اذا كنا قد تناولنا في الاسبوع الماضي الازمات الاقتصادية العالمية وكيفية استفادة اقتصادنا الوطني منها ولاسيما تلك التي ترتبت على احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي بالولايات المتحدة، واذا كنا قد اكدنا على ان الازمات الاقتصادية التي تتعرض لها دول أو مناطق في العالم يمكن ان تحقق نتائج ايجابية على اقتصادات دول اخرى أو مجموعات ومناطق اخرى وذلك شريطة استثمارها على نحو يخدم الاقتصادات المستفيدة، وفي الوقت المناسب، فإننا نؤكد هنا على ان تعرض قطاع ما أو قطاعات ما في الاقتصاد الواحد لازمة ما أو انتكاسة أو ظروف يمكن ان تخدم قطاع اخر أو مجموعة قطاعات اخرى في حال استثمارها على نحو ايجابي وبالتالي يخفف هذا الاستثمار من حدة الانعكاسات السلبية على الاقتصاد الوطني. ان الاقتصاد الوطني للامارات العربية وعلى مسيرة العقود الثلاثة الماضية قد تعرض لازمات وظروف اقتصادية عديدة بفعل التطورات والازمات الخارجية، أو بسبب السياسات الاقتصادية والتجارية الداخلية، كما ان المستقبل يؤكد على مدى حساسية هذا الاقتصاد وزيادة درجة تأثره بحكم المتغيرات والازمات التي قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي، ويعزى ذلك إلى ان اقتصاد الامارات ملتزم بسياسة اقتصادية مرنة في تعامله مع العالم الخارجية ويعتمد الحرية الاقتصادية وسياسة الباب المفتوح، ثم العامل الاخر هو ان اقتصاد الامارات وخلال تلك الفترة شهد تحولا كبيرا نحو الاعتماد على الخارج سواء في تلبية متطلبات السوق المحلية من السلع والخدمات والعمالة الاجنبية أو في نوعية صادراته التي تمثلت وبشكل كبير في النفط الخام، وبالتالي فان الاقتصاد الوطني سواء في ناتجه المحلي أو في الميزانية العامة، وحجم انفاقه أو في ميزانه التجاري يعتمد كليا على التطورات المستجدة في الاسواق العالمية ولاسيما تلك المستوردة للنفط الخام أو المصدرة للسلع والخدمات والعمالة للامارات. وتأكيدا على ذلك فقد تعرض الاقتصاد الوطني على مدار العقود الثلاثة الماضية لظروف اقتصادية سلبية تركت اثارا واضحة ومباشرة على المجملات الاقتصادية بسبب العوامل السابقة، فقد كان للتذبذب في الاسعار بالسوق النفطية العالمية اثر مباشر على الموازنة الحكومية حيث عرفت العجز ولأول مرة في عام 1982 حينما ظهر ليصل إلى 3.3 مليارات درهم وليستمر هذا العجز بسبب التذبذب في اسعار النفط وانخفاض الايرادات النفطية في اتجاه تصاعدي حتى بلغ في منتصف الثمانينيات في عام 1985 بنحو 5.8 مليارات درهم، ثم ليواصل الارتفاع وبشكل حاد في العام التالي ليصل إلى 11.7 مليار درهم في عام 1986، ولم يكن امام الحكومة الاتحادية حيال هذه التطورات الا ان تستفيد من القطاع المصرفي المحلي وتفيد في الوقت ذاته حينما لجأت إلى الاقتراض منه في عام 1982 بنحو 6.3 مليارات درهم، ثم يرتفع حجم الاقتراض في عام 1985 ليسجل 9.5 مليارات درهم، وقد كان للركود الاقتصادي الذي شهدته الامارات خلال تلك الفترة، ثم الازمات الاقتصادية التي تعرضت لها منطقة الخليج، ولظروف الحرب العراقية الايرانية التي استمرت لسنوات طويلة الاثر المباشر في دفع الحكومة نحو الاقتراض لتغطية جزء من التزاماتها المالية ولجأت إلى المصارف التجارية العاملة في الامارات بهدف استثمار سيولتها ودعمها بشكل غير مباشر بدلا من الاقتراض من الاسواق العالمية. وبسبب الظروف غير الاعتيادية التي تعرضت لها الدولة ومنطقة الخليج عامة والناجمة عن الغزو العراقي للكويت في اغسطس 1995 فقد سجل الانفاق العام زيادة كبيرة في العام ذاته ترتبت عليها زيادة في العجز المالي ليبلغ 12 مليار درهم حيث بلغت زيادة النفقات الاجمالية بسبب تلك الازمة نحو 53.2 مليار درهم، مقارنة بنحو 38.1 مليار درهم في عام 1989 اي بنسبة 39.6%. كذلك لا يمكن ان نغفل ازمة سوق المناخ في الكويت والتي ظهرت بوادرها في سبتمبر 1982 وتأثير تلك الازمة على الاوضاع الاقتصادية والاستثمارية في الامارات، ثم ان ازمة اسعار النفط التي حدثت في عام 1998 والتي تركزت اثارا مباشرة على مختلف الاوضاع الاقتصادية والمالية والاستثمارية في الامارات بحكم طبيعة اقتصادنا الذي يتصف بالانفتاح على اسواق العالم. واذا كانت الدول الاسيوية «النمور الصفر» قد سعت جاهدة في تحقيق معدلات نمو عالية وخلال فترة قياسية فان اخفاق تلك الدول في محاولاتها في التصدي لها الامر الذي اصاب حكومات وشعوب تلك الدول، فقد تأثرت مختلف الدول التي تتعامل مع دول الازمة ومنها الامارات حيث كان للازمة اثار وانعكاسات سلبية على اوضاعنا الاقتصادية الامر الذي يؤكد مدى ارتباط اقتصاد الامارات بالاقتصاد العالمي ولاسيما دول اسيا لاسيما وان اكثر من 90% من صادراتنا النفطية تتجه إلى اسواق اليابان وآسيا وبالتالي فان تعرض تلك الاسواق لاية هزة أو ازمة تنعكس على اوضاعنا الاقتصادية في ظل اعتمادنا الكبير على النفط كمصدر اساسي في الاقتصاد. واذا كانت تلك الازمات الاقتصادية والمالية كانت اجنبية الهوية فان تأثيراتها على اقتصادنا واضحة ومباشرة، فما حدث في سوق الاسهم بالامارات في صيف عام 1998 من تجاوزات تمثلت في مضاربات مفتعلة قد ادت إلى حدوث ازمة حقيقية في سوق الاسهم وقد ساعد في ذلك غياب الضوابط والقوانين والتشريعات ثم الرقابة الفاعلة والشفافية المناسبة، وقد ادت تلك الازمة إلى تراجع كبير في اسعار الاسهم لم تشفع محاولات الحكومة الاتحادية من خلال مؤسساتها المختلفة في تعزيز الثقة في السوق الامر الذي ادى إلى تراجع حاد واثار وانعكاسات سلبية واضحة على مختلف اوضاعنا الاقتصادية ومنها ارتفاع المديونية لدى القطاع المصرفي الذي توسع في منح تسهيلات ائتمانية لشريحة من عملائه بقصد شراء اسهم شركات تأسست في فترة قياسية أو بقصد المضاربة في سوق الاسهم ثم تراجعا حادا في الاسعار بالقطاع العقاري وفي مختلف الامارات، ولم يكن القطاع التجاري والمالي بمنأى عن آثار تلك الازمة، وكذلك تأثير ذلك على القطاع المصرفي حينما تزايد حجم الشيكات المرتجعة وقيام بعض المستثمرين والمودعين بسحب جزء من ارصدتهم لدى هذا القطاع الامر الذي اثر على سيولته. حيال تلك الازمات الداخلية منها ام الخارجية فان الامر يتطلب مراجعة دقيقة لاوضاعنا الاقتصادية من خلال رؤية اقتصادية واستراتيجية تنموية تجعل اقتصادنا اكثر قوة وصلابة ويتم ذلك بالاعتماد على التخطيط والاعتماد على الذات وتوظيف رؤوس الاموال العامة والخاصة في تحقيق قاعدة اقتصادية صلبة، وبالتالي فان حدوث ازمة في قطاع ما من القطاعات الاقتصادية لا يجعلنا نعمل على تنمية باقي القطاعات الاخرى فحسب وانما يدفعنا إلى التفكير الجاد والمخلص والامين في معالجة الاختلالات الواضحة في الهيكل الاقتصادي والانتاجي والاعتماد على قطاعات حقيقية كالصناعة والزراعة في الناتج المحلي الاجمالي برفع مساهمتها مع التقليل على القطاعات الخدمية وقطاع النفط الخام، ثم معالجة اوضاعنا المالية باحداث اصلاحات مالية ومعالجة العجز المزمن كما ان تلك الازمات التي تعرض لها الاقتصاد الوطني تدفعنا إلى التفكير الجاد في استشراف المستقبل في ظل معطياته وتداعياته لاسيما وان الامارات سوف تلتزم بتطبيق متطلبات اتفاقية منظمة التجارة العالمية في عام 2005، ثم ان الاقتصاد سوف يلتزم بتداعيات العولمة ومتطلباتها.