من بين الموضوعات الاساسية التي سوف تناقشها القمة المقبلة لقادة التعاون في مسقط في نهاية ديسمبر المقبل هو موضوع مراجعة الاتفاقية الاقتصادية الموحدة. ان المصادقة على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة يعود الى الدورة الثانية لقادة دول المجلس والتي عقدت عام 1981 وذلك بهدف تنفيذ خطة العمل الاقتصادي المشترك ومراحل التكامل والتعاون الاقتصادي بين دول المجلس. وقد تناولت هذه الاتفاقية قضايا التعاون الاقتصادي في المجالات التالية: التبادل التجاري والتعاون الجمركي و انتقال الاموال والافراد وممارسة النشاط الاقتصادي والتنسيق الانمائي بما في ذلك التنسيق البترولي والصناعي والزراعي ودعم المشروعات المشتركة والتعاون الفني في مجال توطين التقنية وتدريب وتأهيل القوى العاملة والنقل والمواصلات والتعاون المالي والنقدي. وقد اعتبرت هذه الاتفاقية بمثابة مرجعية العمل الاقتصادي المشترك بين دول المجلس. واليوم وبعد مرور نحو اثنين وعشرون عاماً على بدء مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي المشترك، يبدو ان الآمال التي رسمت في بداية المسيرة لا تزال بعيدة عن استكمال الاسس والقواعد المتينة التي تجسدها تجسيداً حقيقياً. وقد جاءت التطورات العالمية المتسارعة وخاصة فيما يتعلق بالجات والعولمة لتضيف مازقا اخر امام هذه المسيرة . ويبدو المشهد القائم حالياً بالغ التناقض. ففي حين لا تزال دول المجلس تناقش تحرير كافة اشكال العمل الاقتصادي فيما بينها، فانه يفرض عليها عالمياً تحرير هذه الاشكال...، فاذن ما هو المخرج لهذا المأزق؟ قادة دول المجلس واستشعار منهك لهذا المأزق اوكلوا للمجلس الاستشاري في اختتام قمتهم قبل عامين مهمة تقييم مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي والخروج بتوصيات محددة ترفع لاجتماعهم المقبل في المنامة. المجلس الاستشاري اجتمع بدوره واعاد تقييمم المسيرة. ولم يكن مفاجئاً ان يتوصل هذا المجلس الى حقيقة اساسية بشأن معوقات العمل الاقتصادي المشترك وهي ان عمومية الأهداف وتعدد المواضيع التي تناولتها الاتفاقية الاقتصادية الموحدة دون ربطها ببرنامج زمني يحدد الأولويات وآليات تنفيذها، ساهم في عدم الاتفاق على ما ينبغي تحقيقه وفق مراحل محددة. كما وانه وفي القضايا المحدودة التي نص فيها على برنامج زمني لم يتم الالتزام بهذا البرنامج مما أدى الى تأجيل البت في مواضيع أساسية مثل توحيد التعرفة الجمركية وإقامة الاتحاد الجمركي لدول المجلس. لقد اكد المجلس الاستشاري في تقريره الذي كان من المفترض رفعه الى القمة السابقة للمجلس في البحرين ان تطوير التعاون الاقتصادي المشترك في اطار مجلس التعاون يجب ان يبدأ باجراء بمراجعة شاملة للاتفاقية الاقتصادية الموحدة بهدف تحديد وتوضيح أهداف العمل الاقتصادي المشترك في ضوء المستجدات الاقتصادية الاقليمية والدولية وتجربة مجلس التعاون في هذا المجال خلال العقدين الماضيين ورسم خطوات تنفيذية لتحقيق تلك الاهداف وفق برنامج زمني واضح ومحدد تلتزم به الدول الأعضاء ويتم تنفيذه عبر آليات عمل مشتركة يتم الاتفاق عليها. ويلاحظ من خلال ما تم طرحه - من خلال قنوات غير مباشرة - ان المشاريع والآليات المقترحة تستفيد وعلى نحو واسع من التجربة الاوروبية في خلق كيان موحد فيما بينها الا انها بذات الوقت تلامس التطلعات الخليجية المشتركة خصوصاً ان هذه المقترحات تستند على نفس مواد الاتفاقية الاقتصادية الموحدة ولكن بلغة محددة. فالاتفاقية الاقتصادية الموحدة طالبت بتحرير التبادل التجاري بين دول المجلس خصوصاً فيما يتعلق بالسلع المصنعة وطنياً. لذلك يدعو المشروع المقترح إلى تشكيل هيئة اقليمية لشهادات المنشآت تكون مهمتها اصدار شهادة موحدة ومعتمدة بخصوص المنتجات الوطنية. كما اقترح إنشاء هيئة إقليمية للاستيراد والتصدير مهمتها تحديد أهمية كل سلعة من تكلفة الناتج الوطني وتوحيد شروط التفاوض الإقليمي للاستيراد والتصدير الموحد لدول مجلس التعاون في معادلة أكثر الكميات بأقل الأسعار استيراداً وأعلى الأسعار بأقل الكميات تصديراً. وفي مجال انتقال الاموال والافراد وممارسة النشاط الاقتصادي - وهو الفصل الثاني من الاتفاقية - يدعو المشروع المقترح الى إنشاء هيئة إقليمية للنشاط الاقتصادي تكون مهمتها وضع سجل إقليمي للأنشطة الاقتصادية مع تأسيس وعاء لكافة رسوم التسجيل وكذلك وضع نموذج موحد لتحديد أنواع الشركات الاقتصادية وأنواع العقود التجارية والوكالات الاقتصادية. وفي مجال التنسيق الائتماني يتم إنشاء هيئة إقليمية للتخطيط والإنماء الاقتصادي تكون مهمتها العمل على الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي ومراكز الإحصاء ومجالس ولجان التخطيط في دول مجلس التعاون . كذلك وضع خريطة إنمائية موحدة للاسترشاد في وضع برامج وتخطيط التنمية في دول مجلس التعاون . كما يقترح إنشاء هيئة إقليمية للصناعة النفطية تكون مهمتها التنسيق بين الأجهزة المعنية بشئون النفط والغاز والبتروكيماويات ودعم المشاريع المختلطة والخاصة والتكاملية بين دول المجلس . وكذلك إنشاء بنك صناعي إقليمي تناط اليه انشطة تمويل المشاريع الإقليمية. ويتكون رأسماله من مساهمات البنوك الصناعية في دول المجلس بنسبة 30% من رأس مال كل بنك إلى جانب 10% من أرصدة صناديق التقاعد وهيئات التأمينات الاجتماعية والأوقاف وصناديق الاستثمار الخاصة. وفي مجال التعاون التقني يتم إنشاء مركز إقليمي للبحوث والعلوم التطبيقية والتكنولوجية تكون مهمته التركيز على إعداد بحوث ودراسات ميدانية في مجالات الصناعات النفطية والبتروكيماوية والغاز - الطاقة الشمسية - تحلية المياه - الزراعة - التصحر - الطاقة - شبكات المواصلات . كما يتم انشاء مركز اقليمي للتدريب الفني مهمته إيجاد سياسة موحدة لبرامج التدريب المهني والفني والحرفي والتصنيف المهني، والإشراف على تنظيم توزيع القوى العاملة، حسب احتياجات التنمية لدول المجلس . ويدعو المشروع المقترح الى إنشاء هيئة إقليمية للنقل والمواصلات تكون مهمتها دعم السياسات بمشاركة القطاع الخاص بتأسيس وتطوير شركات متخصصة في مجالات النقل (البحري-البري-الجوي) والمواصلات مع تقديم أحسن خدمة بأفضل المواصفات وبأقل الأسعار لدعم التكامل الاقتصادي بين دول المجلس. وكذلك تشجيع ودعم الشركات المختلطة وشركات القطاع الخاص في إقامة وتنفيذ إدارة مشاريع البنية التحتية كالموانيء ومحطات الماء والكهرباء، والطرق، والمطارات. اما في مجال التعاون المالي والنقدي، فالمشروع المقترح يدعو الى إنشاء هيئة إقليمية للاستثمار مهمتها وضع تشريع إقليمي موحد لكافة القوانين الوطنية المتعلقة بالأنشطة الاستثمارية والعمل على تطوير كافة الأساليب والأنظمة وأدوات وآليات السوق الاستثماري. كذلك إنشاء بنك مركزي إقليمي مهمته الإشراف على كافة البنوك وصناديق الائتمان والمحافظ الاستثمارية والادخار والعمل على الإسراع في إصدار العملة الموحدة لدول مجلس التعاون. حيث تساهم فيه كافة البنوك المركزية بنسب لا تقل في البداية عن 25% من موجوداتها. كذلك تشجيع ودعم خلق المؤسسات المالية العملاقة من حيث رؤوس أموالها والعمل على الدمج بين المؤسسات المالية الاستثمارية الموجودة أو تاسيس مؤسسات جديدة برؤوس أموال مشتركة من الشركات المعنية في المجال والاختصاص مثل شركات التسهيلات - شركات التأمين - شركات التوفير والادخار - بنوك عقارية - تجارية - زراعية . بالاضافة الى خلق (سوق للأوراق المالية) بورصة إقليمية خليجية، واعتبار أن البورصات الخليجية الحالية المتعددة، فروع إقليمية تتبع مركزاً رئيسياً واحداً هو البورصة الإقليمية. واخيرا لا بد من التأكيد ان مراجعة الاتفاقية الاقتصادية الموحدة يستهدف ايضا تحديد وتوضيح أهداف العمل الاقتصادي المشترك في ضوء المستجدات الاقتصادية الاقليمية والدولية وتجربة مجلس التعاون في هذا المجال خلال العقدين الماضيين. ومن ثم لابد من رسم خطوات تنفيذية لتحقيق تلك الاهداف وفق برنامج زمني واضح ومحدد تلتزم به الدول الأعضاء ويتم تنفيذه عبر آليات عمل مشتركة يتم الاتفاق عليها. علاوة على ذلك هناك حاجة ماسة للنظر في الغاء القواعد والضوابط المقيدة الملحقة بقرارات التعاون الاقتصادي لا سيما في مجال المواطنة الاقتصادية، حيث تعيق هذه الضوابط التنفيذ الفعلي والاستفادة المثلى من هذه القرارات. ويقترح في هذا المجال معاملة مواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين في أي دولة من الدول الأعضاء معاملة مواطنيها، الأمر الذي يقتضي الاكتفاء بنفس القواعد والضوابط المطبقة على مواطنيها. كما ان معظم الأنظمة (القوانين) التي تم الاتفاق عليها واعتمادها ذات طابع استرشادي، ولتعزيز التكامل الاقتصادي وللاسراع بتوحيد التشريعات بدول المجلس ينبغي أن تكون هذه الانظمة الزامية التنفيذ بعد مرور فترة معينة لا تتجاوز ثلاث سنوات، وهي مدة كافية لجعل الانظمة السارية في الدول الاعضاء متواكبة معها. لذلك لابد من التأكيد على الزامية القرارات الصادرة من المجلس الأعلى وسرعة اتخاذ الاجراءات القانونية والتنفيذية لتطبيقها في كل دولة من الدول الاعضاء.