وقفنا في الحلقة الماضية على عائد رأس المال (الفائدة) وهو أول عنصر من عناصر نظرية التوزيع الأربعة المعروفة، ووجدنا ان الأسلام لم يحارب الفائدة من وجهة نظر دينية أو اخلاقية أو فلسفية وانما ايضا من وجهة نظر اقتصادية حيث ان الفائدة (الربا) بالتحليل النهائي تضر بالانتاج والاستهلاك على السواء. واليوم نقف على أهم عنصر من عناصر هذه النظرية الا وهو الأجر لنرى كم استطاع الفكر الاقتصادي الاسلامي ان يرقى بهذا العنصر لدرجة يندر ان اهتم به فكر اقتصادي آخر أو تعامل معه بموضوعية وعدالة مثلما رعاه الاسلام الأجر في الفكر الاسلامي هو عائد عنصر العمل، وقد وجدنا كم مجد الاسلام العمل رافعاً اياه الى درجة العبادات، فلذلك من المنطقي ان يهتم الاسلام بالأجر اهتمامه بالعمل أو يزيد. ويرتكز الأجر في الفكر الاسلامي على خمس دعائم اساسية هي: ـ الاجر حق لامنة. ـ الاجر يتناسب والعمل. ـ الاجر في حماية الدولة. ـ الاجر وحد الكفاية (تأمين الحد المعقول لكرامة الانسانية). ـ قوانين التكافل الاجتماعي. باديء ذي بدء يقرر الاسلام ان عائد العمل ـ ايا كان ـ هو حق لصاحبه وليس منة من صاحب العمل ـ ايا كان موقع رب العمل ـ فرد أو افراد، مؤسسة أو دولة، شخصاً عادياً أو اعتبارياً ومعنوياً أو عاماً.. «ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون» (سورة فصلت، الآية 46). ولهذا المبدأ آثاره الاقتصادية والمعنوية وعندما يصبح الاجر حقاً بدون منة أو تفضل، فأنه يغدو جزءاً من العملية الاقتصادية والاجتماعية، وليس قضية ذاتية كما كان عليه الحال في العصور القديمة، وحتى في العصور الحديثة في احيان كثيرة. يقرر الاسلام اصلاً ان العمل يجب ان يكون على قدر الطاقة وفي حدودها.. «لايكلف الله نفساً الا وسعها» (البقرة 286)، ليس هذا وحسب وانما يوجب الاسلام الرأفة في العمل، واذا ما تجاوز العمل طاقة العامل، فان الاسلام يطالب صاحب العمل بالذات اعانة ذلك العامل، ولهذا الطلب مغزاه وأهميته الاجتماعية والمعنوية وفي الحديث الشريف.. «اخوانكم جعلهم الله تحت ايديكم.. لاتكلفوهم بمالاطاقة لهم به وان كلفتموهم فاعينوهم»، وهنا لم ينظر الاسلام الى العمل والعامل من الناحية المادية والاقتصادية وحسب، وانما من الناحية الانسانية، بأن رفع من مرتبة العامل الى درجة الأخ لصاحب العمل ولاشك ان هذا تكريماً للعامل وحفاظاً على روحه المعنوية ورفعا لقيمته الى اعلى مستوى، في وقت لايزال منه العامل حتى يومنا هذا في أغلب المجتمعات البشرية هو مجرد وسيلة من وسائل الانتاج. وبالطبع ان الاسلام يقرر ايضاً ان الاجر على قدر المشقة ـ مادية أو فكرية ـ وكلما زاد جهد العامل زاد اجره أوكلما زاد انتاجه زاد اجره ايضا، وهنا فان الاسلام يكون قد سبق الفكر الاقتصادي الحديث من حيث ربط الاجر بالانتاجية احياناً أو بساعات العمل في احيان اخرى. والمبدأ (الثالث) يوضح موقف الاسلام من الاجر وجعله ثمناً عادلاً ـ الاجر العادل ـ وذلك عندما يقرر ان الاجر يجب ان يكون في حماية الدولة والمجتمع ولا ان يترك لقانون العرض والطلب، ولا الى التحليلات النظرية الوضعية لأنه يتعلق بحياة الانسان ومعيشته وكرامته وانسانيته واذا كان الله عز وجل لايضيع عمل عامل منا، فمن باب اولى ان تتكفل الدولة والمجتمع بتقرير سياسة الاجور والاقتصاد عامة واعتبار ان كل زيادة في الاجر هي زيادة في الدخل القومي، اضافة الى آثارها الاجتماعية المطلوبة «اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى» (هود الاية 15)، ومن هذا المفهوم نستطيع ان نقرر وبكل ثقة، ان الأجور تحت النظام الاسلامي لايصح ان تترك لأهواء أو تقديرات صاحب العمل ولاحتى للعامل نفسه ان رضى باجر أقل من الاجر الذي يؤمن الكرامة الانسانية، ونحن اليوم نرى ان غالبية العمال وفي اغلب دول العالم تقبل بأجور اقل من قيمة عوائد العمل الحقيقية والتي تؤمن الكرامة الانسانية، والسبب ان المنافسة غير عادلة بين العامل المضطر للعمل بأي اجر لتأمين نفقاته المعاشية في حين ان صاحب العمل بامكانه اقفال مشروعه والاستغناء عنه وطرد عماله دون ان تتأثر حياته العادية أو الكمالية بشيء يذكر، وهي على كل حال منافسة كما وصفها أحد الاقتصاديين الغربيين «بين معدة خاوية وكيس مملوء». ان موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) الحازم تجاه الاشخاص الذين يبخسون عمالهم لخير دليل على حساسية الاسلام تجاه عرق الكادحين «ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة: رجل استأجر اجيراً فلم يوفه أجره». ولم يقف الاسلام عند حد اعطاء الأجر وتقديمه للعامل قبل ان يجف عرقه ودون ان يكون بمستوى بخس أو حتى بمستوى المنطق الاقتصادي الحديث «الاجر ومبدأ الانتاجية، أو الاجر وحد الكفاف، أو الاجر ومقدار المساومة الجماعية.. الخ»، وانما للعامل الحق في تأمين نفقاته ونفقات عائلته وبشكل مكرم ومحترم، لان ذلك يعد في نظر الاسلام جزءاً من كرامة الانسان وعزته وشخصيته تلك الاعتبارات التي يضعها الاسلام في المقام الأول للحياة البشرية.. «ولقد كرمنا بني آدم» واذا كانت الدولة الحديثة تقدم للموظف راتباً لسد على الاغلب متطلبات حياته المادية والثقافية ويؤمن حداً معقولاً من الكرامة الانسانية، فان هذا يجب ان ينسحب على العامل، سواء كان عاملاً بالدولة، أو عاملاً بالقطاع الخاص أو حتى عاملاً لنفسه وهذا ما جاء به الشرع الاسلامي، بل وواجبه وفرضه. ان نظام التكافل الاجتماعي الاسلامي هي الاخرى تعمل كنظام مكمل لنظام الاجور، يبدأ هذا النظام من الاسرة وينتهي في الدولة والمجتمع، والغاية منه ايضاً ان يعيش الانسان في حياة مكرمة وفي عز دائم. ان أهم نقطة جديرة بالملاحظة والاهتمام في الفكر الاقتصادي الاسلامي، هي ان الاجر يجب ان يعادل حد الكفاية (تأمين حد ادنى لحياة محترمة تليق بالانسان) في حين ان الفكر الاقتصادي الحديث لم يتوصل الى هذا المستوى حتى يومناً هذا لنقارن هذا الفكر مع الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الذي يعد بمثابة جوهر الاقتصاد السياسي حتى يومنا هذا وعلماؤه ومفكروه هم بحق مؤسسو علم الاقتصاد الحديث. كل الذي اتوا به هؤلاء ان الاجر يجب ان يكون مساوياً لحد الكفاف (مقدار المواد الغذائية التي تبقى العامل على الحياة فقط)، لا بل انهم تفننوا بأفكارهم بنظرية (الاجر الحديدي للأجور) ومفاد هذه النظرية، ان الاجور تحت النظام الرأسمالي محكومة بطوق حديدي لايمكنها تجاوزه، وهو حد الكفاف لانه ان زادت عن هذا الحد فان رفاهية العالم ستزداد، وبالتالي سيزداد انجابه من الاطفال، وسيزداد عرض العمل، وزيادة العرض هذه ستدفع بالاجور الى العودة مجدداً الى حد الكفاف، وبالعكس فانه في حالة نقص الاجور عن مستوى الكفاف فان العامل سيعيش بمستوى صحي منخفض وسينقرض اعداد كبيرة من العمال وبالتالي سيقل العرض وسيرتفع الثمن (الاجر) ليعود مجدداً لمستوى الكفاف، لنقارن هذه النظرية الحديثة المجحفة بحق العامل والمتشائمة ايضا مع نظرية الكفاية الاسلامية التي تؤمن الحياة الكريمة وعلاقات العمل الانسانية.