اكدت دراسة اقتصادية خليجية على اهمية الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص في الاستثمار الصناعي بدول مجلس التعاون، خاصة مع انخفاض قدرة المؤسسات التمويلية الحكومية على تلبية حاجة القطاع الصناعي من تمويل متوسط وطويل الاجل. وشددت الدراسة، التي اعدتها منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، على ضرورة توفر سوق مالية نشطة لضمان تحقيق تداول نشيط ومنظم يوفر للقطاع الصناعي الاحوال اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية، ودعت الى التنسيق بين دول المجلس، ليس فقط على مستوى الامتيازات الممنوحة وقوانين الاستثمار وحرية الدخول والخروج للسلع والافراد ورؤوس الاموال، بل ايضا في مجلس السياسات والانظمة النقدية والمالية والتجارية. تشجيع الحوافز الجيدة ووفقا للدراسة التي وردت في النشرة الفصلية الاخيرة لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية تتفق وجهات النظر في انه يجب تشجيع الحوافز «الجيدة» التي تؤدي الى تدفق الاستثمار الاجنبي المباشر، المتسق مع اهداف التنمية في دول مجلس التعاون مع التأكيد على تحسين البيئة المحفزة له. وقد اكدت التجارب ان الحوافز «السلبية لها تأثيرات اضافية محدودة، وربما تؤي الى مظاهر ضعف في النواحي النقدية والمالية، وميزان المدفوعات. فالحوافز الجيدة هي تلك القادرة على تهيئة المناخ، لتحقيق النمو القابل للاستثمار وتنويع مصادر الدخل، اما الحوافز السلبية فهي التي تنجح فقط في جذب التدفقات المالية ذات الصبغة المضاربية في المدى القصير، والتي يمكن ان تقوض جهود الدولة المضيفة في تحقيق اهدافها الاقتصادية. ان الحوافز التي تشجع الاستثمار من قبل الشركات المحلية والأجنبية جميعا (درجة انفتاح الاقتصاد، استقرار الاحوال الاقتصادية والقانونية، استقرار اسعار الصرف، الى آخره) اكثر اهمية بكثير من الحوافز التفضيلية للشركات الاجنبية (الاعفاء الضريبي والجمركي)، ومن المثير للدهشة ان غالبية الدول النامية ـ تمنح الاستثمار الاجنبي الحوافز التي تسبب اكبر الضرر للاقتصاد المحلي في شكل اختلالات هيكلية. تدخل الشواهد التطبيقية القاطعة على ان التأثيرات الايجابية للاستثمار الاجنبي المباشر مشجعة، الا انها تشير الى اهمية ضبط مكوناته. وعلى سبيل المثال، اثبتت الدراسات ان الشركات متعددة الجنسيات الأوروبية، تعتمد على الشركات التابعة اكثر مما تفعل مثيلاتها الامريكية او اليابانية. وبما ان الاثار الايجابية للاستثمار الاجنبي المباشر ترتبط ـ نظريا وتطبيقيا ـ بروابط تجارية خلفية واممية بين الشركات التابعة والشركات المحلية، فإن هذا الاعتماد النسبي على الشركات المحلية، يصبح عاملا يجب اخذه في الاعتبار. وقد اثبتت الدراسات الحديثة ان التأثيرات الناتجة عن الروابط الامامية اكثر فائدة للدولة المضيفة عن مثيلاتها المتأنية من الروابط الخلفية، لأن الروابط الامامية اكثر مجلبة لنقل التكنولوجيا والمعرفة التسويقية، مما يوحي بأن الشركات التابعة التي تنتج السلع الوسيطة تكون اكثر فائدة للدولة التي تنتج سلعا نهائية، خاصة اذا كان هدف الاخيرة هو الاستهلاك المحلي. ان الحصول على المنافع المحتملة للاستثمار الاجنبي المباشر ليس تلقائيا، واذا كانت هيكلية الاستثمار المباشر غير ملائمة، فإن آثاره السلبية تفوق آثاره الايجابية. وتعزز الاعتبارات السالفة المبدأ الاساسي في الاستثمار الاجنبي المباشر، الا وهو ان الاستثمار الاجنبي المباشر مكمل للادخار، والاستثمار المحليين، وليس بديلا عنهما. وأن القدرة على استمرار عملية النمو بواسطة المدخرات الاجنبية، تعتمد على ربط عملية النمو بمعدلات الاستثمار وادخار محلية مرتفعة، وتكملة ذلك بالاستثمار والادخار الاجنبيين. وتشير الدراسة الى ان المستثمر في دول المجلس يتمتع بمجموعة كبيرة من المزايا والاعفاءات، وقد منحته القوانين المنظمة للاستثمارات الاجنبية، والتي صدرت اخيرا في معظم دول المجلس، كل المزايا التي كان يفتقدها، فأصبح من حقه تملك مشروعه، والسيطرة على ادارته وتملك الاراضي والعقارات اللازمة لادارة المشروع. ومن المعروف ان وضوح القوانين، ووجود جهة واحدة مسئولة عن كافة الاجراءات الاستثمارية، وسهولة الاجراءات الادارية، تعد من الاعتبارات التي تهم المستثمرين كثيرا، وقد وفرتها قوانين الاستثمار الجديدة في دول المجلس. وحسب الدراسة. لم تمارس دول مجلس التعاون في الفترة محل الدراسة، سياسة نقدية محددة، سواء كانت توسعية او انكماشية، كما اثبتت نتائج التحليل القياسي، ويرجع ذلك في الاساس الى عدم وجود اختلالات هكيلية حقيقية، اذ الاختلالات الحاصلة هي اختلالات في التدفقات النقدية تسببها دورة اسعار النفط، مهما بدت مزمنة، وان كان عدم اتباع سياسة نقدية محددة قد اثر سلبية على مستويات الطلب، إلا ان السلطات النقدية لا تستطيع اتباع سياسة نقدية داخلية مستقلة، نظرا لارتباط اسعار صرف عملاتها بأسعار صرف الدولار الامريكي، عملة تقييم النفط في السوق الدولي. والمعروف انه متى ارتبط سعر صرف عملة بسعر صرف عملة اخرى، فإن هدف السياسة النقدية الوحيد في الدولة ذات العملة التابعة، يصبح هو المحافظة على استقرار سعر صرف عملتها في علاقتها بالعملة المتبوعة، وتفقد اي قدرة لها على ممارسة سياسة نقدية داخلية مستقلة، وانما تنحصر مهماتها في مجال الادارة النقدية. وعليه فإن سعر الفائدة على عملتها لابد ان يتبع سعر الفائدة على عملة الدولة المتبوعة، بصرف النظر عما اذا كان سعر الفائدة يحدد بقوى السوق الحرة، او بصورة تحكمية من قبل السلطة النقدية فيها متى كانت حرية التحويل مكفولة، كما هو الشأن في كل دول المجلس، وقد كان ذلك واضحا على قيمة معاملات المتغيرات النقدية في النموذج القياسي. ولاشك ان الاستقرار النسبي لسعري صرف العملات المحلية لدول المجلس، يساعد في تحقيق استقرار، لاشك في اهميته في المناخ الاستثماري، ولاسيما بالنسبة للاستثمارات العاملة في مجال الصادرات، رغم ما قد يتبع ذلك من اثار على ميزان المدفوعات. ووفقا للدراسة فقد حاولت دول المجلس اتباع سياسة مالية انكماشية، لعلاج عجز ميزانياتها عن طريق محاولة ضغط النفقات ـ خاصة النفقات الاستثمارية ـ وليس بالاعتماد اساسا على زيادة الايرادات البديلة للايرادات النفطية ـ خاصة الرسوم والضرائب ـ مما كان له اثر ايجابي على استقرار النشاط الاقتصادي، والاستثمار الصناعي، وعدم انخفاض الطلب الكلي. واذا كانت حكومات دول المجلس لم تستطع ـ في كثير من السنوات ـ الالتزام بهذه السياسة الانكماشية، فإن ذلك يرجع الى عدم قدرتها على ضغط نفقاتها الجارية، فبينما تكون للنفقات الجارية اثار تضخمية غير مرغوب فيها تسيء للمناخ الاستثمار فإن لزيادة النفقات الاستثمارية ـ رغم ما توجده من ضغوط على الميزانية ـ اثار توسعية مضاعفة على الاستثمار الصناعي. استنفاد الاحتياطيات الاجنبية ان فترة انخفاض اسعار النفط ادت الى استنفاد الاحتياطيات الاجنبية لمعظم دول المجلس، كما ادت الى تحملها اعباء ديون داخلية كبيرة، ولكنها ادت من ناحية اخري الى اصلاحات هيكلية مهمة، والى كثير من الانضباط المالي الذي مازالت ملتزمة به بعد ارتفاع اسعار النفط لبناء احتياطياتها الاجنبية، وسداد ديونها الداخلية ومواصلة اصلاحاتها الهيكلية. وهو ما بدا واضحا جدا في معاملات المتغيرات المالية في النماذج القياسية وترى الدراسة ان دور القطاع الخاص في الاستثمار الصناعي يعد محدودا نسبيا، ومقتصرا بوجه خاص على المشروعات ذات الربحية العالية، والمردود السريع، وصغيرة الحجم نسبيا. في حين تتميز دول المجلس بوفرة عنصري: رأس المال والطاقة، اللذين يعدان من اهم عناصر الجذب للاستثمار الصناعية في المنطقة، خاصة لاقامة الصناعت كثيفة الاستخدام لرأس المال والطاقة، لاسيما البتروكيماويات والحديد والصلب والالومنيوم، إلا ان الندرة النسبية لعنصر العمل تمثل عائقا امام هذه الاستثمارات. كما يتميز حجم السوق الخليجي بصغره النسبي، ووجود عديد من المشكلات التسويقية به، سواء في الداخل ام في الخارج. تفضيل الشركات الأوروبية وانتهت الدراسة الى التوصيات التالية: ـ قد يكون من الافضل لدول المجلس ان تعمل على زيادة تفضيل الشركات متعددة الجنسية الأوروبية، لما توجده من روابط خلفية وامامية بين الشركات التابعة والشركات المحلية، الأمر الذي يؤدي الى نقل التجارب التنظيمية والتسويقية والتكنولوجية الى السوق المحلي، وذلك اكثر مما يحدث بالمقارنة بالشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية واليابانية. ـ على دول المجلس ان تختار نوعيات الاستثمار الاجنبي المباشر، القادرة على وجود وفورات خارجية لبقية القطاعات الاقتصادية، وهي تلك التي تتميز بالروابط الامامية التي هي اكثر مجلبة لنقل التكنولويجا، والمعرفة التسويقية والتنظيمية، وعليه فإن الشركات التابعة المنتجة للسلع الوسيطة، تكون اكثر فائدة للصناعات المحلية من الشركات التابعة المنتجة للسلع النهائية. ـ اثبتت الدراسات التطبيقية، أن الشركات الأم الأوروبية اصبحت تدفع جزءا من تكلفة البحث والتطوير في فروعها الخارجية، ومع نمو شركات البحث والتطوير يمكن لها ان تستقل عن الشركات الأم وشركاتها التابعة، وتصبح مصدرا مستقلا عاما للتطور التكنولوجي في السوق المحلية، اذا وجدت الحافز لذلك. على دول المجلس ان تحاول رفع معدلات الادخار والاستثمار المحليين، حيث ان الاستثمار الاجنبي المباشر ليس بديلا عن الاستثمار المحلي، ثم ان احسن الحوافز الجالبة للاستثمار الاجنبي، هي: تلك التي تكون مفيدة لكل من الاستثمار الاجنبي، والمحلي معا. وعليه فإن الدراسة توصي باتباع السياسات التي تؤدي الى ما يلي: ـ تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، والقدرة على التنبؤ. ـ درجة عالية من الانفتاح الاقتصادي. ـ وجود استثمارات حكومية في البنى الاساسية، وتشجيع القطاع الخاص في دخول هذا المجال. ـ تنمية الجهاز المصرفي، واعطائه مزيدا من الاهمية في توفير الائتمان ـ وخاصة الائتمان الصناعي ـ وربط معدلات نمو السيولة بمعدلات نمو الاقتصاد المحلي، وكف يد الحكومة عن الاقتراض من الجهاز المصرفي لتمويل عجز الموازنة، بل يجب ان تلجأ الى اقتراض موارد حقيقية من السوق المالي، حتى لا تتم «ازاحة» الاستثمار الخاص من سوق الائتمان. ـ تنويع مصادر الايرادات الاخرى غير النفطية، وخفض الانفاق الحكومي ـ خاصة الجاري ـ على ان يتم ذلك في اطار سياسة الاصلاح الهيكلي والتثبيت المالي. ـ لابد من مزيد من الاعتماد على القطاع الخاص في الاستثمار الصناعي ـ خاصة مع انخفاض التمويل الحكومي، وانخفاض قدرة المؤسسات التمويلية الحكومية على تلبية حاجة القطاع الصناعي من تمويل متوسط وطويل الاجل وضرورة ترشيده ـ مما يشجع ايضا على ضرورة توسع الحكومات في الاتجاه نحو خصخصة المشروعات العامة، خاصة الصناعية منها. ـ لمزيد من تشجيع القطاع الخاص، وعملية التحول نحو الخصخصة، يجب توافر سوق مالية ناشطة لضمان تحقيق تداول نشيط ومنظم، يوفر لهذا القطاع الأموال اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية، ويحقق تنوع لادوات التمويل المالي ذات المزايا المختلفة، بما يتيح الفرصة امام المتعاملين للاختيار وفق مصالحهم واتجاهاتهم. ـ تكوين ايد عاملة وطنية مدربة وفنية، من خلال توجيه تعليمي وتدريبي قائم ـ اساسا ـ على الاستجابة للمتطلبات الحقيقية لسوق العمل، ويمكن الاستعانة في ذلك ـ بوجه خاص ـ بالشركات متعددة الجنسيات، واقامة مراكز تدريب وطنية متخصصة، مع مزيد من المحاولات التربوية لتغيير مفهوم العمل وانواعه. ـ ضرورة توسيع حجم السوق المحلية، وزيادة القدرة التصديرية لها، ومن المتوقع اتساعها اعتمادا على كل من: ـ ارتفاع معدل النمو الحقيقي للسكان. ـ ارتفاع متوسط الاستهلاك الفردي. ـ انخفاض نسبية الاكتفاء الذاتي في انتاج السلع الصناعية. ـ الاتجاه نحو توحيد السوق الخليجي. وانتهت الدراسة الى ان اتساع حجم السوق وما يستتبعه من نمو الطلب على منتجات الدول الاعضاء، سوف يترتب عليه تشجيع الاستثمار، مع مراعاة ضرورة تكامل الاجهزة الانتاجية للدول الاعضاء، وليس تنافسها، اي: التعامل على انها جهاز انتاجي واحد يحقق علاقات تشابكية بين القطاعات والانشطة المختلفة، ويساعد على التخصص وتقسيم العمل، مما يؤدي بالتالي، الى كبر حجم الصناعة، والاستفادة بمزايا الانتاج الكبير. لابد ايضا من التنسيق بين الدول، ليس فقط على مستوى الامتيازات الممنوحة وقوانين الاستثمار وحرية الدخول والخروج للسلع والافراد ورؤوس الاموال، بل ايضا في مجال السياسات والانظمة النقدية والمالية والتجارية. اما فيما يختص بضرورة تحسين القدرة التصديرية فمن الضرورة اجراء دراسات دقيقة للاسواق الخارجية ومستويات الطلب العالمي على السلع الصناعية، ومعدلات نمو هذا الطلب وتوقعاته المستقبلية، لامكانية وضع خطط انتاجية طويلة المدى من ناحية، مع تحسين جودة المنتج وتنويعه لزيادة القدرة على المنافسة، ومحاولة خفض التكلفة من ناحية اخرى، دون اغفال دور الشركات متعددة الجنسية في هذا المجال، ولا اغفال الالتزامات الدولية في ظل منظمة التجارة العالمية. كما يمكن تشجيع التصدير عن طريق تقديم مزيد من خدمات التمويل والضمان والتأمين للصادرات، لمواجهة منافسة المصدرين الآخرين من الدول الصناعية، والدول النامية، الذين يتمتعون بالكثير من الحوافز والدعم، بما في ذلك تمويل وضمان تأمين الصادرات. ابوظبي ـ مكتب «البيان»: