مع كل أزمة اقتصادية أو سياسية عالمية تتجدد المخاوف على الاستثمارات العربية المهاجرة التي تتراوح قيمتها مابين 1200 و1500 مليار دولار خاصة أن التجارب السابقة أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن هذه الاستثمارات سواء الحكومية أو التابعة للقطاع الخاص تكون عرضة للاستنزاف، وقرارات المصادرة والتجميد الأمر الذي يكلف الدول العربية خسارة مئات المليارات التي كان من الممكن ان تكون وسيلة لدعم وتنمية الاقتصاديات الوطنية العربية. وفي ضوء التوقعات التي تشير الى تحمل الاستثمارات العربية المهاجرة في الخارج لنحو 120 مليار دولار من اجمالي فاتورة خسائر الأحداث الأمريكية التي اندلعت في 11 سبتمبر الماضي ومع تزايد المخاوف من ارتفاع حجم الخسائر لاسيما في ظل الاجراءات العدائية ضد العرب والمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تضاعفت حالة القلق والتوتر والخوف على مستقبل هذه الاستثمارات ورؤوس الأموال المهاجرة خاصة بعد تجميد أرصدة بعض المنظمات والأشخاص والمستثمرين لمجرد الاشتباه.. ويرى الخبراء والمسئولون العرب أن الاستثمارات المهاجرة باتت في مهب الريح في ظل الاجواء الحالية.. كما حذر الخبراء من تعرض هذه الاستثمارات للاستنزاف غير المشروع تحت زعم انها تساند وتدعم الارهاب وطالبوا بتصدي الحكومات العربية لهذه الاتهامات الباطلة وتفنيدها لحماية وتأمين الأموال المهاجرة من النهب والعمل على تهيئة المناخ الاستثماري العربي لجذب هذه الأموال الهائمة. 85% منها تخص دول الخليج وحسبما جاء في تقارير الدوائر الاقتصادية فإن حجم الأموال العربية المهاجرة يتراوح حاليا مابين 1200 مليار و1500 مليار دولار بعد أن كانت 800 مليار دولار عام 1996، وأن 85% من هذه الأموال تخص دول مجلس التعاون الخليجي خاصة السعودية وأن هيكل هذه الأموال يتمثل في الأرصدة البترولية للحكومات العربية واستثمارات الأفراد والقطاع الخاص وأن معظم هذه الأموال مستثمرة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة افتقاد الاقتصاديات وأسواق المال العربية لعوامل الجذب التي تشجع هذه الأموال على العودة الى داخل حدود الوطن العربي.. وأيضا لوجود عوامل طاردة لهذه الأموال في مقدمتها المخاطر السياسية نتيجة عدم استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بسبب الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.. بالاضافة الى الخوف من أية قرارات مفاجئة بالتأميم والمصادرة.. الى جانب عدم الوعي العربي الكافي للاستفادة من هذه الأموال وحسن ادارتها بما يحقق مصالح الدول العربية في المنطقة سواء السياسية أو الاقتصادية بوسائل عديدة منها امكانية سحب هذه الأموال من كتلة دولية واستثمارها في كتلة دولية أخرى بين منطقتي الدولار واليورو والحصول من ورائها على دعم اقتصادي وسياسي باعتبار أن تحول هذه الاموال وتحركها من جهة لأخرى سيؤثر بالقطع على عملة الجهة التي ستسحب منها ويضيف الى قوة العملة التي تذهب اليها وترفع من قوة التكتل الذي تتعامل معه وتنضم اليه سواء كان الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية.. وبهذه الطريقة يستطيع العرب التأثير في التجمعات الدولية اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا مستقبل غامض وحول مستقبل الأموال العربية المهاجرة وقانونية تتبعها واحتمال تعرضها لخطر المصادرة أو التجميد يرى الدكتور نبيل حشاد الخبير المصرفي ورئيس المركز العربية للدراسات المالية والمصرفية انه من حق أي مسئول تتبع الأموال المشبوهة ومعرفة مصدرها لحماية اقتصاد بلده سواء الأموال التي تمول أنشطة ارهابية أو تستثمر في نشاطات محرمة كتجارة المخدرات والسلاح والدعارة كما أنه من حق مسئولي البنوك معرفة مصدر التحويلات المشكوك فيها والابلاغ عنها.. موضحا أن هذه الحقوق القانونية يمكن استغلالها بالباطل لاثارة المشاكل حول الاستثمارات العربية المهاجرة لمحاولة استنزافها في حين أن اقتصاديات دولة عديدة في العالم معروفة لدى الجميع تعتمد بشكل شبه كلي على استثمارات مشبوهة وأموال قذرة ومع ذلك فهي بعيدة عن دائرة الاشتباه لمجرد أنها دول غير عربية أو اسلامية وحوا مايتعلق بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها اتخاذ قرار بتجميد أرصده دول أو أفراد يقول الدكتور حشاد أن قرار التجميد يمكن تطبيقه على أرصدة وأموال الحكومات فيما يصعب تنفيذه على الأفراد في حالات محددة.. موضحا أنه عندما تتخذ دولة قرارا بتجميد أرصدة دولة أخرى لابد من تقديم مبررات قانونية قوية مقنعة لهذا القرار حتى تكون المسألة بعيدة عن القرصنة الدولية. ويشير الدكتور حشاد الى أن حجم الاستثمارات العربية في الخارج يوازي تقريبا ضعف حجم الناتج الاجمالي العربي.. الأمر الذي يهدد بخسائر ضخمة اذا ماتعرضت هذه الأموال لأية قرارت تجميد أو مصادرة لسبب أو لآخر. وأوضح أن تجميد الأرصدة العربية أو مصادرتها أو تأثرها سلبا كان أمر وارد في العديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية السابقة غير أن الجديد في هذه الأزمة والذي يضاعف القلق والمخاوف يتمثل في أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الأوروبية بدأت تتفاوض فيما بينها لتجميد الأرصدة المشكوك في مصادرها والتي تستخدم في العمليات الارهابية. وأن المفاوضات الدائرة في هذا الصدد ألمحت الى العديد من الأموال العربية التي تخص بعض الجمعيات أو المودعة في حسابات شخصية، وأكد حشاد أن احتمال حدوث تجميد للأرصدة العربية ومصادرة الأموال العربية المهاجرة مرهون بالنطاق الجغرافي للحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد الارهاب. مشيرا الى أن الشواهد والمواقف الأمريكية والأوروبية تشير الى عدم تورط أي دولة عربية وبالتالي فإن تجميد أرصدة عربية سواء مايتعلق بالحكومات أو الأرصدة الخاصة أمر مستبعد. تكثيف التحركات العربية وشدد الدكتور حشاد على ضرورة تكثيف التحركات الاقتصادية والسياسية العربية لحماية الاستثمارات المهاجرة محذرا من خطورة تركها مهددة تحت رحمة الاهواء الأمريكية والغربية التي يمكن أن تزيف الحقائق وتستغل الظروف الحالية في الاستيلاء على تلك الأموال بحجة الاشتباه في أنها مستخدمة لتمويل العمليات الارهابية أو توسع نطاق حربها في المنطقة تجاه أي دولة عربية توطئة لتجميد الأرصدة العربية الأمر الذي يتطلب من صناع القرار في الدول العربية اتخاذ قرارات مالية واقتصادية موحدة ومتكاملة بالاضافة الى دراسة وضع هذه الأموال وتوخي الحذر ومحاولة جذبها للاستثمار الداخلي باعتبار أن القوة السياسية لابد أن تساندها قوة اقتصادية. وأشار الى أن الأموال العربية المهاجرة قادرة على تحقيق القوة الصناعية والاقتصادية ودعم ومساندة القوة السياسية وبالتالي التأثير في العالم والمشاركة الفاعلة في صياغة القرارات الاقتصادية والسياسية الدولية. خسارة مباشرة ومن جهته اعتبر الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية أن بقاء هذه الاستثمارات ورؤوس الأموال الضخمة في الخارج وتعرضها لهزات وخسائر متوالية بمثابة خسائر مباشرة ومحققة للاقتصاديات العربية، موضحا أن المخاطر المحيطة بهذه الأموال ليست وليدة الأحداث الحالية التي بدأت في سبتمبر الماضي حيث سبق أن تعرضت لأزمات عديدة مماثلة في الماضي، كما أن هذه المخاطر لن تنتهي بانتهاء الأزمة الحالية وستظل قائمة طالما بقيت هذه الأموال في الخارج. وأكد أن وجود هذه الأموال والاستثمارات الضخمة في الوطن العربي سيكون بلا شك دعماً ومساندة كبيرة لاقتصاديات الدول العربية ووسيلة لتعزيز الاستثمارات والمشروعات المشتركة وايجاد الآلاف من فرص العمل في المجالات المختلفة، موضحا أن الاستفادة من الموارد العربية وحسن توظيفها سيشكل دعامة قوية للاقتصاديات العربية. مشددا على ضرورة وجود اطار لتنظيم العمل الاقتصادي العربي وكذا استراتيجية محددة المعالم لمنع التخبط وجذب الاستثمارات وتحقيق التكامل فيما بين الدول العربية. كما أشار الى أهمية تحسين مناخ الاستثمار في المنطقة العربية والتي أصبحت طاردة للاستثمار حيث خرج جزء كبير من الاستثمارات ورؤوس الأموال الوطنية للعمل في الخارج بينما تحتاج خطط التنمية في الدول العربية بشدة لهذه الأموال، وأكد أن الأمر يتطلب حزمة من الاجراءات العاجلة لتهيئة مناخ الاستثمار وأسواق المال العربية وتأهيلها لاجتذاب هذه الأموال بالتيسيرات والاعفاءات والحوافز وكذا التطمينات بعدم اللجوء لأية قرارات مفاجئة كالتأميم أو المصادرة أو الحراسة، موضحا أن الاقتصاديات العربية بحاجة لأموال واستثمارات ضخمة لتحقيق معدلات التنمية المستهدفة وأن هذه المعدلات لن تتحقق في ظل تواضع حصة الدول العربية من حجم الاستثمارات الأجنبية. وأضاف الدكتور جويلي أن واردات الدول العربية حاليا تصل الى حوالي 150 مليار دولار منها مايتروح بين 13 مليار و15 مليار دولار تجارة بينية فيما يتم استيراد ماقيمته حوالي 135 مليار دولار سنويا من الخارج الأمر الذي يعني وجود فرص هائلة في مجالات الانتاج داخل القطاعات والسلع التي يتم استيرادها، مشيرا الى أن توجيه الانتاج نحو استغلال روؤس الأموال المغتربة في القطاعات الاستيرادية سيحقق زيادة ملحوظة في حجم التجارة البينية العربية ويعمل على تعظيم الاستثمارات المشتركة. تهيئة المناخ الجاذب ويرى محمد المصري نائب رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أن رأس المال بطبيعته يبحث عن أفضل مكان للاستثمار وأنه يتحرك الى المكان الذي يحظى فيه بالرعاية والحماية والأمان مما يتطلب تهيئة المناخ الجيد للاستثمار، مؤكدا أن رأس المال لا يعرف العواطف وأن تدفق الاستثمارات العربية لمصر على سبيل المثال لم يتحقق الا بعد توافر المقومات المناسبة الى جانب المزايا والأمان وغيرها من العناصر اللازمة للمستثمر. وأشار الى أن الاستثمارات تهرب من أي منطقة تستشعر وجود مشاكل أو عدم استقرار بها. وحدد المصري العناصر الجاذبة للاستثمارات العربية والأجنبية في الاستقرار السياسي سياسات اقتصادية ناجحة ومستقرة في مجالات اسعار الصرف والفائدة والسياسات المستخدمة لعلاج عجز الموازنة والمديونيات بما يحقق توازن الاقتصاد، موضحا أن الاقتصاديات العربية نجحت في تحقيق معظم هذه الأمور وبقى استكمالها فيما يخص السياسات الضريبية والاستقرار التشريعي. القاهرة ـ يوسف شاكر: