تقرير الاقتصاد العالمي "2001" تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.3 تريليون دولار، 139 مليار دولار استثمارات أمريكية بالخارج مقابل 9 مليارات لقارة أفريقيا توقع مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «اونكتاد» في تقريره عن «الاستثمار العالمي للعام 2001» ان تشهد تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر انخفاضا بعد النمو الذي شهدته عام 2000 والذي بلغ 18%، ليصل إلى رقم قياسي قدره 1.3 تريليون دولار، وهي نسبة اسرع من المجموعات الاقتصادية الاخرى مثل الانتاج العالمي، وتكوين رأس المال، والتجارة. واشار التقرير إلى ان التوسع العالمي لتدفقات الاستثمار تحركه اكثر من 60 الف شركة عابرة للقارات تضمن اكثر من 800 الف شركة منتسبة في الخارج. ولاتزال الدول المتقدمة تمثل الوجهة الرئيسية للاستثمار الاجنبي المباشر، اذ تستأثر بأكثر من ثلاثة ارباع التدفقات الوافدة، ولاتزال كذلك عمليات اندماج وشراء الشركات عبر الحدود تمثل المحرك الرئيسي وراء الاستثمار الاجنبي المباشر والتي تتركز في الدول المتقدمة، واكد التقرير ان التدفقات الوافدة إلى الدول المتقدمة زادت بنسبة 21% وبلغت ما يزيد قليلاً على تريليون دولار. كذلك ارتفعت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد إلى الدول النامية لتصل إلى 240 مليار دولار، غير ان نصيبها في تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر انخفض للعام الثاني على التوالي إلى 19% مقارنة بالذروة التي بلغتها في عام 1994 وهي 41%، واحتفظت البلدان في اوروبا الوسطى والشرقية، التي بلغت تدفقاتها الوافدة 27 مليار دولار بنصيبها البالغ 2%، وظلت البلدان الاقل نموا الـ 49 في وضعها الهامشي من حيث اجتذاب الاستثمار حيث بلغ نصيبها 0.3% من التدفقات الوافدة عام 2000. الثلاثي القوي واشار التقرير إلى استحواذ الثلاثي القوي، الاتحاد الاوربي، الولايات المتحدة، اليابان، بنسبة 71% من التدفقات العالمية و82% من التدفقات الصادرة عام 2000، فقد بلغت التدفقات الوافدة إلى الاتحاد الاوروبي رقما قياسيا سجل 617 مليار دولار وذلك بفضل مزيد من التقدم في التكامل الاقليمي، بينما ظلت الولايات المتحدة والبلدان الاوروبية الغربية الاخرى شركاءه الرئيسيون خارج المنطقة. وتصدرت المانيا دول الاتحاد الاوروبي كأكبر مستفيد من الاستثمار الاجنبي المباشر في اوروبا، واحتفظت المملكة المتحدة بمركزها للعام الثاني باعتبارها اكبر مصدر لهذا الاستثمار في العالم. وظلت الولايات المتحدة اكبر بلد مستفيد من الاستثمار الاجنبي المباشر حيث بلغت التدفقات الوافدة اليها 280 مليار دولار. اما التدفقات إلى الخارج فقد انخفضت بنسبة 2%، لتصل إلى 139 مليار دولار. وشهدت اليابان انخفاض تدفقاتها الوافدة في عام 2000 بنسبة 36% عن العام السابق إلى 8 مليارات دولار، وذلك يعزى في جانب منه إلى انخفاض النمو الاقتصادي في هذا البلد والذي استمر لفترة طويلة، في المقابل ارتفعت التدفقات خارج اليابان إلى 33 مليار دولار وهو اعلى مستوى خلال عشر سنوات. وذكر التقرير انه كانت هناك اختلافات رئيسية في اتجاهات الاستثمار الاجنبي المباشر فيما بين البلدان النامية. فعلى عكس التجربة في معظم اجزاء العالم الاخرى انخفضت التدفقات الوافدة إلى افريقيا في عام 2000 من 10.5 مليارات دولار إلى 9.1 مليارات دولار، وبذلك انخفض نصيبها من اجمالي تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر إلى اقل من 1%. وبعد ان ارتفعت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر إلى امريكا اللاتينية والكاريبي بمقدار ثلاثة امثال خلال النصف الثاني من التسعينيات، انخفضت ايضا في عام 2000 بنسبة 22% إلى 86 مليار دولار وانخفضت عملية الخصخصة في عام 2000 ولكنها ظلت مهمة كعامل محرك للاستثمار الاجنبي المباشر الوارد. وفي بلدان آسيا النامية بلغت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد مستوى قياسياً قدره 143 مليار دولار في عام 2000 وحدثت اكبر زيادة في شرق آسيا. فشهدت هونج كونج (الصين) على وجه التحديد، ازدهاراً غير مسبوق في الاستثمار الاجنبي المباشر، حيث بلغت التدفقات الوافدة 64 مليار دولار، لتصبح اكبر مستفيد من هذا الاستثمار في آسيا وكذلك في البلدان النامية. وظلت التدفقات على الصين مستقرة نسبياً عند 41 مليار دولار. وأثناء مفاوضاتها من أجل عضوية منظمة التجارة العالمية التي نالتها مؤخراً عدلت الصين بعض سياساتها المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر، حيث صارت الشركات العابرة للقارات تقوم بدور متزايد الأهمية في الاقتصاد الصيني. وتضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر من بلدان آسيا النامية في عام 2000 ليصل الى 85 مليار دولار، وكانت هونج كونج (الصين) أهم مصدر (63 مليار دولار) واتجه غالبية استثمارها الاجنبي المباشر الصادر الى الصين. كذلك ارتفع الاستثمار الاجنبي المباشر الصادر من الصين والهند. وارتفعت أيضاً تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد الى أوروبا الوسطى الشرقية، لتصل الى مستوى غير مسبوق وهو 27 مليار دولار. وكان العامل الرئيسي وراء تدفقات الاستثمار الوارد الى جميع انحاء المنطقة يتمثل في الصفقات المتعلقة بالخصخصة باستثناء هنجاريا، حيث مضت عملية الخصخصة في طريقها عموماً، وكومنولث الدول المستقلة، حيث لم تبدأ بعد علميات الخصخصة الواسعة النطاق التي تشمل المستثمرين الأجانب. خريطة التدفقات وعرض تقرير الاونكتاد كذلك خريطة تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد التي تشير الى مدى اندماج البلدان في الاقتصاد العالمي المتعولم، وبصورة غير مباشرة الى توزيع الفوائد العائدة من الاستثمار الاجنبي المباشر، حيث تبين خريطة الاستثمار الصادر أي البلدان تتحكم في التوزيع العالمي لهذا الاستثمار، وفهم نمط تدفقات وأرصدة الاستثمار الاجنبي المباشر والقوى المحركة له بإعتباره أمرا مهما لصياغة وتنفيذ الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية. ومن مقارنة الخرائط العالمية للتدفقات الواردة والصادرة في الفترة 1985 - 2000 يتضح بان الاستثمار الاجنبي المباشر يصل بطريقة واضحة إلى عدد من البلدان اكبر بكثير مما كان في الماضي، فلدى اكثر من 50 بلدا رصيد من التدفقات الواردة يزيد عن 10 مليارات دولار، مقابل 17 بلدا فقط منذ 15 عاما، وصورة الاستثمار الاجنبي المباشر الصادر مماثلة: فعدد البلدان التي يزيد رصيدها على 10 مليارات دولار ارتفع من 10 بلدان إلى 33 بلداً. ولكن برغم حركة الاستثمار، فان توزيعه غير متساو، فأكبر 30 بلدا مضيفا في العالم تمثل 95% من مجموع التدفقات العالمية للاستثمار الاجنبي المباشر الوارد و90% من الصاردة، ويمثل اكبر 30 بلدا من بلدان المنشأ حوالي 995 من تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الصادر والارصدة، وهي اقتصادات صناعية اساسا. الانتاج الدولي والخدمات تتفاوت انماط الانتاج الدولي بحسب البلدان والصناعات، كما انها تتغير مع مرور الزمن، ويعود ذلك جزئيا إلى الاستجابة إلى تغير التكوين الصناعي للاستثمارات الاجنبية المباشرة، وقد اصبحت الخدمات على مدى السنوات العشر الماضية اكثر اهمية في الانتاج الدولي لانه تم تحرير هذا القطاع امام الاستثمار الاجنبي المباشر في وقت متأخر نسبيا، ويتجه الاستثمار الاجنبي المباشر في العديد من صناعات الخدمات إلى التوزع على نطاق واسع نسبيا، مما يمثل اهمية القرب من المستهلكين، وينطبق الشيء نفسه على بعض الصناعات التحويلية، التي يكون فيها الوصول إلى السوق المحلية السبب السائد للاستثمار في الخارج، وكلما كان مستوى التكنولوجيا في صناعة ما اكثر تقدما، اتجه مستوى التركيز على الارتفاع ايضا، وتتجه الشركات الاجنبية المنتبة في الصناعات التي تستخدم التكنولوجيا الرفيعة إلى التجمع في مواقع مختارة في العالم، مما يعكس فوارق في التوزيع الصناعي للاستثمار الاجنبي المباشر في قطاع التصنيع بين البلدان المتقدمة والنامية. ففي البلدان المتقدمة، تشكل الكيماويات اكبر الصناعات المتلقية، في حين ان الاستثمار الاجنبي المباشر في البلدان النامية يتركز في الصناعات التي تستخدم التكنولوجيا البسيطة، اما على المستوى الوظيفي، فتعكس الانماط الجغرافية للاستثمار الاجنبي المباشر الاعتبارات المتصلة بالكفاءة لدى الشركات عبر الوطنية في ضوء تزايد الضغوط التنافسية المقترنة بالانجازات التكنولوجية التي تسهل الاتصال في الوقت الحقيقي عبر مسافات طويلة وبتحرير سياسات التجارة والاستثمار الاجنبي المباشر. يعكس تركيز الاستثمار الاجنبي المباشر النشاط الاقتصادي بصورة اعم، ولذا تكون الصادرات والاستثمار المحلي وعائدات التكنولوجيا شديدة التركيز ايضا، ومن الطبيعي ان الاقتصادات الاغنى والاكثر تنافسية تتلقى وترسل المزيد من الاستثمار الاجنبي المباشر بالمقارنة مع الاقتصادات الاخرى، وبغية قياس الجاذبية الاساسية التي يتمتع بها بلد ما بالنسبة للمستثمرين الدوليين، من المفيد اخذ حجم وقوة اقتصاده النسبية بعين الاعتبار، ويبين مؤشر الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد قدرة البلاد على اجتذاب ذلك الاستثمار بعد مراعاة حجمها وقدرتها على التنافس، ويعتبر المؤشر متوسط ثلاثة معدلات تظهر حصة كل بلد من الاستثمار الاجنبي المباشر العالمي بالمقارنة مع حصصها في الناتج المحلي الاجمالي، والعمالة والصادرات. فإذا كانت قيمة المؤشر «واحد» فان ذلك يعني ان حصة البلد من الاستثمار الاجنبي المباشر العالمي تتفق مع وضعه الاقتصادي من حيث هذه المؤشرات الثلاثة. توسيع الانتاج الدولي اخذت الاوضاع الدولية المتغيرة بسرعة تغير من العوامل المحركة للاستثمار الاجنبي المباشر، ففي حين تحتفظ العوامل المحركة التقليدية الرئيسية لمواقع الاستثمار الاجنبي المباشر بأهميتها - وهي الاسواق الكبيرة، وامتلاك الموارد الطبيعية، وسهولة الحصول على اليد العاملة المتدنية الكلفة وغير الماهرة أو شبه الماهرة - الا ان اهميتها اخذت تتراجع ولاسيما بالنسبة لاكثر الصناعات والوظائف ديناميكية، وبما ان الحواجز التجارية تتداعى وتتنامى الروابط الاقليمية، فان اهمية العديد من الاسواق الوطنية تتراجع ايضا، وتستأثر الصناعات الاولية بحصة متناقصة من النشاط الصناعي، كما ان الموارد الطبيعية بحد ذاتها تلعب دورا اقل اهمية في اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر بالنسبة للعديد من البلدان، لذا، فان موقع انشطة الشركات عبر الوطنية اخذ يعكس بصورة متزايدة ثلاثة تطورات خلاف ذلك: تحرير السياسة العامة، والتقدم التقني، والاستراتيجيات المستجدة للشركات. وتترك التغيرات في السياسة العامة الدولية اثرا شديدا على القدرات المتعلقة باختيار المواقع، فتحرير التجارة والاستثمار يسمح للشركات عبر الوطنية بالمزيد من التخصص والبحث عن المواقع ذات القدرة التنافسية، ويؤثر التقدم التكنولوجي على جغرافية الاستثمار الاجنبي المباشر بطرق عديدة، فالابتكارات السريعة تخلق ميزات تدفع بالشركات إلى حقل الانتاج الدولي، وبالتالي فان الصناعات التي تستخدم الابتكارات استخداما كثيفا تميل لان تتخذ صبغة عبر وطنية بصورة متزايدة، كما انه يتعين على الشركات عبر الوطنية ان تكون اكثر قدرة على الابتكار كي تحافظ على قدرتها التنافسية، كما يؤدي الابتكار إلى اجراء تغييرات في هيكل التجارة والانتاج، حيث تنمو الانشطة التي تستخدم البحث الانمائي بكثافة بصورة اسرع من الانشطة التي لا تستخدم التكنولوجيا بكثافة إلى هذا القدر. وتزيد العوامل الادارية والتنظيمية من قوة العوامل الجديدة التي تحدد مواقع الاستثمار الاجنبي المباشر. فالتركيز الشديد على الكفاءات الاساسية، ومع هرميات اكثر افقية وتركيز اكبر على اقامة الشبكات، انما يوجه الاستثمارات نحو المواقع التي تتوفر فيها العوامل والمؤسسات المتقدمة، والتجمعات الصناعية المتميزة حيثما كان ذلك مناسباً. وتسمح الطرائق التنظيمية الجديدة بادارة العمليات العالمية بصورة اكفأ. وتشجع المزيد من عمليات تغيير مواقع الوظائف. كما تجبر المنافسة الشديدة الشركات على التخصص في اعمالها التجارية الاساسية، مما يدفع بالشركات عبر الوطنية إلى اقامة روابط خارجية في مختلف نقاط سلسلة القيم (من التصميم والابتكار وحتى التسويق والخدمات) ويتيح للشركات الاخرى (بما فيها الشركات عبر الوطنية) فرصة الاضطلاع بوظائف مختلفة. ومن هنا فإن الجغرافيا المتغيرة للانتاج الدولي تعكس التفاعل الديناميكي بين العديد من العوامل الاقتصادية والتنظيمية وعوامل السياسة العامة. وفي حين ان العديد من هذه العوامل كانت دوما ذات صلة وثيقة بهذا الامر، فإن ترابطها اليوم يمثل قوى جديدة تترك اثرها على القرارات المعلقة بالمواقع التي تتخذها الشركات عبر الوطنية. ويتعين على البلدان النامية، بغية النجاح في مواكبة العولمة واستخدام الاستثمار الاجنبي المباشر لما فيه مصلحتها، ان تتفهم هذه القوى، فهي تحدد المعايير التي يتعين على مقرري السياسات التحرك في اطارها، بغية اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر واستخلاص المزيد من المنافع في مجال التكنولوجيا والمهارات والوصول إلى الاسواق، واقامة الروابط الخلفية والاستفادة من الاصول الاجنبية للتوصل إلى احتلال مواقع تنافسية في الاسواق العالمية. وتلعب التجمعات الصناعية دوراً متزايد الاهمية في النشاط الاقتصادي، ولاسيما النشاط الكثيف الاستخدام للتكنولوجيا. و«التجمعات» هي ترتكز الشركات في صناعة واحدة او صناعات قليلة والاستفادة من اوجه التآزر التي تنجم عن شبكة كثيفة من المتنافسين، والمشترين من مشترين كثيري المطالب، وموردين متخصصين وموارد بشرية رفيعة التطور والمال ومؤسسات الدعم المتطورة تطوراً جيداً. ويمكن ان تجذب هذه الموارد والقدرات المركزة الاستثمارات الاجنبية المباشرة «الباحثة عن الكفاءة». كما انها تساعد على جذب الاستثمار الاجنبي المباشر «الباحث عن الاصول» إلى البلدان المضيفة الاكثر تقدماً. وفي بحثها الدؤوب عن الميزات التنافسية الجديدة. تسعى الشركات عبر الوطنية للعثور على اصول ناشئة كالتكنولوجيا والعمالة الماهرة في كافة انحاء العالم. جيل جديد من سياسات تشجيع الاستثمارات ويقتضي استخدام وتعزيز التجمعات بغية اجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر اتباع اساليب جديدة، تتجاوز الجيلين الاول والثاني من سياسات تشجيع الاستثمار، فإبان الجيل الاول من هذه السياسات، اعتمد العديد من البلدان سياسات تتجه نحو السوق فهي تحرر نظم الاستثمار الاجنبي المباشر فيها للتخفيف من القيود المفروضة على الاستثمار الوارد، ولتعزيز معايير معاملة المستثمرين الاجانب واعطاء دور اكبر لقوى السوق في تخصيص الموارد. وفي الجيل الثاني من سياسات تشجيع الاستثمار، قطعت الحكومات شوطاً ابعد، وسعت بصورة نشطة لاجتذاب هذه الاستثمارات، من خلال «تسويق» بلدانها. ويؤدي هذا الاسلوب إلى اقامة وكالات وطنية لتشجيع الاستثمارات. اما سياسات تشجيع الاستثمارات من الجيل الثالث فتتخذ اطاراً تمكينياً بشأن الاستثمار الاجنبي المباشر وتتبع اسلوباً يستبق الاحداث نحو اجتذاب هذه الاستثمارات كنقطة انطلاق لها. ومن ثم تمضي إلى استهداف المستثمرين الاجانب على مستوى الصناعات والشركات كي تلبي احتياجاتهم المحددة من حيث المواقع على مستوى النشاط والتجمع، وذلك في ضوء الاولويات الانمائية للبلد المعني. وثمة عنصر حاسم الاهمية لتشجيع الاستثمار وهو تحسين وتسويق مواقع معينة لدى المستثمرين المحتملين في انشطة محددة. ومفتاح النجاح في استراتيجيات تشجيع الاستثمارات الجديدة هو انها تعالج بالفعل احد المحددات الاقتصادية الاساسية للاستثمار الاجنبي المباشر في الوقت الذي تتفهم فيه الاستراتيجيات المتغيرة المتصلة بالمواقع والشركات عبر الوطنية. وبغض النظر عن المستوى الذي يتم على اساسه تشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر ـ وكذلك المزيج الدقيق من استراتيجيات الاستثمار الاساسية الثلاث التي يتم اتباعها ـ تعد قدرة قطاع الاعمال التجارية المحلية على التنافس ومجموعة الاشخاص المهرة هما طريق الوصول إلى «المنتج». فالشركات المحلية القوية تجتذب الاستثمار الاجنبي المباشر. ويغذي دخول الشركات الاجنبية المنتسبة بدوره القدرة على المنافسة ودينامية قطاع المؤسسات التجارية المحلية. واهم قناة لتوزيع المهارات والمعارف والتكنولوجيا من جانب الشركات الاجنبية المنتسبة هي الروابط التي تقيمها مع الشركات والمؤسسات المحلية. اذ بإمكان هذه الروابط ان تسهم في نمو قطاع اعمال تجارية محلية مليء بالنشاط، وهو اساس التنمية الاقتصادية. اما بالنسبة للبلدان النامية فإن اقامة روابط خلفية مع الشركات الاجنبية المنتسبة يكتسب اهمية خاصة لهذا السبب. ويصبح التحدي عندئذ هو كيف يمكن تعزيز الروابط الخلفية ـ بغض النظر عن نوع سياسة تشجيع الاستثمار التي يتبعها البلد المعني. تشجيع الروابط الخلفية تعد الروابط التي تقيمها الشركات الاجنبية المنتسبة مع الشركات المملوكة محلياً عاملاً من العوامل الرئيسية في تحديد الفوائد التي يمكن ان تجنيها البلدان المضيفة من الاستثمار الاجنبي المباشر. اما الروابط الخلفية من الشركات الاجنبية المنتسبة إلى الشركات المحلية فهي قنوات مهمة يمكن ان تمر عبرها الاصول المنظورة وغير المنظورة من الاولى إلى الثانية. ويمكن ان تساهم هذه الروابط في الارتقاء بمستوى المؤسسات المحلية وتثبيت اقدام الشركات الاجنبية المنتسبة في الاقتصادات المضيفة. يحلل تقرير الاستثمار العالمي لعام 2001 افضل السبل التي بها تستطيع حكومات البلدان المضيفة تشجيع الشركات الاجنبية المنتسبة على اقامة روابط خلفية فعالة. والنهج المتبع نهج عملي يرتكز على تجربة الشركات في اقامة الروابط وعلى ما اعتمدته الحكومات من تدابير لتشجيع اقامة الروابط وتعميقها. وتعود الروابط بالفوائد على الشركات الاجنبية المنتسبة والموردين المحليين وعلى الاقتصاد التي تقام فيه اجمالاً. ففيما يتعلق بالشركات الاجنبية المنتسبة. يمكن ان يؤدي الشراء من السوق المحلية إلى خفض تكاليف الانتاج في الاقتصادات المضيفة وان يتيح زيادة التخصص والمرونة وتحسين تكييف التكنولوجيات والمنتجات مع الظروف المحلية. اما وجود موردين متقدمين تكنولوجيا فيمكن ان يوفر للشركات المنتسبة منفذاً إلى موارد تكنولوجية ومهارات خارجية تدعم جهودها الابتكارية. وللروابط اثر مباشر في الموردين المحليين يتمثل بوجه عام في رفع مستويات انتاجهم وعمالتهم. ويمكن ان تشكل الروابط ايضاً وسيلة لنقل المعارف والمهارات بين الشركات المرتبطة. وكلما ازدادت كثافة شبكة الروابط امكن تعزيز كفاءة الانتاج ونمو الانتاجية والقدرات التكنولوجية المشمولة. واخيراً، فيما يخص الاقتصاد المضيف اجمالاً، يمكن للروابط ان تحفز النشاط الاقتصادي، وان تعود بالفائدة على ميزان المدفوعات في الحالات التي يستعاض فيها عن المدخلات المستوردة بمدخلات محلية. ومن شأن تعزيز الموردين ان يولد بدوره آثاراً غير مباشر تعم سائر مناحي الاقتصاد المضيف وتساهم في تنشيط قطاع المؤسسات. وفي الحالات التي يتمتع فيها المشترون والموردون على حد سواء بالقوة والقدرة على صعيد التكنولوجيا، كما هو الامر في البلدان المتقدمة، فإن تدفقات المعرفة تسير في كلا الاتجاهين وينصب تركيزها بصفة رئيسية على كل ما يستجد من تكنولوجيات ومنتجات ومناهج تنظيم. أما إذا كان الموردون يعانون ضعفاً نسبياً، كما هو الأمر في معظم البلدان النامية، فإن تدفقات المعرفة تنزع الى السير في اتجاه واحد من الشركات الاجنبية المنتسبة (المشترين) الى الشركات المحلية. وبطبيعة الحال، لاتستوي جميع الروابط في الفوائد التي تعود بها على الاقتصادات المضيفة. ففي النظم التي ترتفع فيها مستويات الحماية، قد تقيم الشركات الاجنبية المنتسبة روابط كثيرة من دون ان يكون لديها حافز كبير على الاستثمار في تحسين القدرات التكنولوجية للموردين. بل ربما أدت هذه الروابط الى ان ترسي للموردين أساساً لايقدر على الصمود في وجه المنافسة الدولية. أما الروابط التي تقام في بيئة تنفاسية وتصحبها جهود لتعزيز قدرات الموردين فالأرجح ان تكون أنفع وأنشط من الناحية التكنولوجية، فالمقصود ليس تشجيع الروابط في ذاتها وانما تشجيعها حيثما يفيد منها الاقتصاد المضيف. على الرغم من ان الشركات الاجنبية المنتسبة مصلحة في إقامة روابط محلية وتعزيزها فإن استعدادها لذلك يمكن ان يتأثر بالسياسات الحكومية في التصدي لمختلف عيوب السوق على مختلف المستويات إبان عملية تشكيل الروابط. فقد تكون الشركات عبر الوطنية مثلاً، على غير علم بوجود موردين فعالين، أو قد ترى استخدامهم كمصدر للمدخلات باهظ التكلفة. وفي البلدان النامية، قد يلزم وضع سياسات تعوض عن ضعف الأسواق المالية أو ضعف المؤسسات مثل المدارس المهنية، والمعاهد التدريبية، ومراكز الدعم التكنولوجي، ومختبرات البحث والتطوير والاختبار. ينطوي أحد نُهُج تشجيع الروابط اتخاذ تدابير شتي للجمع بين الموردين المحليين والشركات الأجنبية المنتسبة وتعزيز الروابط بينهما في مجالات أساسية هي مجالات الاعلام والتكنولوجيا والتدريب والتمويل. ويذهب نهج آخر الى وضع برنامج محدد لتشجيع الروابط يهدف الى زيادة الروابط وتعميقها بين الشركات الاجنبية المنتسبة والشركات المحلية. والواقع ان بعض البلدان وضعت مثل هذا البرنامج كايرلندا وتايلاند وجمهورية التشيك وسنغافورة وماليزيا والمكسيك والمملكة المتحدة وهنجاريا. ونقطة الانطلاق لبرنامج فعال لإقامة الروابط هي وجود تصور واضح لكيفية انسجام الاستثمار الاجنبي المباشر مع استراتيجية التنمية عموما، ومع استراتيجية بناء القدرة الانتاجية تحديداً. ويجب ان يقوم التصور على فهم واضح لمواطن القوة والضعف في الاقتصاد وللتحديات التي يواجهها في عالم سائر نحو العولمة. وينبغي لبرناج الروابط، بوجه خاص، ان يتصدى للاحتياجات التنافسية للمؤسسات المحلية وآثار هذه الاحتياجات في السياسات ومؤسسات الدعم الخاصة والعامة وتدابير الدعم. ويمكن ان يكون لبرنامج الروابط هدفان عامان هما: زيادة اعتماد الشركات الاجنبية المنتسبة على مصادر توريد محلية وتعميق الروابط القائمة وتحسينها، بحيث تكون الغاية النهائية هي الارتقاء بقدرات الموردين المحليين على انتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى في بيئة تنافسية. وينبغي اطلاع جميع الجهات المعنية الرئيسية على أهداف الحكومة، لأن مشاركتها النشطة ضرورية لنجاح أي برنامج. ويتطلب ذلك استهلال حوار بين القطاعين العام والخاص والجهات المعنية بما في ذلك الشركات الاجنبية المنتسبة، ورابطات الموردين، والغرف التجارية، والمصارف، ومقدمو الخدمات والنقابات، والوكالات الحكومية، ومن ثم نشر تجارب «الممارسات الفضلى» القائمة على برامج الشركات وأنشطتها، وتجارب البرامج والتدابير الحكومية في بلدان اخرى. وينبغي للحكومات، بالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص ان تحدد أهداف البرامج من حيث الصناعات التي ستشارك فيها، ومن ضمنها الشركات الاجنبية المنتسبة والموردون المحليون. كما ينبغي ان تكون الحكومات على علم بالاجراءات التي سبق ان اتخذتها الشركات الاجنبية المنتسبة والشركات المحلية، وتستطيع الحكومات ايضا تأدية دور تيسيري وحافز وضمان حصول المؤسسات الخاصة على الحوافز والموارد اللازمة. وبإمكانها الاضطلاع بدور فعال في مجالات الاعلام والمواءمة وتحسين التكنولوجيا والتدريب والوصول الى التمويل. وتستطيع الحكومات ان تصمم الاطار المؤسسي لبرنامج الروابط وفقاً لعدد من الخيارات: كجعله جزءاً متميزاً من هيئة قائمة أو حتى إنشاء برنامج خاص للروابط على الصعيد الوطني تحت إشراف هيئة مستقلة لكي يؤدي دور جهة التنسيق لجميع الانشطة ذات الصلة التي تضطلع بها مختلف الادارات والمؤسسات. وإسناد تصميم برنامج الروابط وتنفيذه الى السلطات المحلية، وتولي الحكومة المركزية تقديم المشورة والتشجيع والدعم، وإشراك القطاع الخاص بوصفه الوكالة التنفيذية الرئيسية لبرنامج الروابط. ولاتستطيع برامج الروابط أداء عملها ما لم تتصل اتصالاً شبكياً فعلياً بمؤسسات وسيطة فعالة توفر الدعم في بناء المهارات، وتطوير التكنولوجيا، والنقل والإمداد، والتمويل. وتشمل هذه المؤسسات معاهد المواصفات والمقاييس، ومختبرات الفحص، ومراكز البحث والتطوير وغيرها من أقسام التوسع التقني، ومراكز التدريب الانتاجي والاداري، والمؤسسات المالية. وتنتمي هذه المؤسسات الى القطاعين العام والخاص. ومن المهم ايضا ان تعمل برامج الروابط بالتعاون الوثيق مع الرابطات الخاصة المعنية من غرف تجارية وصناعية، ورابطات الصناعيين والمستثمرين. ومن المهم أخيراً وجود نظام رصد يتولى تقييم نجاح البرنامج. كتب مصطفى عبدالعظيم