حذر تقرير «التجارة الالكترونية والتنمية لعام 2001» الصادر عن مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» ان الانترنت وتكنولوجيا المعلومات ستواصلان دفع عجلة النمو العالمي على الرغم من التشاؤم الراهن ازاء الحالة الاقتصادية. وحذر التقرير الذي يستعرض اتجاهات التجارة الالكترونية ويناقش اثرها في الاقتصاد العالمي وفي قطاعات اقتصادية كالسياحة والتمويل، من النتائج السلبية التي يمكن ان تترتب اذا ما ازداد تخلف البلدان النامية عن العالم الصناعي في المجال التكنولوجي. وينظر التقرير في المسائل القانونية والتنظيمية الناجمة عن حلول العصر الالكتروني، والغرض الرئيسي منه ان يكون دليلاً للبلدان النامية للاسترشاد به في تطبيق الثورة الرقمية لديها. ويذهب التقرير إلى ان «النموذج الاقتصادي الجديد» الذي يقضي بأن تتيح تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة معدلات نمو لا تنطوي على اي تضخم كان على ما يبدو من «اولى ضحايا انهيار شركات الانترنت». ولكن حتى بعد الانهيار واصلت التجارة الالكترونية نموها. ولكن كشف انهيار سوق نازداك للاوراق المالية والكثير من شركات الانترنت الناشئة عن زيف بعض الخرافات المحيطة بـ «الاقتصاد الجديد»، فإن هذا الانهيار لا يمس تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الاقتصاد في الامد البعيد. التأثير الاقتصادي للتجارة الالكترونية بالرغم من الاجماع العام حول التأثير الايجابي للتجارة الالكترونية على اداء قطاع الاعمال الا ان مدى تأثيرها في نمو الاقتصاد الكلي، وفي نمو الانتاجية بوجه خاص، لا يزال موضعا للشك ومثارا للجدل. ففي الثورات التكنولوجية السابقة، ساعدت مكاسب الانتاجية في الامد البعيد على تحسين مستوى المعيشة. وهذا واحد من اهم اهداف التنمية. وشهدت الولايات المتحدة التي تقود العالم في مجال تكنولوجيا المعلومات والتجارة الالكترونية، اداء اقتصادياً باهرا منذ عام 1995، ولاسيما في نمو الانتاجية. ويفيد التقرير ان جانبا كبيرا من تسارع النمو في الانتاجية «هيكلي ويعزى إلى التغيرات التي احدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والانترنت عبر ما ادخلته من تحسينات في جميع جوانب التنظيم والانتاج والتمويل والتسويق والنقل والامداد على صعيد الشركات». ويتنبأ الاونكتاد بأن «تستمر تكنولوجيا المعلوما والاتصالات في دعم نمو الانتاجية السريع»، ويورد التقرير مجموعة من الاسباب لذلك. من المتوقع استمرار الهبوط الحاد في التكاليف المصاحبة لتطوير قدرات الحوسبة لعدة سنوات ولا تزال معظم المؤسسات في طور اقلمة انظمتها الداخلية وطرق عملها بما ينسجم مع متطلبات تحقيق الاستفادة الكاملة من الانترنت، حتى لو لم يستمر نمو الانتاجية بالوتيرة المذهلة التي سجلت مؤخراً في الولايات المتحدة، فإن على بقية دول العالم بذل جهود ضخمة للحاق بالركب في مجال تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على صعيد الاعمال التجارية». ويبين التقرير بأن العديد من البلدان النامية ستفشل في احراز اي نمو في الانتاجية اذا لم تدرك ركب العالم الصناعي في مجال التكنولوجيا. وفي سبيل تقييم الاثر الاقتصادي الواسع النطاق للتجارة الالكترونية والنتائج المترتبة على ادراك البلدان النامية او عدم ادراكها الركب، اجرى الاونكتاد تحليلاً كمياً قائما على سيناريوهين: السيناريو الاول هو تخلف البلدان النامية تكنولوجيا، والسيناريو الثاني هو لحاقها بالبلدان المتقدمة. وينصب تركيز التحليل على وفورات التكاليف ويفترض ان التجارة الالكترونية يمكن ان تخفض تكلفة الخدمات، ولاسيما في تجارة التجزئة وتجارة الجملة والنقل وخدمات المال والاعمال. ويحاكي التحليل الوفورات في تكاليف الخدمات باعتماد سيناريو لنمو الانتاجية يراعي تحليل متغيرات الاقتصاد الكلي مثل الناتج المحلي الاجمالي والرفاهية والاجور ومعدلات التبادل التجاري. وهذا التحليل هو تطبيق فريد لنموذج محوسب للتوازن العام على التجارة الالكترونية على الصعيد العالمي. ويذهب التقرير إلى ان البلدان المتقدمة ستحقق بمقتضى السيناريو الاول مكاسب في الرفاهية قدرها 117 مليار دولار فيما سيخسر العالم النامي (باستثناء آسيا) 726 مليون دولار. اما منطقة آسيا فتحقق من جهتها مكاسب قدرها 802 مليون دولار، تعزي في جانب كبير منها إلى قطاع خدمات النقل. وبالاضافة إلى الخسائر في الرفاهية وفي الناتج المحلي الاجمالي، ستشهد البلدان النامية ايضاً تراجعا في الاجور وتدهوراً في معدلات التبادل التجاري. ولذلك، يمكن ان تؤدي التجارة الالكترونية في حقيقة الامر إلى توسيع الفجوة بين البلدان المتقدمة والنامية بدلاً من تضييقها. ان نظرة إلى قائمة الهالكين والناجين في ازمة شركات الانترنت تظهر ان قيمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للتنمية لا تكمن في النصيب الذي يمكن ان يحرزه هذا القطاع في الاقتصاد العالمي (وهو نصيب ضخم من غير شك) بقدر ما تكمن في التغيرات التي ستحدثها هذه التكنولوجيا في عمل المؤسسات في الاقتصادات التي تأخذ بها. ويرى السيناريو الثاني ان البلدان النامية اذا استطاعت ادراك البلدان المتقدمة من حيث الانتاجية فإنها ستتمكن من زيادة الانتاج والاجور والرفاهية. فعلى سبيل المثال يؤدي نمو الانتاجية بنسبة 1% في قطاع الخدمات في آسيا إلى تحقيق مكاسب في الرفاهية قدرها 12 مليار دولار، ونمو الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 0.4%، وزيادة الاجور بنسبة 0.4%، ونمو صادرات الخدمات بنسبة 2 إلى 3%. وتتيح التجارة الالكترونية خفض التكاليف وزيادة الكفاءة واختصار الوقت والمسافات وتصبح بذلك اداة مهمة من ادوات التنمية. النزاعات في القضاء الحاسوبي يفيد التقرير بانه: «اذا كانت شبكة الانترنت مجرد قضاء (قضاء حاسوبي) فإنه قضاء خال من الحدود ولا يعني فيه القانون الدولي الخاص شيئاً لأن قواعد هذا القانون موضوعة لأجل نظم وحدود قانونية مختلفة». ومن بين القضايا الشائكة التي يطرحها حلول عصر الانترنت والتجارة الالكترونية ما يلي: ما هو القانون المفروض تطبيقه لتنظيم التجارة الالكترونية؟ وما هي السلطة التي لها ولاية على النزاع؟ وما هو المحفل المختص للنظر في النزاع؟ وهل القرار واجب الانفاذ؟ ومن القضايا الاخرى التي تشكل تحدياً لصناع القرار، قضية حماية الخصوصية الفردية وحقوق المستهلكين نظراً إلى غياب اتفاقات دولية وآليات غير وطنية لتسوية المنازعات موضوعة خصيصا للمعاملات الالكترونية. ويثير ذلك كله تشوشا في مجالات شتى مثل فرض الضرائب والرسوم الجمركية، والمركز القانوني للتوقيع الالكتروني، والتمييز بين المنتجات والخدمات. فمن تفرض عليهم الضرائب وعلى اي اساس؟ وتعمل التجارة الالكترونية حالياً في بيئة معفية من الضرائب والرسوم، وفي اطار قانوني وتنظيمي غير واضح المعالم، وتستدعي هذه الحالة تعاوناً عاجلاً بين الحكومات لاستجلاء الامور. وتتوقف ضريبة الدخل إلى حد بعيد على ما اذا كان للشركة التجارية «مقر دائم» في البلد ام لا. واتفقت البلدان الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي على ان موقعاً على شبكة الانترنت لا يشكل في ذاته مقراً دائما، في حين ان الحاسوب المزود لشبكة الانترنت يمكن ان يشكل مقراً دائماً اذا كانت تملكه شركة تجارية تمارس اعمالها من خلاله. الا ان التقرير يفيد ان «مقترحات البلدان الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي لم تول اهتماماً يذكر لشواغل البلدان النامية في ميدان فرض الضرائب على التجارة الالكترونية»، ويلاحظ التقرير ايضاً وجود «فوارق رئيسية» بين نهج الاتحاد الاوروبي ونهج الولايات المتحدة، مثل ضريبة القيمة الدولية الخاصة بالتجارة الالكترونية. وفيما يتعلق بضرائب الاستهلاك، مثل ضريبة القيمة المضافة او ضريبة المبيعات، يزداد الاتجاه إلى فرض الضرائب في مكان الاستهلاك. وهذا من شأنه ان يكون في صالح البلدان النامية التي تعتمد معظمها اعتمادا كبيرا على هذه الضرائب لاعداد ميزانياتها الحكومية والتي ستكون مستورداً صافيا للتجارة الالكترونية في الامد المتوسط. وعلى الرغم من عدم فرض رسوم جمركية في الوقت الحاضر على الاتصالات الالكترونية، فإن هذه المسألة محل نقاش مكثف في منظمة التجارة العالمية، حيث يؤيد عدد من البلدان تهيئة بيئة معفية من الرسوم للتجارة الالكترونية ويعرب البعض الآخر عن قلقه ازاء احتمال خسارة ايرادات اذا ما جرى اعفاء المنتجات المستوردة من رسوم جمركية كانت تفرض عليها سابقا. وقد تصل الخسائر الضريبية المحتملة على التعريفات الحدودية وغيرها من الرسوم المفروضة على الواردات الرقمية إلى 8 مليارات دولار في العالم اجمع. واذا كان هذا الرقم يقل في المتوسط عن 1% من مجموع الايرادات الحكومية فإن الخسائر التعريفية ستكون اكبر كثيراً في البلدان النامية. ازدهار الاسواق الالكترونية يتوقع لاسواق المعاملات الالكترونية بين الشركات التي فاق حجمها حجم التجارة الالكترونية بين الشركات والمستهلكين ان تؤدي دورا اعظم شأنا في المستقبل، بحيث تصبح اهم عنصر منفرد من عناصر التعامل بين الشركات بحلول عام 2004. ومن المتوقع ان تبلغ قيمة مبيعات الاتصال الالكتروني المباشر بين الشركات في الولايات المتحدة 3 تريليونات دولار بحلول عام 2004، من ضمنها 1.5 تريليون دولار من المبيعات التي ستمر عن طريق اسواق المعاملات الالكترونية بين الشركات. (الا ان التقرير يشير إلى تراجع هذه التقديرات في حال حدود تباطؤ اقتصادي). ومن المرجح ان تسجل اعلى مستويات النمو في اسواق المعاملات الالكترونية بين الشركات في قطاعات مثل الحواسيب والالكترونية والمرافق والسيارات والصناعة البتروكيماوية والورقية والمنتجات المكتبية والاغذية والزراعة. كما ستشهد هذه الاسواق عمليات اندماج وتشكيل تحالفات استراتيجية ومزيداً من التركيز على توفير منتجات وخدمات متميزة ومتخصصة. ويشير التقرير إلى ان العمليات المالية التي تجرى بالاتصال الالكتروني المباشر ستشهد هي الاخرى نموا كبيرا، كونها تتيح اجراء صفقات مالية ضخمة وما يتصل بها من مدفوعات على الصعيدين الوطني وعبر الوطني بجزء يسير من التكاليف والوقت الذي كانت تستغرقه سابقا. وتشير التوقعات الراهنة للتمويل الالكتروني إلى معدلات نمو ذات رقمين خلال السنوات القليلة المقبلة. ويتوقع ان تتوسع الانشطة المصرفية على شبكة الانترنت بنسبة 25% سنوياً مقارنة بـ 3% للصناعة المصرفية اجمالاً. وفي البلدان المتقدمة من المتوقع ان يتحول نصف مجموع الانشطة المصرفية و80% من انشطة السمسرة إلى الاتصال الالكتروني المباشر. ويتراوح هذان الرقمان في الاقتصادات الناشئة من 30% للانشطة المصرفية الالكترونية إلى 40% إلى السمسرة الالكترونية. وينوه تقرير الاونكتاد بشأن التجارة الالكترونية إلى التحديات التي تجابه مقدمي الخدمات المالية، ولاسيما في الاقتصاديات النامية والانتقالية، حيث سيتعين عليهم الوفاء بالتكاليف الابتدائية المرتفعة والتصدي للتعقيد التكنولوجي الذي يتسم به اعتماد الدفع بالاتصال الالكتروني المباشر كي يتمكنوا من الارتقاء إلى درجة «الاستعداد للتمويل الالكتروني». ولا تزال التكنولوجيا غير قادرة على تلبية احتياجات المدفوعات المرتفعة القيمة والمدفوعات الجزئية في المعاملات بين الشركات والمعاملات بين الشركات والمستهلكين على حد سواء. ولم تتجاوز تكنولوجيات الدفع والتمويل بالوسائل الالكترونية مرحلة مبكرة من مراحل التوحيد، ولا تزال الصناعة حائرة بين نماذج وحلول متنافسة. ويتبين ان الوعود التي توقعت نجاحاً باهراً لاجراء الانشطة المصرفية والمدفوعات بالاتصال الالكتروني دون غيره من السبل كانت وعودا مبالغا فيها إلى حد بعيد، الا ان ضغوطا تمارس على المصارف وغيرها من الجهات التقليدية المقدمة للخدمات المالية لكي تعتمد استراتيجيات شرسة في مجال الانترنت وتزيد سريعا خدماتها المتاحة بالاتصال الالكتروني. وينظر التقرير في الحلول التي يمكن تطبيقها على قطاعات اخرى من قطاعات التجارة الالكترونية. تقديرات تعوزها الدقة لم يحظ اي قطاع اقتصادي بالاهتمام الكبير الذي حظى به قطاع التجارة الالكترونية الذي كان، ولا يزال، محلا للتنبؤات بعيدة المدى وتصريحات قاطعة بشأن مستقبله الواعد. واستخدم اصحاب رؤوس الاموال الاستثمارية والمحللون الماليون والجمهور عموما هذه الارقام المضخمة في اتخاذ قراراتهم بشأن الاستثمار في الشركات الناشئة وسوق الاوراق المالية وكثيرا ما ادى ذلك إلى عواقب وخيمة. وتقدم شركات القطاع الخاص جانبا كبيرا من بيانات التجارة الالكترونية، وهي تنشر بصفة منتظمة تقارير عن آخر المستجدات في هذا المجال، بما في ذلك تقديرات النمو في الامد القصير والمتوسط. غير ان هذه الارقام تتباين تبايناً كبيرا تبعا للمنهجيات والتعاريف والمؤشرات المستخدمة. فعلى سبيل المثال، تراوحت تقديرات التجارة الالكترونية العالمية فيما بين الشركات في العام الفائت بين 200 مليار دولار (yMorgan Stanle) و604 مليارات دولار (Forrester Research) ويستعرض تقرير الاونكتاد هذه الحالة ويقدم مقترحات حول ما تستطيع الحكومات عمله لاجل توفير مزيد من البيانات الاحصائية الموثوق بها عن التجارة الالكترونية. كتب مصطفى عبدالعظيم: