أكد تقرير حديث صادر عن اتش اس بي سي بنك ان أحد الأهداف الرئيسية للاستراتيجية الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأعوام الثلاثين الماضية كان تنويع مصادر الدخل الذي يعني تقليل إعتماد دول مجلس التعاون الخليجي على النفط. ويقاس تحقيقه بمدى المساهمة النسبية للقطاعات النفطية وغير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي، فكلما انخفضت مساهمة القطاع النفطي زادت مساهمة القطاعات غير النفطية وبالتالي ارتفاع نسبة تحقيق التنويع الاقتصادي. لاشك ان التنويع قد تحقق وفقاً لهذه المقاييس، ففيما بين عامي 1978 و1999، ارتفعت حصة القطاعات غير النفطية من كامل الناتج الاجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي من 35% الى حوالي 68%. وأكد التقرير ان المعادلات منذ عام 1998 قد تغيرت فقد ارتفع سعر النفط الخام، العربي الخفيف، من معدل 10.07 دولارات أمريكي للبرميل في عام 1998 الى معدل 23.51 دولارا حتى الان في عام 2001، ومن المحتمل ان يكون العالم على ما يبدو، مقبلاً على الدخول، أو قد دخل بالفعل، عصرا جديداً من الأسعار المرتفعة للنفط بشكل دائم اذا كان الأمر كذلك فان استراتيجية التنويع الاقتصادي قد تصبح غير ذات أهمية. وأوضح التقرير انه من الممكن الان وضع تقديرات للناتج المحلي الاجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2000. ووفقا لتقديرات البنك، ربما يكون الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي للمنطقة في عام 2000 قد وصل الى حوالي 180 مليار دولار أمريكي، وهو يواصل اتجاهه التصاعدي الثابت نسبياً. من جهة اخرى، ارتفع الناتج المحلي الاجمالي للقطاع النفطي، من حوالي 90 مليار دولار أمريكي ربما الى 140 مليار دولار أمريكي تقريبا. وهذا أعلى معدل للناتج المحلي الاجمالي النفطي في تاريخ المنطقة، وخلال سنة واحدة استعاد القطاع النفطي أهميته التاريخية. ربما كانت هناك ثلاثة اسئلة تدور الان في الاذهان على النحو التالي: أولاً، هل المعدل الجديد لأسعار النفط شيء دائم؟ ثانياً، هل يشكل ذلك، بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي اعتمادا جديدا على النفط؟ وثالثاً، هل هذا الأمر مهم؟ الاحتياطي العالمي من النفط لمحاولة الاجابة على السؤال الأول، لابد من القاء نظرة على الاحتياطي العالمي من النفط. في مطلع عام 2001، وفقاً لما جاء في «أويل آند جاز جورنال»، سجلت 12 دولة من الدول المنتجة للنفط هبوطاً في احتياطيات النفط عن العام السابق. وكان من بين تلك الدول المملكة العربية السعودية، أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، والتي كانت في السابق تسجل احتياطيات اعلى في كل عام تقريبا، ومن الدول الاخرى التي سجلت هبوطاً في الاحتياطيات كندا والهند والمكسيك والنرويج والمملكة المتحدة. في عام 2000 ارتفع الانتاج العالمي من النفط ربما بنسبة 4% تقريباً، الى ما يتراوح بين 67 و68 مليون برميل في اليوم اعتمادا على التعريفات التي يتم استخدامها. هناك خط فاصل وشيك بين الطلب العالمي الذي يتزايد دائماً على النفط والاحتياطيات المتناقصة للدول الرئيسية المنتجة. وقد حاول العديد من المحللين الوصول الى تقديرات للوقت الذي يبدأ فيه انتاج النفط في الهبوط، ولتبسيط المسألة، فهم يبدأون بمفهوم «النفط التقليدي» وهو أساسا النفط الخفيف، الذي يسهل استخراجه من الآبار وتكون تكلفة انتاجه رخيصة. وتذهب التقديرات المختلفة في الوقت الحاضر الى ان الانتاج العالمي من النفط التقليدي سيصل الى ذروته فيما بين عام 2004 و2020، وعندما يبدأ النفط التقليدي في الهبوط، ستظهر في الساحة أنواع اخرى من النفط، من مصادر مثل المياه العميقة والمناطق القطبية ومناطق الطفل النفطي. هذه الانواع من النفط هي أكثر صعوبة وأعلى تكلفة في انتاجها. ليس من المتصور إذن ان يعود النفط رخيصاً كما كان. وهناك إفتراض واقعي ان الأعوام العشرين المقبلة ستشهد ثبات أسعار النفط عند مستوياتها الحالية على الأقل، بل ومن المرجح انها ستزيد عن ذلك بكثير. التأثير الاقتصادي سيكون التأثير الاقتصادي للعصر الجديد للنفط على دول مجلس التعاون الخليجي تأثيرا بالغا، ستؤدي اسعار النفط المرتفعة الى تكوين مصدر هائل للدخل للدول المنتجة، وقد لمست تلك الدول بالفعل هذا التأثير من عام 1999 حتى عام 2001 وسوف يستمر ذلك الاتجاه. ثانيا: وعلى المدى الأطول، ستصبح ثلاث من الدول الاعضاء في المجلس وهي الكويت والمملكة العربية السعودية والامارات من الدول الرئيسة التي تقوم بتوريد النفط للعالم. هذه الدول الثلاث هي من بين خمس دول في العالم ـ حيث تضم القائمة ايضا ايران والعراق. اللتان تمتلكان احتياطيات كبيرة ومقدرة طبيعية هائلة على زيادة انتاجهما. وخلال الاعوام والعقود المقبلة، ومع تزايد عدد منتجي النفط من خارج منطقة الخليج العربي الذين يصل انتاجهم الى ذروته، ستجد الدول الخليجية المنتجة للنفط نفسها امام موقف لابد ان تلبي فيه النمو المتزايد للطلب العالمي من النفط. المالية العامة في دول المجلس لقد تركت الحقائق الجديدة لسوق النفط بالفعل آثارا لم يسبق لها مثيل على التكوين الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي. فارتفاع اسعار النفط وتزايد الانتاج قد ساعدا مجتمعين على ان يجعلا اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي اكثر «اعتمادا على النفط» من اي وقت آخر وتاريخها الحديث. من المتوقع ايضا ان يكون التأثير على المالية الحكومية في دول المجلس اكثر عمقا. وخلال الاعوام العشرين الماضية، وبينما كانت عملية التنويع الاقتصادي تتخذ مسارها على المستوى الاقتصادي الشامل، بقيت حكومات دول المجلس تعتمد اعتمادا اساسيا على النفط. فقد شملت الايرادات النفطية حوالي 78 في المئة من الايرادات الحكومية لدول المجلس خلال الثمانينات، وهبطت قليلا الى 75 في المئة خلال التسعينات. وخلال النصف الثاني من الثمانينات ومعظم حقبة التسعينات كانت الايرادات الحكومية لدول المجلس وبالتالي نفقاتها تمليها بالضرورة اسعار النفط. وخلال العامين الماضيين، ادت عودة ظهور الدور البارز للنفط الى وضع المالية الحكومية على اسس جديدة تماما. فقد ارتفعت الايرادات الحكومية من النفط في دول المجلس، وفقا لتقديراتنا، الى الضعف تقريبا من 43 مليار دولار امريكي، وهو ادنى معدل لها في عام 1998، ربما الى ما يقرب من 81 مليار دولار امريكي في عام 2000، لقد تزايد اعتماد الحكومات على النفط اكثر من اي وقت مضى، غير ان هذا الاعتماد في الوقت الحاضر لا يشكل عائقا امامها. لقد تصرفت الحكومات في ظل الاحوال الجديدة، حتى الآن، بشكل حذر، فالمملكة العربية السعودية، التي بلغت ايراداتها الحكومية 66 مليار دولار امريكي وسجلت فائضا ماليا قدره 12 مليار دولار امريكي في عام 2000، اعتمدت رغم ذلك ميزانية متوازنة لعام 2001، وحددت في خطتها للايرادات والمصروفات معا مبلغ 57 مليار دولار امريكي. ربما يقال ان دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها ان تتطلع الى فترة لا مثيل لها من الحرية المالية. فقد انتقل ميزان العرض والطلب بالنسبة للنفط لصالح المصدرين، والدول التي تعتبر من كبار منتجي النفط هي التي ستستفيد بصورة اكبر. وبناء على هذا المفهوم يمكن لبعض دول مجلس التعاون ان تتخلى تماما عن سياسة التنويع الاقتصادي وتركز على استثمار ثروتها المجددة وتوزيعها.