تطرقنا في الحلقات الماضية لطرق التملك الاسلامية، ووجدنا ان اهم هذه الطرق المباحة في الاسلام اربع وهي العمل والميراث والوصية واحياء الارض الموات، وكان العمل اهم عامل من عوامل التملك الاسلامي بل والانتاج ايضا، وهو في هذا لا يطابق الفكر الاقتصادي الحديث وحسب وانما يسبقه بأكثر من عشرة قرون في هذا المضمار. واليوم نقف على نظرية التوزيع الاسلامية ولنكتشف ايضا سبق الفكر الاسلامي للفكر الوضعي في معالجة هذه المسألة الحساسة والتي هي لرأينا اهم واخطر من نظرية الانتاج، لان شكل توزيع الثروة والناتج الاجتماعي يعكس بالضرورة شكل ملكية الارض ووسائل الانتاج الاخرى وصورة المجتمع العامة وشكل البنية المختلفة. ان عوائد عوامل الانتاج في النظرية الاقتصادية الحديثة اربعة هي الاجر والريع والربح والفائدة، والاسلام الغى اولا كل دخل مكتسب عن طريق رأس المال بشكل فائدة، وأيا كانت نسبة الفائدة تعتبر (ربا) في الفقه الاسلامي، والربا يعد في نظر الاسلام من المحرمات (الكبائر)، (أحل الله البيع وحرم الربا)، وقوله تعالى ايضا: (ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون) آل عمران 130، ووصل الامر إلى ان اشهر الاسلام الحرب في وجه الربا، حربا من «الله عز وجل، وهي حرب محسومة نتيجتها مسبقا»، (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة 278. لا نعتقد ان هناك تشريعا أو قانونا أو مذهبا حرم الفائدة مثملا حرمها الاسلام، وبتحريمه لها بهذا الشكل القاطع فانه قد قضى على اهم مصدر ووسيلة من وسائل الاستغلال في المجتمع، وهذه الوقفة الجدية من ظاهرة الفائدة تعني ان رأس المال النقدي غير منتج لذا لا يستحق أي عائد وان استعماله بطريق الربا (الفائدة) هو استعمال استغلالي لا يقره الاسلام ابدا. ان الاسلام لم ينه عن الربا وحسب، بل ونهى عن جميع الطرق التي فيها اكتساب المال يتم لمصلحة شخص على حساب مصلحة شخص اخر، كالغش والسرقة والاحتيال والرشوة، وما إلى ذلك، ومن ناحية اخرى فان الاسلام يؤيد كل الطرق التي يتبادل فيها الافراد المنفعة ويعتبرها عملاً مشروعا من حيث المبدأ، شريطة عدم مخالفتها لشرع الاسلام ونهجه العام.. (ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، الا ان تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما..) النساء 29، وقد اشترطت هذه الآية الكريمة مشروعية التجارة أو عقود العمل أو عقود المضاربة (عمل ورأس المال)، على ان يتحقق فيها شرطان: الاول ان تكون عن تراض بين الفريقين، وثانيا، الا تكون منفعة فريق قائمة على منفعة فريق آخر، وهذا ما يوضحه (ولا تقتلوا انفسكم) من الآية الكريمة السابقة، ان أي نوع من الكسب غير المشروع كالسرقة والرشوة والقمار والتدليس، يوجد فيه كل من هذين الشرطين وان كان يوجد في بعضها شرط التراضي فانه يعوزه الشرط الآخر. ولابد من التنويه الا انه ظهرت بعض الآراء الفقهية الحديثة، وهي آراء محدودة جدا لا تقف موقفا سلبيا تماما تجاه المصارف والبنوك الربوية خاصة تجاه نشاطاتها الانتاجية والاستثمارية، لدرجة انها تغمض عينيها ولا تقطب حاجبيها حتى عن الربا «الفائدة» الممنوحة لرؤوس الاموال الانتاجية وتبرر ذلك بان مثل هذه القروض تحقق نفعا عاما للمقرض وللمقترض وللمجتمع على السواء. في حين ان القروض النقدية في العهود القديمة كانت في معظمها ان لم يكن جميعها لاغراض استهلاكية، وبالطبع فانه في هذه الحال فانها تعمل على تفكيك المجتمع وخلخلة نسيجه الاجتماعي وحتى السياسي، لانها تعمق الفوارق الاجتماعية، وتضاعف درجة الاستقطاب بين فئات المجتمع المختلفة، ولكن هنالك شبه اجماع فقهي على تحريم الفائدة ايا كان شكلها، وتحريم معظم نشاطات البنوك غير الاسلامية «الربوية» وان نشوء البنوك الإسلامية في العالم الاسلامي منذ ربع قرن مضى تقريبا، يعد بادرة طيبة وايجابية ويستحق الثناء رغم تحفظاتنا على بعض فعالياتها ونشاطاتها، وسنحاول إن شاء الله ان نكتب عنها في وقت لاحق. ومن الجدير بالذكر ايضا ان الشرائع الالهية (المسيحية واليهودية) هي الاخرى تحرم الربا، ولكن الكنيسة، أو بالاصح رجال اغلب الكنائس «وبالاخص الكنائس البروتستانتيه» لم تعد تدير وجهها استنكارا للتعامل بالفائدة، منذ القرن السادس عشر، ومع بدايات نشوء النظام الرأسمالي الحديث وتطور حاجات المجتمع الجديد. اما احبار اليهود «كتبة التلمود»، فانهم اجازوا (بل وشجعوا) فرض الربا على الاقوام الاجنبية «غير اليهودية» وبقوا يحرمون الفائدة على اليهود، وفيما بينهم، ان هذا الموقف ليدل دلالة واضحة على مدى ايمان اليهود باستغلال الاخرين، واستعبادهم انطلاقا من فهم وتفسير خاطئين لما يسمى باسطورة شعب الله المختار. ان الاسلام لم يحرم الربا (الفائدة) من وجهة نظر اخلاقية (حماية الضعفاء والفقراء) أو من زاوية فلسفية أو اجتماعية وحسب وانما ايضا من وجهة نظر اقتصادية، لانه ينظر نظرة بعيدة ويقف على آثار الربا المباشرة وغير المباشرة، وما يمكن ان تفعله بالاقتصاد القومي ككل، وسنكتفي هنا بتوضيح اثرين من اثارها الاقتصادية، «في المجال الاستهلاكي والمجال الانتاجي»، تسمح القروض الربوية في المجال الاول بزيادة استغلال الفقراء المحتاجين وزيادة فقرهم وبالتالي نقص دخولهم في المستقبل ومن ناحية اخرى تزيد من غنى المرابين وتعظم دخولهم، وبالطبع ان الطبقات الفقيرة والمحتاجة تشكل عادة الغالبية العظمى من المجتمع، وهذه في حالة نقص الدخل لديها، فان طلبيها «الطلب الكلي على السلع الاستهلاكية والاستثمارية»، سينقص، واذا ما علمنا ان هذا الطلب هو المفتاح السحري لتحريك عجلة الاقتصاد القومي ككل، لادركنا كم سيكون حجم المشكلة الاقتصادية كبيرا ومكلفا على الافراد والمجتمع على السواء. اما في مجال الانتاج والاستثمار، فان آلية النظام المصرفي الربوي تسمح بانسياب الاموال إلى الاغنياء المتمكنين على تسديد القرض في حين يتحمل غيرهم اعباء هذا التمويل، اما في النظام الاسلامي (المصرفي وغيره) كما هو الحال في القراض، فان ملاءة رجل الاعمال لا تغري بتقديم التمويل اليه، لانه سيشارك في الارباح، وفي حالة الخسارة فان ثروة هذا الانسان لا تغطي من الخسارة شيئا، وبالتالي فانه في حين تتحرك آلية التمويل الربوي إلى الاغنياء وليسوا هم شرطا ان يكونوا الاكفاء، فان الية النظام المصرفي الاسلامي تسمح بتدفق الاموال إلى افضل المنظمين وافضل المشروعات، وهذا بالضرورة سيزيد من الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ويضاعف قدراته دون تخصيص موارد اضافية.