كان مؤتمر الاندماج الاقتصادي العربي الذي نظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية مؤخرا أحد المؤتمرات الجادة التي وضعت وصفا دقيقا لأوضاع التعاون الاقتصادي العربي. التي لم تتحرك الى الامام منذ مايقرب من أربعين سنة، حيث وقفت عند التصورات التي تقررت لهذا التعاون في الخمسينيات والستينيات وأعد لها اتفاقية جماعية للتوقيع عليها، وهي الاتفاقيات التي اقتبست منها التنظيمات الاقتصادية في أوروبا وفي أمريكا الجنوبية وفي كثير من مناطق العالم. لقد ظهرت التصورات العربية للتعاون في شكل تنظيمات جماعية تم وضعها بدقة كاملة ومن خبراء عرب قوميين ومتخصصين، وشملت جوانب تجارية ونقدية وتنسيقية لكافة السياسات الاقتصادية وخاصة منها الزراعية والصناعية، وفي ضوء ذلك تم التوقيع على اتفاقيات جماعية عربية في أواخر الاربعينيات وبداية الخمسينيات وتمثلت فيما يلي: أولا: في نطاق الاتفاقيات المنشئة لجامعة الدول العربية كان قطاع التعاون الاقتصادي العربي بارزا، حيث تضمن بروتوكول الاسكندرية الموقع بين الحكومات العربية بتاريخ 7/10/1994 بندا مستقلا عن التعاون في الشئون الاقتصادية والثقافية والمالية والجمركية والطيران والملاحة والبرق والبريد والجنسية، وحتى في الشئون الاجتماعية والصحية. كما في ميثاق جامعة الدول العربية الصادر بتاريخ 22/3/1945، ذكرت المادة الثانية ان من أغراض جامعة الدول العربية تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة فيها وأصولها في الشئون الاقتصادية والمالية ويدخل في ذلك التبادل التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة وشئون المواصلات بما في ذلك السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبرق والبريد. ثانيا: لم تكتف الدول العربية بذلك بل قامت بتوقيع معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية والذي وافق عليها مجلس جامعة الدول العربية بتاريخ 13/4/1950 وتضمنت في المادة السابعة التعاون الاقتصادي الكامل حيث ذكرت انه استكمالا لاغراض هذه المعاهدة وما ترمي اليه من اشاعة الطمأنينة وتوفير الرفاهية في البلاد العربية ورفع مستوى المعيشة فيها، تتعاون الدول الأعضاء على النهوض باقتصاديات بلادها واستثمار مرافقها الطبيعية وتسهيل تبادل منتجاتها الوطنية والزراعية والصناعية، بوجه عام على تنظيم نشاطها الاقتصادي وتنسيقه وابرام مايقتضيه الحال من اتفاقيات خاصة لتحقيق هذه الأهداف، وقد نشأ لتنفيذ هذه الأغراض مجلس مستقل أطلق عليه اسم المجلس الاقتصادي العربي اجتمع حتى الآن مايقرب من 67 دورة. ويهمني أن أذكر ان اجتماعات هذا المجلس طوال السنوات الماضية لم تكن مجدية في مجال تدعيم التعاون الاقتصادي العربي الذي تبلور في المطالبة بانشاء السوق العربية المشتركة التي لم تنفذ حتى الآن بالرغم من وضع اتفاقيتها في عام 1964 عن طريق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، علما بأن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والرئيس حسني مبارك وعدد كبير من زعماء العرب يعتبرون السوق العربية المشتركة مسألة حياة أو موت بالنسبة للأمة العربية. ثالثا: وفي مجال التعاون الاقتصادي العربي في القطاع التجاري والذي تم التخطيط له في أوائل الخمسينيات تم توقيع اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت بين الدول الاعضاء في الجامعة العربية بتاريخ 7/9/1953 تضمنت هذه الاتفاقية تصورات عملية بناءة لتسهيل التبادل التجاري بين الدول العربية، ولو تم تنفيذها كان يمكن أن تغني عن كل التصورات اللاحقة التي وضعت بها اتفاقيات جماعية فيما بعد، بل كان يمكن ان تغني عن كل التصورات اللاحقة التي وضعت بها اتفاقيات جماعية فيما بعد، بل كان يمكن ان تغني عن اتفاقية انشاء منظمة التجارة العربية الحرة التي وقعت منذ أربع سنوات وتضمنت تخفيضا جمركيا قدره 10% كل عام، حيث ان العمل بما ورد باتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت التي تضمنت خفضا جمركيا قدره 25% من الضريبة الجمركية العادية، كان يمكن زيادتها تدريجيا ولو بمقدار 2% فقط سنويا لتصل حاليا الى مايزيد عن 100% دون الحاجة الى اعداد وتوقيع اتفاقيات تجارية متعددة أخرى. أ - تخفيض جمركي قدره 25% من التعريفة العادية المطبقة مع الدول الاجنبية وذلك بالنسبة للمنتجات الصناعية العربية. ب - اعفاء كامل من الرسوم الجمركية بالنسبة للمنتجات الزراعية والحيوانية والثروات الطبيعية والتي يكون منشأها احدى الدول العربية. ج- عدم خضوع المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعات المنتجة في احدى الدول العربية الى رسوم داخلية تفوق الرسوم المفروضة على المنتجات المحلية وذلك عند تبادلها. وهي مبادئ أخذت بها المنظمات الاقليمية التي انشأت مناطق تجارية كمنطقة التجارة الأمريكية الحرة والابيك والسوق الأوروبية المشتركة وغيرها من المناطق الاخرى التي نشأت في الربع قرن الماضي، بينما لم تأخذ بها حتى الآن أغلب الدول العربية باستثناء الدول العربية التي انضمت الى منطقة التجارة العربية الحرة وهي حوالي 14 دولة فقط ولم تطبقها بالكامل حتى الآن. رابعا: وفي مجال التعاون النقدي العربي، فإن الدول العربية أول من بادرت بوضع اتفاقية كاملة بشأن تشديد مدفوعات المعاملات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول الاعضاء وذلك بتاريخ 7/9/1953، وقد وضعت مبادئ فوجئت بها الدول الأوروبية والأمريكية وأخذت منها الكثير قبل اتحاد المدفوعات الأوروبي الذي انتهي في 1958 بتقرير حرية تحويل العملات الأوروبية في ديسمبر من نفس العام للمقيمين في فبراير عام 1961 لغير المقيمين. لقد نصت اتفاقية تسديد المدفوعات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية على مبادئ جديدة لم تظهر في أية اتفاقيات نقدية اقليمية حتى الآن باستثناء السوق الأوروبية المشتركة قبل اعلان السوق الأوروبية الموحدة في عام 1951، حيث تضمنت مايلي: ـ الحق في ان يستعمل المواطنون حسابهم الدائن لتسديد مدفوعات المعاملات الجارية المستحق دفعها للدول المدينة ولتسديد جميع واردات البلد الذي يقيم فيه صاحب الحساب في الدولة المدينة. ـ الحق في أن يحولوا جزءا أو كل حسابهم الدائن الى المقيمين في أي بلد من الدول الأعضاء أو دولة أخرى. ج - الحق في ان يستعملوا حسابهم الدائن لتسديد قيمة اية بضاعة يشترونها من البلد بقصد تصديرها لأي بلد من الدول الاعضاء أو دولة أخرى. ومضمون هذه التسهيلات انسياب المدفوعات الجارية بين الدول الاعضاء دون قيود وعدم تجميدها لأي سبب من الاسباب، وبما يؤدي الى انسياب حركة التجارة بينهم، وفيما يتعلق برؤوس الأموال فقد اجازت الاتفاقية انتقالها بين الدول الاعضاء للمشاركة في مشاريع الانشاء والتنمية، وذلك في نطاق القواعد المقررة التي تضعها كل دولة لحماية رؤوس أموالها أو رؤوس الأموال التي انتقلت اليها من التسرب خارج البلاد العربية وفي هذا الشأن قررت الاتفاقية التزامات على عاتق الدول الاعضاء لتسهيل انتقال رؤوس الأموال فيهما بينها: - عدم اخضاع رؤوس الأموال المحولة من أي بلد الى بلد عضو اخر لأي رسوم أو أي ضرائب استثنائية تفرض للحيلولة دون ذلك الانتقال. - سماح حكومة كل بلد لرؤوس الأموال العربية التي ترد اليها للعودة الى وطنها الأصلي دون أية قيود. ولا شك ان النقاط الرئيسية التي تضمنتها هذه الاتفاقية كانت مدروسة باهتمام وكان يمكن للدول العربية ان تستفيد بها لو تم التصديق عليها ولكن أيا من هذه الدول لم يقم بذلك حتى الآن بالرغم من أنه تم اعدادها في عام 1953 كما تم انشاء صندوق النقد العربي لدعم التعاون التقدي العربي. وهو مايؤكد أن التعاون النقدي العربي الذي تم اقراره في أوائل الخمسينيات تلاشى تدريجيا حتى انتهى تقريبا في الوقت الحاضر خاصة وان صندوق النقد العربي الذي نشأ في عام 1978 لتدعيم التعاون النقدي العربي لم يحقق انجازات محددة على الصعيد النقدي حتى الآن، كما ان شبكة تسهيل المدفوعات بين الدول العربية التي أعلن عنها مؤخرا اتحاد المصارف العربية لم تتم حتى الآن. لقد اهتمت جامعة الدول العربية في بداية انشائها بالتعاون الاقتصادي العربي كما اهتم بذلك المجلس الاقتصادي العربي منذ بداية انشائه ايضا حيث اقر عام 1956 باتفاقية بشأن اتخاذ جدول موحد التعريفة الجمركية والتي سقطت في كل مناقشات الجامعة العربية فيما بعد وان كانت قد ظهرت كفكرة جديدة من جديد في العام الماضي ومازالت مجرد مناقشات، كما أقر المجلس اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية التي دخلت حيز التنفيذ العملي في 3/4/1963 والتي نصت في مادتها الأولى على ان تقوم بين دول الجامعة العربية وحدة اقتصادية كاملة أي بوضع يشبه ماقام حاليا بين دول الاتحاد الأوروبي تضمن بصورة خاصة مايلي: ـ حرية انتقال الاشخاص. ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والاجنبية. ـ حرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي. ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل المواني والمطارات. ـ حقوق التملك والايضاء والارث. ولما لم يستطع المجلس تنفيذ هذه المبادئ نقلها الى اتفاقية أطلق عليها السوق العربية المشتركة وأصدر قراره رقم 17 بإنشائها وذلك بتاريخ 113/8/1974، غير ان هذه الاتفاقية لم تنشأ حتى الآن ويمكن التأكيد بأن هذه المباديء مازالت تحت المناقشة بعد مرور أكثر من ستة وثلاثين عامل حتى الآن!! أقول ان التعاون الاقتصادي العربي وضع تصوراته بجدية في الخمسينيات والستينيات، ولكن هذه الجدية تلاشت تدريجيا بعد ذلك حيث صعدت الارادة السياسية والانانية المحلية وغطت على الارادة الشعبية والقومية وظهر في الدول العربية صفات سلوكية واخلاقية نتيجة ثورات وانقلابات طائشة كان الهدف منها شخصي محلي وليس قومي عربي. ووسط هذا المناخ انعقد مؤتمر اطلق عليه مؤتمر الاندماج الاقتصادي العربي، ويؤسفني ان أقول أنه لم يكن أسعد حالا من المؤتمرات السابقة التي لم تخرج بخطة عمل محددة ولا حتى بخطوات للتنفيذ ولم تحدد كيفية الدمج الاقتصادي العربي الذي تناول مدحه كل الذين ألقوا كلماتهم في المؤتمر بالمطالبة به، وكلنا مع هذه المطالبة ولكن على اساس ان تكون بالعمل لا أن تكون بالكلام والشعارات!! فكيف يتم الاندماج عملا؟ كيف نبدأ حالا فيه لعله يكون البنية الاساسية لانشاء السوق العربية المشتركة التي ستبعث الحياة للأمة العربية. ـ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية