لماذا لم يتحقق الاندماج الاقتصادي العربي حتى الآن رغم أنه من أقدم التكتلات الاقليمية في العالم؟ وما هو حصاد خمسين عاما من الجهود المتواصلة لتحقيق هذا الهدف؟ هذه الاستفسارات وغيرها كانت مثارا للنقاش وحاول الاجابة عليها عدد من السياسيين والاقتصاديين والمسئولين في مصر وذلك في ندوة اقيمت مؤخرا في جامعة القاهرة. أكد الدكتور اسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية أن الارادة السياسية القائمة في العالم العربي لم تصل الى حد الاندماج الاقتصادي فلقد توقفت عند مرحلة التعاون الاقتصادي لازالة بعض المعوقات التي تشكل خطرا على بعض المنتجين مشيرا الى أن هناك فوارق سياسية في النظم الموجودة في الوطن العربي في عمر الدولة من حيث قدمها وحداثتها. وأوضح الباز أن الخلافات العربية تعوق تحقيق تلك الخطوة موضحا أن رصيد الحروب التي أقيمت في أوروبا يعد كبيرا ورغم ذلك استطاعوا التغلب عليها وتوصلوا الى اتفاق لوضع أساس قوي للاندماج وقال أن العرب استطاعوا التغلب على الخلافات الحدودية القائمة التي كانت تخلق درجة كبيرة من التوتر وأضاف بأن الصراع العربي الاسرائيلي وما يسببه من تداعيات قد يكون أحد العقبات أمام الاندماج لأنه يستغرق الكثير من التفكير في المستقبل ويخلق حالة من التشويش على الاستثمارات القادمة للمنطقة التي تعتمد على الاستقرار وأضاف بأن الصراع العربي الاسرائيلي يجب أن يكون حافزا للاندماج والتجمع في المجال الاقتصادي. ويرى المستشار السياسي لرئيس الجمهورية ضرورة التحرك الواقعي والتخطيط نحو الاندماج موضحا أن الاندماج يجب ألا يعتمد على تقسيم الثروة التي قد تخلق توترا بين الدول التي يتمتع أفرادها بمستويات معيشة مرتفعة ويجب أن تكون الاستفادة عامة من الاندماج. بينما أشار الدكتور يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الى أن العالم العربي يجب أن يستبدل الحدود السياسية بحدود اقتصادية مؤكدا أن ذلك لم يحدث بعد وأننا نسير بخطى حسيسة نحو الاندماج التجاري على عكس الاتحاد الأوروبي الذي استخدم ذلك لتحقيق هدف سياسي بينما نحن نستخدم السياسة والعلاقات بين القادة وبين الحكومات للتوقيع على وثائق وأكد أنه قد تم تحقيق خفضا على التعريفة الجمركية البينية بحوالي 40% وسيكون هناك خفضا آخر يصل الى 10% في يناير المقبل وبرغم ذلك لا يوجد لدينا منطقة تجارة حرة ولكن ذلك أدى الى تفعيل التجارة البينية. وأوضح وزير الاقتصاد أن المنطقة الحرة تعاني من ثلاث مشاكل أولا عدم وجود قواعد منشأ للتجارة بين الدول العربية فقواعد المنشأ يترتب عليها اختيار الصناعات التي تقام داخل الحدود أو الصناعات التي يمكن التنازل عنها أيضا أشار الى أنه لا توجد آلية لفض النزاع بالاضافة الى الاستثناءات فمعظم القوائم التي قدمت لتمتع بحرية التجارة بها استثناءات وصلت الى 80% من تجارتنا الخارجية وهذا يدل على افتقار منطقة التجارة الحرة لتفعيل هذا الاتفاق، وبالرغم من بداية التقارب بين الهياكل الاقتصادية للدول العربية وأصبحنا نتجه الى آليات السوق والى تفعيل السياسات الكلية التي تعتمد على قراءة سوقية إلا أننا لم نتخذ قرارا لانفتاحنا على العالم وأشار الى أن تونس والمغرب ولبنان ومصر دول تتقبل أعباء الانفتاح على العالم الخارجي وقال أننا لا نستطيع أن نضم 21 دولة مرة واحدة الى المنطقة الحرة فالاتحاد الأوروبي بدأ بـ ـ6 دول ووصل الى 15 دولة فالاعتراف بالاختلاف هو مفتاح الاندماج. وعن الجوانب السياسية لقضية الاندماج أشار الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب الى أن التوحيد السياسي والاقتصادي للعرب لم يتحقق لأن نظرية الضرورة هي التي تحكم كل السياسات وأن الهند رغم أن بها تنوع سياسي ولكن هناك دولة مركزية ذات عاصمة واحدة تخضع لبرلمان واحد، حتى أمريكا القائمة على الاختيار النوعي للولايات تشكل كيانا واحدا وأشار الفقي الى أن الاقتصادات العربية ما زالت متشابهة واقتصادات الزراعة لا تزال في دور التقليد فلا يوجد التنوع الذي يغري بالاندماج الاقتصادي، وأن قضية الارادة السياسية تقوم على فكرة التنازل الطوعي فهناك تشنج قطري فالاحساس بالقطرية والذاتية يهدم فكرة التنازل وتساءل الدكتور الفقي عن أسباب اختفاء الارادة السياسية؟ مشيرا الى الحساسيات والمخاوف هي السبب الرئيسي فالكلام عن تفعيل الجامعة العربية مجرد أحاديث للمناسبات والصالونات، وكذلك قضية الديمقراطية تعد حاكمة، لكل الكوارث العربية حيث هناك تراجع فضلا عن الميراث الموجود من الثقة في العنصر الأجنبي عن العربي وأشار الفقي الى انعدام فكرة الاقليم الجغرافي الواحد فشمال افريقيا يختلف عن الخليج والأخير يختلف عن شعوب وادي النيل وأكد الفقي أن الظروف الدولية الحالية تستوجب نوعا مختلفا من التفكير حيث يدخل العالم في موجة من الشك والريبة والقلق القومي المتبادل والمخاوف الدينية وصراع الحضارات الذي سيحل محل العولمة وهو ما يعني أننا سنواجه في العالم العربي لسنوات قليلة قدراً من الاضطراب الاقتصادي. وأكد الدكتور أحمد جويلي رئيس مجلس الوحدة الاقتصادية على ضرورة أن تضافر الجهود العربية والاعتماد على الذات في مواجهة الأحداث الدولية الخطيرة التي سيكون لها أثر كبير على الاقتصاد العالمي والعربي وأشار الى أن الأهمية النسبية للاقتصاد العربي لا تزيد بالنسبة للناتج العالمي عن 3% وهو ما يعني أن الاقتصاد العربي يزداد تهميشا على أرض الواقع في الوقت الذي يمثل فيه البترول نحو 70% من الصادرات العربية والتجارة البينية العربية لا تزيد على 6.8% نصفها يتمثل في الصادرات البترولية صاحب ذلك انخفاض مستويات المعيشة للمواطن العربي حيث لا يزيد نصيبه من الناتج الاجمالي على 277 دولار سنويا بجانب تفاقم مشكلة البطالة حيث تصل الى 10% بما يعني 10 ملايين عاطل وأشار الجويلي الى تدني نصيب المنطقة العربية من الاستمارات العالمية والذي لا يزيد على 1% توازي 9.5 مليارات دولار بينما تتراوح الأموال العربية في الخارج ما بين 600، 700 مليار دولار. وأشار جويلي الى معوقات الاندماج الاقتصادي التي تتمثل في الأوضاع السياسية وقضية الصراع العربي الاسرائيلي، وضيق القاعدة الانتاجية، وعدم تركزها بالاضافة الى التركيز على التجارة في تحقيق التكامل وكذلك غياب نظام التعويض للخسائر التجارية بينما أشار جويلي الى امكانية النجاح في هذا المجال عن طريق الاتحادات العربية المخصصة التي تصل الى 29 اتحادا تربط شبكات الأعمال وطالب بأهمية أن يمتد التحرير التجاري الى قطاع الخدمات الذي يمثل 50% من الناتج المحلي العربي. القاهرة ـ ماجدة خضر: