنبية العاملة في الصناعات ذات التوجه العالمي (كالالكترونيات والسيارات) إلى استخدام شركات عبر وطنية اخرى كجهات موردة بدلا من الاعتماد على المصادر المحلية. ويشدد تقرير الاستثمار العالمي 2001 على ان نطاق الروابط التي تقيمها الشركات المنتسبة الاجنبية مع الموردين المحليين يتوقف على التكاليف والمنافع ذات الصلة، وكذلك الفوارق في المفاهيم والاستراتيجيات على مستوى الشركات، ولعل اهم عامل يؤثر على درجة الاستعانة بالمصادر المحلية في البلدان النامية يتصل بتوفر القدرة على التوريد فنقص الموردين المحليين ذوي الكفاءة يشكل عائقا شائعا امام اقامة الروابط، سيما في البلدان النامية. المنافع المتبادلة ادراكا منها لأهمية المنافع المتبادلة التي يمكن ان تجلبها الروابط، وضعت كل من الشركات المنتسبة للشركات غير الوطنية والحكومات المضيفة برامج لتطوير الجهات الموردة وربطها ببعضها كما يتبين من مضمون تقرير الاستثمار العالمي 2001، ومن بين قصص النجاح في هذا المجال جهود تطوير الجهات الموردة التي بذلتها «سان جوبان» في الهند و«البرنامج الوطني الايرلندي لاقامة الروابط» و«برنامج الارتقاء بمستوى الصناعات المحلية»، في سنغافورة. وفي حين ان للشركات عبر الوطنية مصلحة ذاتية في اقامة الروابط مع الموردين المحليين، فان الحكومات تستطيع ان تلعب دورا هاما في تشجيع الروابط، كما يشير «التقرير»، فاستعداد الشركات للاستعانة بالموردين المحليين يمكن ان تؤثر عليه السياسات الحكومية التي تعالج شتى العوائق امام عملية تكوين الروابط بغية زيادة المنافع أو الحد من النفقات المترتبة على استخدام الموردين المحليين، والمثال على ذلك، ان الشركات عبر الوطنية قد لا تعرف بوجود موردين قادرين على تلبية الاحتياجات، أو انها تجد الاستعانة بهم كمصادر لمدخلاتها باهظة التكاليف. فعندما قررت شركة سان جوبان الفرنسية لأول مرة اقامة مصنع للزجاج في تشيناني، بالهند، واجهت مشاكل تقنية كبرى في التعامل مع الموردين المحليين المحتملين، اذ كانت الشركات تعمها الفوضى وتوزع في اماكن متناثرة متباعدة، وكانت قدراتها التكنولوجية محدودة، وكانت عاجزة عن بلوغ المعايير الدنيا دون مساعدة جهات اخرى، فشكلت سان جوبان فرقا متخصصة لتطوير الشركات الموردة قبل ثلاث سنوات من البدء بعمليات الانتاج، وقدمت هذه الفرق، المؤلفة من خبراء في عدة اختصاصات من الهند والخارج، المساعدة على تقييم الموارد الخام، والخدمات الهندسية والفنية، والدعم بتكنولوجيا المعلومات، وانتاج مواد التغليف، والادارة اللوجستية، وعملت كل فرقة مع الموردين على وضع نماذج للتكاليف والاعمال التجارية، وتدريب يد عاملة امية إلى حد كبير وتثقيف الشركات بخصوص المفاهيم الادارية، كما قامت الفرق بدور الوسيط لمساعدة الشركات على الحصول على قروض من المؤسسات المالية، وبعد اربع سنوات من ارسال اول فريق إلى الهند، اصبحت نسبة 80% من متطلبات المواد الخام تلبي محليا، وبدأ عدة موردين يبيعون منتجاتهم إلى شركات غير وطنية اخرى في الهند. البرنامج الوطني الايرلندي لاقامة الروابط تنفذ Enterprise Ireland وهي وكالة حكومية انشئت عام 1985 تحت اشراف وزارة المالية، مختلف برامج الروابط الرامية إلى تشجيع دمج المؤسسات التجارية الاجنبية في الاقتصاد الايرلندي، والفكرة من ورائها هي: العمل كشريك مع الشركات الزبونة لاكتساب ميزة تنافسية مستديمة، تسفر عن زيادة كبيرة في المبيعات والصادرات والعمالة المربحة، ويضطلع برنامج الروابط الوطني في المقام الاول بتوفير خدمات السمسرة لتشجيع اعتماد الشركات المنتسبة الاجنبية على استخدام المدخلات المحلية، ويسعى إلى جعل انتاج الموردين المحليين يلبي متطلبات هذه الشركات من المدخلات، وقد تزايد تركيزه على بناء القدرات لتحقيق ذلك، اما الصناعات المستهدفة فهي الالكترونيات والهندسة والرعاية الصحية والمكونات المعدنية والبلاستيكية، والمعيار الاساسي في اختيار الشركات الايرلندية للمشاركة في برنامج تطوير الجهات الموردة هو موقف الاداريين في الشركات المحلية، الذي يتبين انه يتسم «الفكر التقدمي والطموح والدينامية». ويعمل البرنامج مع الشركات المحلية المختارة للتغلب على المشاكل العملية ودعم القدرات التسويقية، واستجابة للحاجة المتزايدة بان يصبح الموردون شركات تجميع فرعية، يشجع البرنامج اعادة تنظيم الصناعة المحلية «بتزويج» الشركات الموردة، بدلا من التركيز على مقدمي المكونات الافرادية للشركات المنتجة الاجنبية. وقد افلح «انتبرايز ايرلاند» بين عامي 1985 و1997 في اشراك زهاء 250 شركة منتسبة اجنبية في برنامج الروابط، وزادت في تلك الفترة الشركات العاملة في ايرلندا مشترياتها المحلية من المواد الخام بأربعة اضعاف واكثر من ضاعفت مشترياتها من الخدمات، وشهد الموردون مبيعاتهم تقفز بنسبة 83% وانتاجيتهم بنسبة 36% والعمالة التي يوظفها بنسبة 33%، واصبح العديد منهم متعاقدين من الباطن ناجحين على المستوى الدولي. الارتقاء بمستوى الصناعات المحلية يعتبر تطوير سنغافورة كي تصبح «مركزاً للصناعات القائمة على المعارف» الغاية الاساسية من برنامج الارتقاء بمستوى الصناعات المحلية الحكومي، ويتم في اطار هذا البرنامج تشجيع الشركات عبر الوطنية على ابرام عقود طويلة الاجل مع الموردين المحليين ومساعدتهم على تحسين منتجاتهم وعملياتهم، ويوفر البرنامج نفسه الدعم التنظيمي والمالي اللازمين لتحسين وتطوير اوضاع البائعين، ويعمل بالتعاون الوثيق مع الشركات الاجنبية، وتدرك الشركات عبر الوطنية المشاركة بدورها، المنافع المترتبة على انخراطها في برنامج تطوير بالبائعين. وتشمل انشطة برنامج الارتقاء بمستوى الصناعات المحلية شتى تدابير الدعم، حيث يساهم مجلس تطوير المؤسسات صغرية الحجم التابع للبرنامج في دفع رواتب ممثلي الشركات المنتسبة الاجنبية الذين يعارون للموردين المحليين بغية تعزيز قدرتهم على المنافسة، ويشجع الموردون المحليون على التوسع دوليا، من قبيل اللحاق بزبائنهم من الشركات عبر الوطنية عندما تنشيء مصانع في اماكن اخرى، وخصوصا جنوب شرق آسيا، وبهذه الطريقة تستطيع حكومة سنغافورة الحفاظ على تأثيرها على صبغة ومضمون عملية رفع مستوى رؤوس الاموال. ويعرض تقرير الاستثمار العالمي 2001، بالاستناد إلى تجارب مجموعة عريضة من البلدان، قائمة بالتدابير المحددة التي تم استخدامها في تشجيع الروابط، وتشمل هذه التجارب توفير المعلومات وعمليات المواءمة، وتشجيع الشركات المنتسبة الاجنبية على المشاركة في برامج تهدف إلى الارتقاء بالقدرات التكنولوجية للموردين المحليين، ووضع برامج تدريب بالمشاركة مع الشركات المنتسبة الاجنبية لصالح الموردين المحليين، وشتى المخططات اللازمة لتعزيز سبل حصول الموردين المحليين على التمويل اللازم. وقد اقامت بضعة بلدان - مثل كوستاريكا والجمهورية التشيكية، وايرلندا وماليزيا وسنغافورة والمملكة المتحدة - برامج شاملة لتطوير الروابط تنطوي على الجمع بين مختلف التدابير في مجال السياسة العامة واستهداف صناعات وشركات محددة، وقد لاقت هذه البرامج نجاحا ملحوظا في اغلب الاحيان. ويمكن ان تنجم التدخلات الحكومية الموجهة توجيها جيدا عن ترجيح الكفة إلى جانب اقامة المزيد من الروابط والمساهمة بذلك في نقل معارف الشركات عبر الوطنية التي يمكن ان تغذي تطوير قطاع تجاري محلي مفعم بالنشاط، وبالطبع، فان جهود تشجيع الروابط، شأنها شأن السياسات الانمائية، ينبغي ان تتكيف مع الظروف السائدة في كل بلد مضيف وان تبذل بالتعاون الوثيق مع القطاع الخاص والاطراف الفاعلة الاخرى، وكلما اقترنت سياسات تشجيع الروابط بتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وسياسات تشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر الهادفة، كلما تزايدت فرص نجاح هذه السياسات. ويوفر تقرير الاستثمار العالمي 2001 مدخلات ذات شأن لصانعي السياسات الذين يبحثون عن سبل للاستفادة استفادة قصوى من المنافع الممكن استخلاصها من الاستثمار الاجنبي المباشر، كما يتضمن امثلة ملموسة عن جهود الشركات عبر الوطنية لتعزيز الروابط مع الموردين، وهي امثلة يمكن ان تقتدي بها وتضاهيها شركات اخرى وفي بلدان اخرى. كتب مصطفى عبدالعظيم: